«اللهم صيبا نافعا» دعوة صعبت استجابتها حتى بعد صلاة الاستسقاء، لكن ومع الدعوات والتضرع لله أن يغيثنا، أصبحنا نخاف المياه التي تحيي كل شيء، والتي تخلصنا من حالة الجفاف، التي تضرب البلاد منذ مدة، وبعد توقعات الأرصاد الجوية ونشراتها الخاصة، سقطت أمطار «الخير» لكنها أغرقت الشوارع والمدن والقرى وقطعت الطرقات وعزلت الكثير من الأحياء، وخلفت بعض الضحايا، ومن بين الضحايا الذين لم يتم العثور على جثته لحد كتابة هذا المقال المحامي مهدي زيتوني، الذي تم العثور على سيارته التي جرفتها المياه، ولا خبر عن الزميل لحد الساعة «يا رب سمعنا خبر خير» كما جاء في تدوينة المحامي عبد الغاني بادي على صفحته على الفيسبوك، ما المشكلة من تساقط المطر، أكيد ليست في المطر ولا غزارة هطولها، لكن لماذا تغرق مدننا في «شبر ماء»؟ لماذا لا تكتمل فرحتنا بعودة الأمطار التي تغسل الشوارع وتنظف الأشجار المغبرة، وتعيد للسماء نضارتها وللأرض شبابها وتجدده، ليزهر العشب والرزق للإنسان وللحيوان.
لكن موسم تهاطل الأمطار صار يرتبط عندنا بالكوارث، الأمطار التي تساقطت كانت غزيرة فأغرقت عدة بلديات بسيول جرفت سيارات وسدت منافذ عدة أحياء، خصوصا غرب العاصمة.
ويضيف موقع «سبق برس» عن بلاغ للحماية المدنية عن مخلفات الأمطار الطوفانية أدت إلى غلق الطريق بين أسطاوالي وعين البنيان في اتجاه الطريق السريع الرابط بين زرالدة وبن عكنون بسبب ارتفاع منسوب المياه، بالإضافة إلى الطريق الوطني رقم 36 بأولاد فايت على مستوى الممر السفلي المحاذي لدار الأوبرا مغلق بسبب ارتفاع منسوب المياه».
ولم تتوقف مقاطع الفيديو، التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عن توضيح ما فعلته السيول الجارفة في تلك الأحياء خاصة بالسحاولة وحالة الطريق السريع بالقرب من المسجد الأعظم وغيره من الأماكن، بل تم نشر صور لجثث جرفتها السيول من المقابر، يبدو أننا لا نتعظ مما حدث في «باب الواد» في 2011، وأن طريقة تنظيف البالوعات والطرق الرئيسية ليس برؤية بعض العمال على حافة الطرق، الذين يبدو عليهم الاجهاد وعدم الاكتراث والشحوب وعدم التحفز لما يقومون به أمام الأجر الزهيد الذي يتقاضونه والذي لا يسد حتى الرمق، لضرورة سد الرمق كل الطرق مباحة للتجار الجشعين، لماذا الجشع وتلويث لقمتنا بالمحظورات والمحرمات، لقد تعود «المواطن الغلبان» على غلاء الأسعار، الذي ما زال مستمرا، بينما لم يشبع من يسرقون قوته وعرقه.
مسحوق حفظ الجثث ولحم خنزير
سمعنا عن استبدال الحمير بالغنم والأبقار، وأكلنا لحوم الحمير، بعدما كانت تكتشف مقابر لرؤوسها، أكلنا لحوما مجمدة مستوردة لا نعرف إن كانت حلالا أم لا، في كل مناسبة ترتفع أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء، وبالرغم من ارتفاعها يجد التاجر الجشع المنفذ ليسمم طعامنا وبدننا، ماذا أكثر من خلط مسحوق حفظ الجثث باللحم المفروم، حيث «حجزت مصالح التجارة في وهران الخميس الماضي 12 كغ من اللحم المفروم لدى أحد الجزارين لعدم صلاحيتها للاستهلاك والغش في طريقة تحضيرها» كما جاء في جريدة «الخبر» كما «أفادت المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك أن مصالح مديرية التجارة لولاية وهران وبحضور الأمن الحضري الـ 23 ، ضبطت مادة مسحوق حفظ الجثث على طاولة تجهيز اللحوم بمحل الجزار، كما لاحظت الغياب الكامل لشروط الحفظ والنظافة» وحسب المعلومات المتداولة (تضيف الخبر) «فإن صاحب أحد محلات الجزارة يستعمل أملاح النترات التي تستعمل في حفظ الجثث، في تحضير المرڤاز واللحم المفروم للحفاظ على نضارتهما بعد أن تطول مدة عرضها في المحل» ولم يكتف هذا التاجر باستعمال تلك المادة في لحوم محله، بل «كان يسوق هذه المادة لبعض محلات الجزارة الأخرى في مدينة وهران، حسب تصريح جمعية حماية المستهلك، مشيرة إلى أن هذه المادة الكيميائية التي تستعمل في حفظ الجثث، خطيرة جدا إذا ما تم استعمالها عشوائيا وتسبب أضرارا صحية عديدة، كالسرطان، كما أنها تشكل خطرا أكبر على الرضع والحوامل حيث تتسبب في حدوث عيوب خلقية للجنين».
