نايلا رومانوس إيليا: كُتِبت الكوميديا الإلهية لزمننا والمضاربات والشر يكبران وبلغا ذروتهما في لبنان

زهرة مرعي
حجم الخط
0

جحيم ومطهر وفردوس الشاعر دانتي ألييغري ينتصب تجهيزاً جميلاً في القنطاري

بيروت ـ «القدس العربي»: سحرت الكوميديا الإلهية المهندسة المعمارية والفنانة اللبنانية نايلا رومانوس إيليا. شغلت مخيلتها وإذا بها تستلهم من خيال شاعرها دانتي ألييغري تجهيزاً فنياً أسمته «على المقلب الآخر من الزمن». دانتي ألييغري خاطب بأرقامه المنطق الذي تعتنقه كمهندسة، فحث عقلها الفني على الابتكار. وإذ بها تشغل بتجهيزها المتمثل بدوائر ونوافذ وشجرة في الأعلى ساحة مميزة من مدينة بيروت. التجهيز الذي صممته نايلا رومانوس إيليا يمثّل الصراع الأبدي بين الخير والشر، ويسعى لتجسيد رحلات الشاعر دانتي ألييغري بين الجحيم والمطهر والفردوس.

بمناسبة الذكرى الـ700 لوفاة دانتي ألييغري جرى رفع الستار عن هذا التجهيز الفني المميز في ساحة كنيسة مار الياس – القنطاري في بيروت، وسط حضور حاشد، وذلك بالشراكة مع المعهد الثقافي الإيطالي في بيروت. افتتاح تبعه عرض موسيقي راقص أعدّ خصيصاً للمناسبة وتمثل بعزف على آلات وترية لموسيقيين من جامعة سيدة اللويزة.
مع الفنانة نايلا رومانوس إيليا هذا الحوار:
○ تعبيراً عن الكوميديا الإلهية ساحة مار الياس ـ القنطاري بيروت تتزين بالجحيم والمطهر والفردوس. في ظل التفلُت العام وهموم الناس كم سيستمتعون بهذا التجهيز؟ وهل سيغير مزاجهم للحظات؟
• سؤال يضع الإصبع على الفكرة التي أحاول إيصالها للناس. للأسف يفتقد بلدنا للساحات العامة، وإن كانت موجودة فهي تحتاج لأعمال فنية تشغلها. مبدأ الأعمال الفنية سواء في الساحات أو في الطرقات يتوجه للناس الذين يمرون بقربها، ولا يتوجه فقط لمن هم على تواصل دائم مع الفن، يقدرونه ويعرفون أبعاده. مع التأكيد بأن الفن إحساس أكثر منه فهم. صممت هذا العمل كجواب على الزمان والمكان الذي نعيشه. اخترت هذا الموضوع بالتحديد لأننا نعيش وضعاً صعباً للغاية. نعاني من فساد وتراخ، ومن جرائم تُرتكب بحق الناس من دون محاسبة الفاعلين. إنه موضوع الكوميديا الإلهية. وجميعنا كشعب لبناني نعاني من هذه الظروف. موضوع الكوميديا الإلهية هو الصراع الدائم بين الشر والخير، والعقاب لمن يرتكب الشر، ومن معانيها المهمة أنها تتيح الخلاص لمن يعترف بخطاياه ويرغب بالخلاص.
○ الكوميديا الإلهية ملهمة للمسرح والموسيقى والفن. أين تأثرت بها كمعمارية وفنانة؟
• شكلت الكوميديا الإلهية شغفاً دائماً لي. وعندما أعدت قراءتها ليس من زمن بعيد إكتشفت أن موضوعها يعنيني أكثر مما كنت أعتقد، خاصة في حالنا اللبنانية الراهنة. كُتبت الكوميديا الإلهية قبل 700 سنة، لكنها معاصرة لدرجة أني أشعرها وليدة الأمس، وأنها كتبت لهذا الزمن، حيث يزداد الصراع بين الماديات والروحانيات. فالمضاربات تكبر، والشر يكبر، وهذا ما بلغ ذروته لبنانياً، وترك أثره على المجتمع ككل، وأدى لإنهيار بلد بكامله. يقول دانتي أن من لا يعترف بخطاياه مصيره الجحيم وإلى أبد الآبدين، فيما المطهر ينتظر من يعترفون بتلك الخطايا، حيث يمرون بالتدريج عبر الشرفات التي وصفها وصولاً إلى جنة عدن ومن ثم الفردوس. كمهندسة معمارية تأثرت كثيراً بكيفية تخيل دانتي لهذا العالم، ووجدت قدرة كبيرة للاستلهام من هذا التخيل. التعبير عن خيال دانتي شكّل أساساً في عملي. أخبرنا دانتي بكيفية تكوّن العوالم الثلاثة الجحيم والمطهر والفردوس، وقال بأن شجاراً وقع بين الإله ولوسيفر ملك الشياطين. إثره وقع لوسيفر من السماء ورأسه نحو الأسفل مما تسبب بحفرة في الأرض. حفرة عريضة من الأعلى ورفيعة من الأسفل. وصف دانتي الحفرة بأنها تتشكل من تسع دوائر كبيرة من الأعلى، وتصغر بالتدريج وصولاً إلى منتصف الأرض، حيث ترمز كل دائرة إلى خطيئة محددة. مع العلم أن مزيداً من الانحدار نحو الأسفل يعني خطايا الفساد والخيانة، ومزيداً من النزول نحو الدائرة الأصغر يعني مزيداً من العقاب. فالدائرة الأصغر تعني الخطيئة الأخطر والعقاب الأكبر. ويأتي جبل المطهر من الجهة الأخرى حيث تقع الهاوية للمرتكبين. يظهر قياس وشكل جبل المطهر وكأنه فضاء الجنّة. في التجهيز الذي أنجزته تبدو جهنّم وحولها دوائر، تليها دوائر من مادة الإسمنت، تحيط بها، ومن ثمّ الشرفات المستديرة التي تكوّن جبل المطهر. يتيح شكْل التجهيز للمتفرج الجلوس على حافة إحدى شرفات المطهر، والتأمل، وسيلاحظ أن إحدى الشرفات ضيقة للغاية، وفي آخرها شجرة صغيرة ترمز لجنة عدن. وتماماً كما توجد تسع دوائر في جهنم وفي أسفلها الشيطان، فللمطهر تسع شرفات وفي أعلاها جنة عدن. إذاً التَطَهُر من الخطايا يساهم بالإرتفاع من شرفة إلى أخرى وصولاً إلى جنة عدن. ومن هناك تشاهد الدوائر الكبيرة المصنوعة من الـ»ستانلي ستيل» والتي ترمز للفردوس. فدانتي ومن خلال خياله الجيومتري وضع الأرقام والأشكال، وكان بعضها كما الكرات المتحركة التي تدور حول الأرض.

