قد تميل صورة المرأة في الشمال، إلى الإمحاء، فهي بالكاد مرئية في مدن الساحل، من عنابة شرقاً إلى وهران غرباً، غير مرغوب بها في الفضاء العام، مجبرة على مسايرة المجتمع الذي تحيا فيه، والذي لا يرى غضاضة في إخفائها، المرأة هناك ليست أكثر من رقم في جداول الإحصاء، ليست سوى أم أو حاضنة، مسلوبة القوى، عاجزة عن تعزيز مكانتها، لا سبيل لها في التوسع أو التقدم إلى الأمام، عكس حال نظيرتها في الجنوب، التي ما تزال تنعم بحرية ـ نسبية ـ تناور من أجل ألا تظل حبيسة أربعة جدران، تغامر صوب الخارج وتبادر إلى المعارك قصد حفظ مرتبتها رغم إكراهات الذكورية السائدة، وتلك هي حالة مليكة، بطلة الشريط الوثائقي «143 طريق الصحراء» للمخرج حسان فرحاني، واحد من أهم أسماء الجيل الجديد في السينما الجزائرية، الذي يكرس مكانته من عمل لآخر، في آخر أشرطته «143 طريق الصحراء» نتلمس وجهاً غير معروف من جزائر الداخل، جزائر الظل التي نسمع عنها دون أن نراها، يصوب كاميرته باتجاه مليكة، تلك العجوز التي قضت عمراً وحيدة، بلا أطفال ولا زوج، بلا عائلة ولا سقف، قبل أن تشيد مقهى على قارعة طريق، يفضي إلى الصحراء الكبرى، تعرض شاياً وقهوة ومأكولات خفيفة، على العابرين من سائقي الشاحنات ومن سياح يجوبون بلاد الرمال، تلك العجوز ليست مجرد شخصية في فيلم وثائقي، بل حكاية تقتسمها معها نسوة أخريات، فضلن نهج المغامرة بدل العيش تحت سلطة الرجل الواحد.
الكلام بصمت
ماذا أراد حسان فرحاني أن يخبر المُشاهد في شريطه الأخير؟ الذي طاف مهرجانات وحاز جوائز. يبدو أنه نفسه لا يعرف الإجابة، لم يتكل سوى على كاميرته، وعلى مرافقة الكاتب والصحافي شوقي عماري له، والجلوس بجانب السيدة مليكة، مع تصويرها في حالاتها كلها، في سكونها وفي ضوضائها، وهي تستقبل رجالاً يبتاعون تبغاً أو شاياً أو في جلستها مع سائحة بولونية، كلهم جمعهم اندهاش واحد: كيف يعقل أن تنتصب أمامهم امرأة تجاوز سنها نصف قرن ونيف، في مقهى على طريق لا يفضي سوى إلى الصحراء؟ سوى إلى القفار والكثبان. كان من الممكن أن تكون حكاية مليكة مجرد حدث عابر في بلد آخر، لكنها في الجزائر تصير حدثاً مركزياً، لا أحد سبق له أن شاهد امرأة تتكل على نفسها في بطن الصحراء، أقرب مدينة مأهولة تبعد عنها بأكثر من خمسين كيلومترا. قاومت مليكة قساوة حياتها الشخصية، وقساوة البيئة التي وجدت نفسها فيها (وهي القادمة من أقصى شرق البلاد) شيدت مقهاها وخاضت حياة صامتة.
حكاية «143 طريق الصحراء» هي سيرة مختصرة عن جزائر بمساحة قارة، لكن أخبارها كلها تصب في أذني امرأة واحدة اسمها مليكة، تعرف ما لا يعرفه رجال ذلك البلد.
