لندن ـ «القدس العربي»: كما كان متوقعاً، اضطر رئيس برشلونة جوان لابورتا، للتخلص من الكابوس الهولندي رونالد كومان، بإعلان بيان طرده من «كامب نو»، بعد ساعات تعد على أصابع اليد الواحدة، من الهزيمة الموجعة، التي مني بها الفريق على يد رايو فاييكانو بهدف نظيف في إطار منافسات الجولة الحادية عشرة للدوري الاسباني، والتي جاءت بعد 3 أيام من الحسرة على السقوط أمام العدو الأزلي ريال مدريد بهدف مقابل اثنين في كلاسيكو الأحد الماضي، ليصبح أيقونة البارسا كلاعب في تسعينات القرن الماضي، أولى ضحايا أسبوع القمم والدربيات الكبرى في بلدان كرة القدم في أوروبا، وسط توقعات ومراهنات على إقالة المزيد من أصحاب المناصب المرموقة قبل تجمع اللاعبين الدوليين في عطلة نوفمبر / تشرين الثاني.
رهان خاسر
شاء القدر أن تكون ليلة الـ28 من أكتوبر / تشرين الأول، التي شهدت طرد الرئيس السابق جوسيب ماريا بارتوميو من منصبه في العام الماضي، تكون نفس ليلة الإطاحة بكومان هذا العام، كأنها رسالة بأن «ما بني على باطل فهو باطل»، ونتذكر كيف قامر رونالد كومان بمستقبله ومنصبه المضمون ووضعه الجيد مع المنتخب الهولندي، مفضلا الدخول في رهان وتجربة محفوفة بالمخاطر، بالموافقة على قيادة فريق يحتاج معجزة للعودة إلى وضعه ومكانته الطبيعية، وقبل هذا وذاك، يحتاج فترة ليست بالقليلة، لتجاوز صدمة فضيحة القرن أمام بايرن ميونيخ، تلك المباراة التي أعادت برشلونة إلى العصور الوسطى، وجعلته يفقد الكثير من هيبته وكبريائه، كفريق كان يضرب به المثل في «التيكي تاكا» وكرة القدم الممتعة للعين ومخيفة للمنافسين، إلى شبح يعيش على أطلال الماضي، خاصة في مباريات دوري أبطال أوروبا، التي لم تعد كالسابق، ليتجرأ الجميع على الكيان، بعد ظهور الفوارق الشاسعة بينه وبين كبار القارة.
والمثير للريبة بحق، أن كومان ضحى بفرصة قيادة منتخب الأراضي المنخفضة في اليورو، الذي تأجل لصيف 2021 بسبب الموجة الأولى لجائحة كورونا، وضحى كذلك بتوليفة اللاعبين السحرية، التي أحسن توظيفها لإعادة منتخب بلاده إلى الساحة العالمية، بعد الوصول إلى الحضيض الكروي في فترة ما قبل وبعد الفشل في الترشح لنهائيات كأس العالم في روسيا 2018، وأثبت ذلك بشكل عملي، بافتكاك بطاقة الترشح لنهائي النسخة الأولى لدوري الأمم الأوروبية، والتي خسرها أمام كريستيانو رونالدو ورفاقه في المنتخب البرتغالي، وسبقها ضمن التواجد في يورو 2020، مع ذلك، ضرب بمقولة حبيب الملايين عصام الشوالي عرض الحائط «المكان اللي جابلك الرزق بلاش تبدل فيه بلاش تغير فيه… لماذا تغير المكان يا ولدي»، ليجني ثمار ما زرعه، بنسف السمعة التي اكتسبها في فترته مع هولندا، بعد فشله الذريع في إقناع أكثر المؤيدين له بالاستمرار في منصبه لفترة أطول.
مشروع غامض
سيذكر كاتب التاريخ، أن كومان عاش في صراعات ومشاكل منذ يومه الأول في «كامب نو» وحتى لحظة إقالته، أو بالأحرى، يمكن تذكر مشاكله وتصريحاته عن الأزمات، أكثر من عدد المباريات التي ظهرت فيها بصمته، لعلنا نتذكر بداية افتعال الأزمات، بحرب التصريحات الباردة مع هداف الفريق السابق لويس سواريز، وكان ذلك، تنفيذا لتوجيهات الإدارة السابقة، لتفعيل خطة تقليل ميزانية الأجور، وكان السفاح واحداً من الأسماء المطلوب التخلص من راتبها الباهظ، لكن طريقة الانفصال، أقل ما يُقال عنها «لم تكن لائقة» بما قدمه النجم الأوروغواني مع الفريق، وذلك بإبلاغه بالبحث عن مستقبله في مكان آخر عبر مكالمة هاتفية. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، تفاجأ كومان بمعركة حامية الوطيس بين ليونيل ميسي والرئيس السابق بارتوميو، بعد عرقلة محاولة البرغوث في الرحيل، وما حدث في تصريحاته النارية، التي مهدت الطريق لجمع تصويت الاستفتاء لسحب الثقة من الرئيس ومجلسه المعاون.