○ كيف حكم الرقم 9 عملك وهو عدد دوائر الجحيم ومصاطب الجنة والأجرام السماوية التي توّجت الفردوس؟
• كانت الأرقام محورية في عملي لأني رغبت بتجسيد خيال دانتي وكما وصفه، حيث توجد دوائر تسع لجهنم. وفي داخل كل برميل إن صحّت التسمية صممت تسع دوائر، والعاشرة منها ترمز إلى الشيطان في الأسفل. جذبني إلى هذا العمل دقة النظام الذي اتبعه دانتي. انطلقت من الفكرة التي تدور حولها الكوميديا الإلهية، ووجدتها تقدّم إجابات لوضعنا اللبناني، ومن ثمّ تتبعت التفاصيل كما وصفها دانتي، فاستعملت أرقامه وأشكاله بالتمام. وصف دانتي جهنم بالمستديرات، وهي نفسها كانت للمطهر إنما بمنحى إيجابي. ووصف دانتي كرات تسع تدور حول الأرض، وفي التجهيز الذي نفذته تسع مستديرات تعربش بعضها على الآخر. وأشار أن الإله يسكن فوق تلك الكرات، والمستديرة العاشرة في عملي صُنعت من مواد لها مغزى رمزي. فمادة الـ«كورتيل» كانت لتجهيز جهنم، وتتكون من حديد شكله صدِء على الدوام. لجأت لهذا المعدن كرمز للزمن الطويل. وبحسب ما ورد في القصيدة حمل باب جهنم كتابة تقول «ستفقدون كل أمل لدى الدخول إلى هنا». لماذا؟ لأن دخول جهنّم أبدي، والصدأ يعطي نوعاً من الإحساس بالوقت. وصُنِعت الشرفات المستديرة من الأسمنت، وبعضها باللون الطبيعي، وبعضها الآخر شكله صدِء، وذلك بناء على وصف دانتي للمطهر بالجبل. أما الدوائر التسع التي عبّرت عن الفردوس صُنِعت من الـ«ستانلي ستيل» والدائرة العاشرة حيث يسكن الإله، يصفه دانتي بالمكان الذي لا يُلمس، لهذا صُنِعت من «سانلي ستيل» اللامع، وكل ما حولها ينعكس عليها وبالتالي يستحيل رؤيتها. إنها رمزية مادة العمل.
○ دانتي يرسل الخاطئين إلى أدنى دوائر الجحيم. هل من مساحة متبقية في تلك الدوائر، والخاطئون على هذه الأرض يستحيل إحصاءهم؟
• تضحك وتقول: نعم شعرت خلال العمل وكأن المكان المرصود لجهنم غير كاف. فالشكل يشي بأن أحدنا يُسحب نحو الأسفل حيث المرآة. إنها مرآة ترمز إلى الشيطان الذي يفترض أن يبقى كما الجليد وإلى الأبد. ووجود المرأة يمنح شعوراً بأن الأسفل لا يزال بعيداً. من جهتي آمل أن المكان رحب في جهنّم ويتسع لكل من يجب أن يكون فيه. وفي المقابل آمل أكثر أن يعي هؤلاء ما يقومون به ويعترفون بخطاياهم ويدخلون المطهر.
○ سيبقى الراعي السخي والمجهول شاغلاً للمخيلة في زمن التباهي بالمال. لكن ما هي الكلفة؟
• هل الرقم مهم؟ ربما تكون بكلفة سيارة من نوع «فيراري»؟ من المهم الإعلان أن كثراً تبرعوا. من جهتي تبرّعت بعملي. كذلك مهندسة الإضاءة. ومن نفّذ التجهيز على الأرض قرر أن لا يخسر فقط. الكلفة ليست باهظة مطلقاً في أيام البطر التي نعيشها. الأهم أن هذا التجهيز باق وهو للجميع، لبيروت وسكانها.