الصمت هو أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الفيلم، صمت يتناغم مع جو الصحراء المحيطة بالشخصية الرئيسية، إطالتها في الصمت وهي تتحدث عن نفسها أو مع زبائنها، صمت القادمين إليها، المنهكين من ساعات طويلة من السياقة في الطرق الصحراوية، وصمت أعمق ترجوه مليكة أن يرافق حياتها إلى منتهاها. هل أراد المخرج أن يجعل من شخصيته، صورة مصغرة عن الجزائر المعاصرة؟ ذلك ما يتراءى لأي مشاهد. فمليكة صامتة في غالبية الأحيان مثل صمت المرأة الجزائرية، في العموم، لا تنطق سوى عندما يحل زبون يطلب سجائر أو أكلاً أو شرباً، كما أنها مستمعة جيدة، تصغي إلى القصص التي يتلوها عابرو الصحراء، سائقو الشاحنات، كل واحد منهم يأتي من منطقة مختلفة من مناطق البلد، من كثرة ترددهم على المكان باتت تعرف أسماءهم وحكاياتهم، لا ترويها على المخرج، بل تدعهم يروون قصصهم بأنفسهم، يشاركونها الأدوار في «143 طريق الصحراء».
امرأة مهددة
رغم أن مليكة تمثل استثناءً في الحالة الجزائرية، امرأة وحيدة تحرس الفراغ، تدير مقهى في عمق الصحراء، تحدياً لمنطق الذكورية، فإنها تتشارك مع نظيراتها في أشياء أخرى، فهي لا تغادر موقعها، لا تفعل شيئاً، بل فقط تجلس في مكانها وتنتظر الزبائن أو من يشقون الطريق، تبدو حياتها في رتابة، كل يوم يشبه آخر، وقد يخيل لنا، من الوهلة الأولى، أنها ستسير في السبيل ذاته إلى آخر أيامها، بل إنها نفسها تقول إنها لا ترجو شيئا آخر من الحياة، لكن حدثاً سوف يشعرها بالخوف، يهدد عزلتها، وهو حين يقبل أحد الأثرياء على تشييد محطة بنزين بالقرب منها، مرفقة بمطعم ومقهى، أحست مليكة بأن حالها سوف يتغير، حياتها التي ألفتها ستنهار، ذلك المشروع الذي يجاورها، سيستمر الحديث عنه طوال الشريط، فمهما ابتعدت ونأت بنفسها لا بد أن تصادفها مشاق، لا يبدو أن يحل رجل سكينتها. هذا التهديد يشبه تهديد المجتمع الذي فارقته، كما لو أن لعنة تلاحقها، ولا يخبرنا الفيلم بمصير تلك السيدة، هل المحطة شرعت في نشاطها أم لا؟ هل اضطرت مليكة إلى غلق مقهاها أم لا؟ يترك تلك الواقعة معلقة، مع شعور أن الخطر يدنو منها وأن حياتها ستتغير في أي لحظة. في خضم تركيز المخرج على مليكة، يروي ـ عن غير قصد منه ـ يوميات الصحراء، تلك البقاع التي تجهلها ساكنة الشمال، يحكي عن ربوعها اللا منتهية، وأهلها بين من يقصد طريقة صوفية، من ينوي توصيل سلع أو غذاء إلى نقاط نائية، بين من يبحث عن أخيه الضائع، أو من يبحث عن مشروع يغنيه عن الحاجة هناك، ففي ذلك المكان الذي تقيم فيها مليكة، على الطريق الوطني رقم واحد، الذي يمتد من الجزائر العاصمة إلى حدود دولة النيجر، بما يفوق ألفي كيلومتر، تدور وقائع الشريط، نشاهد امرأة في عزلتها، لكنها لا تغمض عينيها عما يجري في بلدها، تعيش بعيدة عن النقاط المأهولة، لكنها على دراية بما يحصل في وطنها، حكاية «143 طريق الصحراء» هي سيرة مختصرة عن جزائر بمساحة قارة، لكن أخبارها كلها تصب في أذني امرأة واحدة اسمها مليكة، تعرف ما لا يعرفه رجال ذلك البلد.
روائي جزائري