وسط هذا الضجيج، لم يكن الفريق يتقدم قيد أنملة إلى الأمام، بتقديم محتوى لا يختلف كثيرا عن الباسكي إرنستو فالفيردي، بل أقل من حيث النتائج، خاصة على مستوى الليغا، بترك المنافسة على اللقب بين الثنائي المدريدي الريال والأتلتي، حتى في دوري الأبطال، ودع المسابقة من دور الـ16، بهزيمة مذلة في ذهاب «كامب نو» برباعية مقابل هدف، منها هاتريك للفرنسي كيليان مبابي، والاكتفاء بتعادل إيجابي بهدف لمثله وأداء مشرف في «حديقة الأمراء»، وكالعادة، ظل ليو، صانع الحدث إما بالتسجيل أو صناعة الفرص، فقط يمكن القول، إنه يحسب للمدرب الهولندي، أنه منح بيدري فرصته بشكل حقيقي، ليعبر عن نفسه كمشروع نجم مستقبلي بامتياز، وبدرجة أقل، أعاد القليل من بريق عثمان ديمبيلي الموسم الماضي، قبل أن يدخل في غيبوبة الإصابات طويلة الأجل هذا الموسم، ومثله مواطنه أنطوان غريزمان، ولو أنه انقلب على الأخير مع بداية الموسم الجديد، وطالب النادي بالتخلص منه، لعدم الحاجة لخدماته في التشكيلة الأساسية، ليأتي الهولندي لوك دي يونغ ليجلس على مقاعد البدلاء براتب لا يقارن بما كان يتقاضاه الأنيق الفرنسي، أما غير ذلك، فعلى المستوى الشخصي، لا أتذكر المزيد من بصماته الجيدة، حتى الشباب الذين قدموا أوراق اعتمادهم للحصول على دقائق أكثر، وفي مقدمتهم يوسف ديمير، تفنن في تحطيمهم معنويا ونفسيا، باستبعادهم بعد كل تألق، على عكس ما يفعله كارلو أنشيلوتي مع إدواردو كامافينغا وميغيل غوتيريز وباقي جواهر ريال مدريد المستقبلية.
إقالة متأخرة
كان الاعتقاد السائد بالنسبة لعشاق البلو غرانا، أن الرئيس الجديد سيقوم بإعفاء كومان من منصبه بعد انتهاء موسمه الأول، وذلك كما أشرنا أعلاه، لعدم ظهور ملامح المشروع الذي جاء من أجله ولا حتى بصمته، فقط إنجازه الوحيد كان الظفر بكأس ملك إسبانيا، بعد اكتساح أتلتيك بلباو بالأربعة في نهائي «لا كارتوخا»، ويبدو أن هذا التتويج، كان السبب الرئيسي في حصول كومان على بعض الوقت في منصبه، أو ربما لعدم قدرة الخزينة على تحمل قيمة الشرط الجزائي في عقده، بالإضافة إلى تحمل راتب المدرب الجديد، لكن كما يقول المثل: «تعددت الأسباب والنتيجة واحدة»، بظهور الفريق لا بأداء ولا شخصية تعبر عن هويته والطريقة المفضلة للجماهير، مع الاعتذار لعشاق النادي العظيم، كأنك عزيزي القارئ تشاهد فريقا شابا غير مؤهل للمنافسة على أقل البطولات المحلية، صحيح هناك فاجعة وغصة في القلب من قلة الجودة في القائمة المتاحة لكومان، مقارنة بباقي الأجيال في العصر الحديث، لكن لا أحد يشعر بتأثير المدرب ولا بصمته على أداء اللاعبين فرديا ولا في المنظومة الجماعية. ربما أمام المنافسين الكبار، يكون له العذر والحجة في تبرير الهزائم، بحكم فارق الجودة والخبرة، لكن ماذا عن منافسين مثل رايو فاييكانو؟ أسوأ من ذلك، الاكتفاء بتحقيق 3 انتصارات في آخر 10 مباريات، علما أن الفريق انحنى في نصف هذه المباريات أمام بايرن ميونيخ وبنفيكا بالثلاثة في دوري الأبطال، وأمام أتلتيكو وريال مدريد ثم هزيمة منتصف الأسبوع، ليضطر لابورتا للتراجع عما قاله قبل هزيمة الهنود الحمر بأن «كومان لن يرحل مهما حدث»، أملا في إنقاذ ما يُمكن إنقاذه مع الرجل المخلص الذي تنتظره الجماهير لإعادة الهيبة والشخصية التي يبحث عنها برشلونة منذ الاستغناء عن لويس إنريكي عام 2017، وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، لا تظهر المؤشرات أن الرجل القادم، على الأقل في المستقبل القريب سيكون المايسترو تشافي هيرنانديز، بعد رضوخه لضغوط مشجي ناديه السد القطري، لكي يبقى في منصبه لنهاية الموسم.
الضحية الجديدة
واحد آخر استنفد رصيده الاحتياطي لدى إدارة وجماهير ناديه، هو النرويجي أولي غونار سولشاير، بعد تدهور أوضاع مانشستر يونايتد معه بطريقة غير مسبوقة، آخرها الإذلال غير المقبول جماهيريا أمام العدو التاريخي ليفربول، في مباراة كلاسيكو عطلة نهاية الأسبوع الماضي، التي انتهت بخماسية كانت قابلة للزيادة، في ما اعتبرها الإعلام البريطاني بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير»، كإشارة الى أنها كانت شعرة معاوية بين الإدارة والمدرب الاسكندينافي، الذي يثبت من مباراة لأخرى، أن أفكاره وخططه لا تتماشى مع طموح النادي وجماهيره، خاصة بعد وصول حجم الإنفاق لأكثر من نصف مليار جنيه إسترليني في حقبته، وهو دعم يكفي لرؤية الفريق على قدم المساواة بالمنافسين الحقيقيين مانشستر سيتي، ليفربول وتشلسي، لكن على أرض الواقع، لا جديد يذكر ولا قديم يعاد، حتى في وجود الأيقونة كريستيانو رونالدو، ما زال الفريق يظهر بأسلوبه «القبيح» بالنسبة لمشجعيه، بالإفراط في الاعتماد على الهجمات المعاكسة، وترك الأمور للاجتهاد الفردي لكل لاعب في الثلث الأخير من الملعب، من دون خطط متفق عليها، أو تنوع في طرق شن الغارات، بالكاد نسخة طبق الأصل من برشلونة كومان، أشبه بالكتاب المحفوظ للمشاهد العادي، فما بالك للمنافسين، الذين يحضرون أيام للتعامل بأريحية مع أسلوب اليونايتد المكشوف، بتحضير بطيء من الخلف إلى الأمام، مع نقل كلاسيكي للكرة من قدم لقدم، من دون البحث عن حلول أو إبداع، باستثناء إرسال العرضيات من اليمين واليسار، بحثا عن رأس رونالدو، أو يأتي الحل من هجمة مرتدة منظمة، نادرة، ناهيك عن التباعد الغريب في الخطوط الثلاثة، والفجوة العميقة بين الوسط والدفاع، التي تسببت في كوارث أمام ليفربول، ودوما تخلق مشاكل، بالتسبب في تعقيد الأمور على الفريق، باستقبال هدف من أول محاولة أو هدف مبكر، ما أصاب المشجعين بنوبة ملل غير مسبوقة، بتحول الأمل والتفاؤل في يوم مباريات الفريق، إلى كابوس مدته ساعة ونصف ساعة، ولعل مشهد الخروج الجماعي بين شوطي مباراة الريدز، يعبر عن الحالة التي وصل إليها الفريق في عهد الابن غير البار للسير أليكس فيرغسون.
ظهور زيدان
صحيح سولشاير لم يتم الاستغناء عنه بشكل رسمي حتى هذه اللحظة، لكن أغلب المصادر الموثوقة، اتفقت أنه يقضي أيامه الأخيرة في «مسرح الأحلام»، حتى لو نجح في ما وُصف إعلاميا «الفرصة الأخيرة»، والحديث عن آخر ثلاث مباريات قبل العطلة الدولية أمام توتنهام وأتالانتا ومانشستر سيتي، وذلك لحرص الإدارة على الاستقرار في هذه الفترة المعقدة، وأيضا ليحصل أصحاب القرار على وقتهم بشكل كاف، قبل رسم إستراتيجية المشروع مع المدرب الجديد، وأغلب المصادر ترجح اسم الإيطالي أنطونيو كونتي، حتى أن بعض الصحف، ادعت أنه توصل بالفعل إلى اتفاق نهائي مع مسؤولي اليونايتد، ولا يتبقى سوى الإعلان الرسمي عن تعيينه، وهذا سيحدث بعد دقائق من إعلان بيان التخلص من سولشاير، لكن هناك مصادر أخرى، تؤكد أن الفرنسي زين الدين زيدان، ما زال الهدف الأهم بالنسبة للإدارة الأمريكية، لكن حجر العثرة يكمن في مماطلته وإصراره على استكمال ما تبقى من عطلته المفتوحة مع الأسرة، للتخلص من ضغوط عمله الشاق مع ريال مدريد في ولايته الثانية، وفي كل الأحوال، أصبح أولي بحاجة لمعجزة لشراء المزيد من الوقت بعد العطلة الدولية الأخيرة، وبدرجة أقل يواجه معه في بلاد الضباب البرتغالي نونو اسبيريتو سانتو، خطر الطرد، في ظل استمرار مسلسل صعود وهبوط الديوك من مباراة لأخرى، آخرها الهزيمة المحرجة أمام فيتيسه آرنهيم في دوري المؤتمر الأوروبي، ثم الخسارة من وستهام بنفس النتيجة 1-0، من دون خلق ولو فرصة واحدة على مرمى الحارس لوكاس فابيانسكي، لكنه كان محظوظا بحفظ ماء وجهه، بانتزاع بطاقة التأهل للدور ربع النهائي لكأس الرابطة الإنكليزية، بفوز عصيب على بيرنلي بهدف لوكاس مورا.
خارج البريميرليغ، يواجه الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو خطر الإقالة العاجلة، لاعتراض فئة عريضة من المشجعين على أداء وصورة الفريق تحت قيادة البوتش، من باب أنه لا يطوع هذا الكم الهائل من الأساطير والمواهب المتفجرة لخدمة المنظومة الجماعية، والدليل على ذلك، الفاعلية والأرقام الخجولة للثلاثي الحلم (MNM) ليونيل ميسي ونيمار جونيور وكيليان مبابي، هذا بخلاف المعاناة العامة في تحقيق الانتصارات في حقبة البوش، على عكس تطلعات وطموحات الجماهير، برؤية فريق الأحلام يتفنن في إذلال خصومه بنتائج عريضة، كما كان الوضع في حقبة توماس توخيل ومن سبقه في تحويل باريس سان جيرمان إلى ما يبدو عليه الآن، وجزء كبير من هذا الاختلاف بين بوتشيتينو وبين النادي وجماهيره، يرجع لعدم تطابق مدرسة البوش مع إيقاع الجمهور الباريسي السريع، حيث يعتبر ماوريسيو من المدربين، الذين يحتاجون فترة ليست قصيرة لبناء المشروع بالصورة المطلوبة منه، والدليل على ذلك وصوله إلى قمة النجاح في آخر موسمين في أعوامه الخمسة التي قضاها في الجزء الأبيض من شمال لندن. في المقابل، لا يطيق الجمهور الباريسي الانتظار كثيرا، لرؤية أحلامهم تتحقق على أرض الواقع في ظل وجود هذه الفرصة التاريخية، بجمع ثلاثي هجومي لا يمكن إيقافه مع تشكيلة مدججة بصفوة نجوم اللعبة في كل المراكز، لذا قد تصدق التوقعات الفرنسية، بانتهاء العلاقة بين بوتشيتينو وباريس سان جيرمان في المستقبل القريب، ليسلم الراية لزين الدين زيدان، بعد تقلص فرصه في تولي قيادة منتخب فرنسا حتى انتهاء ارتباط ديديه ديشان مع اتحاد الكرة، بعد الفوز بالنسخة الثانية لدوري الأمم الأوروبية، وهناك مصادر فرنسية، تزعم أن زيزو لن يقطع الإجازة، إلا لتولي قيادة منتخب فرنسا أو الإشراف على كوكبة نجوم «بي إس جي»، والسؤال الآن: هل سينجح بوتشيتينو في نسف هذه الشائعات ويفلت من مقصلة إقالة المدربين المنتظرة قبل العطلة الدولية؟ أم سيحدث العكس وتكون فرصة لعودة كونتي وزيدان أسماء أخرى بعيدة عن الأضواء منذ شهور؟ دعونا ننتظر.