الأكل الصحي لا يؤمن بسهولة، وكان يأخذ من وقت الفلاح ومربي المواشي الوقت الكثير والجهد الأكبر، وكانت البذور والـ»النقلة» أي الفسائل تحضر بعناية للمواسم الزراعية المقبلة، وحتى خميرة العجين كانت ربات البيوت «الخبازات» يقمن بـ»تربيتها» كما يقال، لتخمر وتضاف للعجين الموالي لينعم الجميع بالصحة، لكننا تنمرنا على أطباقنا الصحية وعلى طرق تحضيرها وترفعنا عن الزراعات المعاشية وعن تربية الماشية والدواجن والاكتفاء الذاتي بسم «التحديث» فوقعنا في فخ الأكل الملوث الموبوء والمحرم، وأصبحنا نتوق للمنتوجات العضوية ونرفع لها الشعارات والندوات لكنها تزداد ندرة وغلاء، وازدادت ترفعا عن موائدنا، وامتلأت تلك الموائد بما يوضع على رفوف المحلات الكبيرة والمولات، من كل المواد المرتبة بأناقة والجاذبة للعين والبطن، لذلك نأكل الخنزير، بـ»صحتنا» وبدون أن ندري، هكذا تقوم منظمة حماية المستهلك بتحذيرنا من منتوج بلحم الخنزير في أسواقنا، كما جاء في مواقع التواصل الاجتماعي وفي جريدة «الشروق» التي ركزت على ما أفادت به «منظمة حماية المستهلك من خلال منشورها أن المنتوج المتداول في الأسواق عبارة عن صلصة تحمل علامة «باريليا» تحتوي على قطع من لحم الخنزير، وأضافت المنظمة أن الإعلان عن المنتوج تم بطريقة مستعجلة لإعلام المستهلك وايقاف الضرر المعنوي، كما تساءلت المنظمة في منشورها عن الدور الذي يقوم به المتعامل ببيع هذا المنتوج الذي لم يكلف نفسه قراءة منتوجات المواد المستوردة حماية للمصالح المعنوية للمستهلك المسلم»!
اللغة العربية في القطاعات كافة
اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي إشادة وفرحا بعد قرارات وتعليمات وزيري الشباب والتكوين المهني القاضية بجعل كل المراسلات الرسمية في قطاعيهما باللغة العربية، خاصة في ظل السياق الاستفزازي الذي تشهده الساحة السياسية بين الجزائر وفرنسا، ربما أتت هذه القرارات ومباركتها من طرف رواد منصات التواصل الاجتماعي لإزالة نوع من الوصاية الثقافية والمؤسساتية الفرنسية «علينا».
تناولت «الشروق» الجزائرية الموضوع ومما جاء فيه «التهبت المنصات الاجتماعية على اختلافها مباشرة عقب صدور وثيقتي الشباب والرياضة والتكوين المهني، وتم مشاركة الوثيقتين على نطاق واسع مع عشرات الآلاف من المناشير والتعليقات، وصار من أكثر المواضيع تداولا على شبكة فيسبوك في الأيام الماضية، وتم التطرق للموضوع من طرف وسائل إعلام على اختلافها وصفحات ومجموعات على فيسبوك.
وتحولت القضية في غضون ساعات إلى مطلب شعبي انتشر كالنار في الهشيم خصوصا على شبكة فيسبوك التي تعد الأكثر انتشارا في الجزائر، وشددت تعليقات كثيرة ومناشير، على ألا تكون هذه الاجراءات مناسباتية ظرفية فقط، تزامنا مع التصعيد الدبلوماسي بين الجزائر وفرنسا» كما جاء في مقال «الشروق» المعنون بـ»حملة لتعميم التعريب وتطبيقه في كافة القطاعات» أن « وزارة الشباب والرياضة كانت قد نشرت قبل أيام تعليمة موجهة للمديرين العامين والمركزيين ومديري الشباب والرياضة عبر الولايات والمؤسسات العمومية التابعة للقطاع، طالبت فيها بضرورة تعميم استعمال اللغة الوطنية في كل المراسلات الداخلية للقطاع على المستوى الوطني» وكذلك الأمر بالنسبة لوزارة التكوين المهني التي دائما وحسب «الشروق»: «وفي نفس المنحى راسلت وزارة التكوين والتعليم المهنيين، بتعميم استعمال اللغة العربية في ميدان التدريس في المؤسسات التكوينية التابعة للقطاع، حيث وجهت تعليمة إلى إطارات الادارة المركزية، مديري التكوين والتعليم المهنيين في الولايات، إضافة إلى المديرين العامين لمؤسسات الدعم ومديري معاهد التكوين والتعليم المهنيين، تأمرهم فيها بتعميم استعمال اللغة العربية» ومتى دخلت هذه التعليمات حيز التنفيذ، فليس في وقت قريب كما قد نتوقع، فقد تبقى مجرد تعليمات لا تطبق على أرض الواقع إلا لمن يهمه الأمر من المعربين، وتبقى الممارسات الفعلية في هذه المؤسسات التابعة للوزارتين أو لتعليمات بريد الجزائر، باللغة الفرنسية تحت العديد من الذرائع والحجج، لذلك سيبقى الجدل متواصلا كلما تعلق الأمر باللغات في الجزائر، وفي كل مناسبة تطرح القضية اللغوية مع أي لغة من اللغات وحسب المواسم والأعياد، يتخيل للملاحظ أن اللغة المحتفى بها هي السائدة وهي المسيطرة على مفاصل الإدارة والمؤسسات، لكن في كل الحالات تبقى اللغة رهينة المكتسبات الاجتماعية وتطور المؤسسات، وليست نتيجة نظرة دفاعية واندفاعية من طرف اطراف ثالوث النزاع اللغوي في الجزائر العربية والفرنسية والأمازيغية.
كاتبة من الجزائر