○ هل يلزمه صيانة؟
• نبحث بأن تتولى الشركة التي نفّذته الصيانة للسنوات القليلة المقبلة ومن ثمّ سنتعاون لمتابعة ذلك، والبحث جار للوصول إلى حل على المدى البعيد.
○ يُحسب لرعية مار الياس احتضانها للمشروع وجعله جزءاً من كيان الكنيسة. برأيك هل هو بعض من دور الكنيسة؟
• تمّ المشروع بحضانة «أبونا عسّاف» الذي يرعى شؤون الكنيسة. والساحة الملاصقة للكنيسة هي مساحة عامة من مدينة بيروت. ولنتمكن من نصب التجهيز في هذا المكان سلكنا طريق القانون ونلنا العديد من الموافقات الرسمية. وتمثّل دور الكنيسة بأنه شكّل المحرك الذي كان يرافقنا. فالقيمون على الكنيسة لمسوا أهمية وجود مثل هذا الإنجاز بساحة عامة ملاصقة لها. وكذلك أهمية وجود ساحات عامة على امتداد المدينة. وهكذا بات هذا التجهيز وكأنه جزء من الكنيسة. ولاشك بأن الساحة ستصبح جاذبة للراغبين بالتصوير وبخاصة المقبلين على الزواج. وستشكل فسحة لموظفي الشركات المتعددة الموجودة في المحيط.
○ كيف كانت ردود الفعل لدى افتتاح الساحة؟
• تميز الحضور بشغف كبير للمشاركة في احتفالية منبثقة من الكوميديا الإلهية وفي الذكرى الـ700 لوفاة كاتبها دانتي ألييغري. وترافق الإفتتاح مع عرض فني كان في غاية الجمال، وأتى معبراً عن الموضوع بخاصة الموسيقى والرقص. بات التجهيز جزءاً من المدينة وملكاً للجميع.
○ هل من ساحة أخرى تناديك في بيروت؟
• لم نتمتع كفاية بالمنجز الذي نحن بصدده، والوقت مبكّر للبحث عن جديد آخر.
○ الحضارة الفنيقية جزء من اهتمامك الفني والبحثي. هل يختلف اللبنانيون حول تلك الحضارة أم يلتقون؟
• من خلال الأبحاث التي قمت بها، وجدت أن المسيحيين في لبنان هم أكثر إنجذاباً للحضارة الفينيقية من المسلمين. مع العلم أن اهتمامي توجه تحديداً نحو اللغة حيث اللاتينية المنبثقة من الفينيقية، وكذلك العربية. والواضح أن المدن الفينيقية بدأت من أرضنا وهنا تمّ احتضانها. ويحمل الحمض النووي الخاص بنا سواء كنا مسلمين، أم مسيحيين أم دروزاً طبعة فينيقية. فنحن ومنذ العصر الفينيقي نجوب العالم.
○ تعملين في بيروت الآن. هل تشكل مصدر وحي لك؟ وهل لا يزال «شعاع الأمل يلمع في الأفق»؟
• إثر تفجير الرابع من أب/اغسطس 2020 مررت بكوما فنية لسنة متواصلة، مؤخراً تخلصت منها وعدت لدخول سكة العمل. لا شك بأن هذه المدينة بمشاكلها وتعقيداتها تشكل مصدر إلهام فني. أشعر أني محظوظة بلبنانيتي لأن الأوضاع القائمة في هذا الوطن تجد تجلياتها في الفن. التفاؤل موجود في أعمالي جميعها حتى تلك الخاصة بالحرب الأهلية. الرسالة التي أرغب إيصالها للناس هي التفاؤل والإيجابية، وهذا ما يعكس شخصيتي. ألمس المصاعب، إنما أضعها في إطار إيجابي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية