قد لا يعدو التأسيس حالين اثنين : فقد يعني الوضع والإنشاء وصنع المبادئ والمناهج الأساسيّة كتلك التي بنى عليها أسلافنا علوم الحديث والتّفسير وأصول الفقه وعلوم النّحو والبلاغة والعروض، وقد يعني استحداث صيغ وجود وصيغ معرفة غير مألوفة أو هي متخارجة عن آلسّنن والتّقاليد، على نحو ما فعل الخليل في وضعه لبعض مصطلحات العروض.
بيد أنّ العصور اللاّحقة على فترة التّأسيس تأسيس علم العروض، وهي تنتهي في تقديرنا بكتاب حازم القرطاجنّي” منهاج البلغاء وسراج الأدباء”، لم تتقدّم كثيرا بهذا العلم؛ وإنّما وقفت به عند الحدّ الذي وقف به عصر التّأسيس.وكان أقصى عطاء كتب العروض يتركّز في تذليل عبارات هذا العلم واصطلاحاته وبيانها وتقريبها للأذهان، إن لم يكن في تعقيدها وإلغازها. وربّما كان حازم والفلاسفة الذين ترسّم آثارهم، هم الذين أضافوا “جديدا” إلى هذا العلم، وإنْ من حيث المنهج والمقترب لا من حيث الموضوع. فقد لجأ حازم في ثنايا كتابه إلى منهج قريب من “المنهج المقارن”، وعرض أصول العروض العربيّ على أصول الموسيقى حينا والعروض اليونانيّ حينا آخر، وهو الذي تلقّف مصطلحات الخليل وأدرك على ما يبدو، عدم كفايتها على صورتها الموروثة. فلم يعد المشكل في صناعة العروض عنده، مشكل بيان وإنّما مشكل بنيان. وعلى أساس من هذا الاستدراك على الأصول، استطاع حازم أن يستعيد روح الاستكشاف التي حازها عصر التّأسيس عند أسلافه وأن يمتلك سجيّتها في الوثوق بالعقل وملكات الإنسان؛ ليستأنف في ضوئها حقّ العالم في الوضع وضع قواعد العروض العربيّ ونظمه، وينفذ من نظريّة في الوزن إلى “نظريّة” في الإيقاع، قد لا نجد لها مثيلا في المدوّنة النّقدية العربيّة القديمة. بل لعلّها خير ما نعتاض به عن كتابي الخليل المفقودين “الإيقاع” و”النّغم”. ولعلّ هذين الكتابين المفقودين ممّا يرجّح رأي البعض في أنّ الخليل وضع علم العروض لمعرفته بعلم الإيقاع والموسيقى. وهي معرفة يؤكّدها ما يروى عن إسحاق بن ابراهيم لمّا صنع كتابه في النّغم واللّحون، فقد عرضه على ابراهيم بن المهدي،فقال : أحسنت يا أبا محمّد، وكثيرا ما تحسن. فقال إسحاق: بل أحسن الخليل، لأنّه جعل السّبيل إلى الإحسان.”
على أنّه سرعان ما تعترضنا في هذا النّوع من البحث في أصل الإيقاع وعلّته مشكلة هي أنّنا لا نستطيع أن نفهم الإيقاع حقّ الفهم أو بعضه منفصلا عن خطابه. ولا مفرّ لنا في هذا الموقف من أن نفرّق بين الإيقاع ونظريّة في الإيقاع، مثلما نفرّق بين الوزن، ونظريّة في الوزن أو بين الشّعر ونظريّة في الشّعر. ومردّ هذا التّفريق إلى أنّ هذه النّظريات تقوم على مصادرات وتصّورات شاملة كلّية تحيل على الأنواع، وتعتاض عن الخاصّ بالعامّ، على حين أنّ الشّعر لا يعرف إلاّ أفراد القصائد أي ما كان ولن يتكرّر حدوثه. وليس بميسورنا في الشّعر أن نسيطر على الخاصّ أو نحدّد بعض مداه ونحيط ببعض أطرافه،بوساطة العامّ. فلا مناص من مواجهة الخاصّ الإيقاعيّ مباشرة مادامت القصيدة خطابا، ومادام الإيقاع صانع الخطاب وصنيعته في آن. “في الخطاب،الخطاب إيقاع، والإيقاع خطاب” بعبارة عالم الإيقاع الشاعر هنري ميشونيك.
أمّا الخطاب الشّعريّ فيمكن أن نباشره في ضوء أربعة عناصر عناصر لعلّها ثوابته الأظهر؛ وبخاصّة عند أيّ شاعر تكاد القصيدة عنده تكون “مختبرا شعريّا”، مثل أبي تمّام قديما، والسيّاب وسعدي يوسف وأدونيس ودرويش… حديثا.
وأوّلها أنّ الخطاب نظام لغويّ تتضافر كلّ مكّوناته جرسا وصوتا ونظما وصورة في إنتاج دلالته.
على أنّ هذا البعد “اللّغويّ” في القصيدة له الصّدر دون سائر المكّونات، فمن حيث الحدّ يعرّف الشّعر في الأغلب الأعمّ، بآستخدامه الخاصّ للّغة؛ بمعنى”الفرق “عن اللّغة” المتداولة” أو “المحكية”، وهو حدّ غير دقيق؛ مثلما يعرّف بآحتفائه بتماثلات الصّوت والإيقاع والصّورة. وهي مظهر من مظاهر كثافة “اللّغة الشّعريّة” وسمكها. ومن حيث تاريخه أي الشّعر فإنّ إنشاء القصيدة شأنه شأن نقدها، يقوم على وضع عناصرها في سياق نظام ما (بناء الأبيات والمقاطع والقوافي…). وليس ثمّة من خطاب شعريّ يمكن أن تكون له دلالة أو يمكن أن ينتج دلالة، إذا نحن لم نتبيّن النّظام الذي يحويه أو الذي يناسبه، فهو “نظام من الكلمات”. وهذا النظام هو الذي يجعل الخطاب معقولا، ومن ثمّ يتيح لنا أن نستكشف مؤتلفاته ومختلفاته، وما تعقده بين بعضها من علائق شدّ وجذب. لكن شريطة ألاّ يستتبع ذلك إقرار بأنّه نظام كامل أو هو مغلق على نفسه إغلاقا تامّا، على نحوما يزعم أكثر شعراء “قصيدة النثر” عندنا من الذين يحصرون”الشعريّة” في الانسلاخ عن الوزن؛ فمثل هذا الإقرار “مغالطة شكليّة” وإجحاف بحقّ الخطاب الشّعريّ، وهو أبعد من أن ينقطع عن نظام ثقافيّ أعمّ يحويه أو يكمن خلفه. على أنّ المراد في السّياق الذي نحن به أنّ هذا النّظام الثّقافيّ لا يكمن في الإيقاع وإنّما في الوزن أو إيقاع الوزن من حيث هو طقس جماعيّ حميم على نحو ما بيّنه حازم في أكثر من إضاءة وأكثر من تنوير، وهو يصل البيت الشّعريّ بالبيت المضروب للسّكن، على أساس أنّ العرب الأقدمين، وهم يجترحون تجربتهم الشّعريّة الأولى، إنّما قصدوا أن يجعلوا هيئات ترتيب القول ونظام وزنه متنزّلا في إدراك السّمع منزلة وضع البيت وترتيباته في إدراك البصر.
وقد يفهم هذا الغريب حقّ الفهم إذا نحن عاينّاه من حيث هو مكوّن من مكوّنات الخطاب / الإيقاع: إيقاع الشّعر وإيقاع اللّغة؛ ونعني اللّغة التي تصنع وتغيّر نظام الأشياء، وتخلق أشكالا لا حصر لها، أو هي التي تصنع الفعل الشّعريّ بالمعنى الدّقيق للكلمة.
وثاني العناصر، أنّ الخطاب الشّعريّ “مغامرة لغويّة” تترامى بالقصيدة إلى بعيد الحدود وقصيّ الغايات. ولا نزال، على توالي الدّراسات في شعرنا الحديث؛ نلمح في قليل أو كثير منه، خروجا على القواعد التي كانت مرعية في إنشاء القصيدة و”استهانة” بأوضاع اللّغة وأنساقها. وهي من ثمّة تضع أيّ حد للشّعر موضع تساؤل وتدفع إلى استنتاج قد يراه البعض تمحّلا، وهو في تقديرنا من الرّجاحة بمكان، ومفاده أنّه لا وجود “للغة شعريّة ” خاصّة وحسب، بل لا وجود أيضا “للشّعر” بمعنى مطلق الشّعر؛ وإنّما هناك قصائد لا غير أي إجراء خاصّ ل” اللشعر” يرجع في كلّ مرّة إلى وضع تاريخيّ مخصوص، أو لنقل إنّ لكلّ قصيدة تمتلك من القدرة ما يجعلها “مغامرة لغويّة”، خصوصيّتها وطريقتها في إدارة الكلام. وأمّا القول بلغة شعريّة خاصّة فمردّه إلى إجراء نقديّ رسّخته مختلف نظريّات الشّعر، وأفضى إلى إلحاق اللّغة بنوع من ميتافيزيقا الجميل توزّعت على أساسه الكلمات إلى شعريّة وغير شعريّة.
وقد يفهم هذا الغريب حقّ الفهم إذا نحن عاينّاه من حيث هو مكوّن من مكوّنات الخطاب / الإيقاع: إيقاع الشّعر وإيقاع اللّغة؛ ونعني اللّغة التي تصنع وتغيّر نظام الأشياء، وتخلق أشكالا لا حصر لها، أو هي التي تصنع الفعل الشّعريّ بالمعنى الدّقيق للكلمة.
وثالث العناصر أنّ الخطاب كالإيقاع علاقة مخصوصة بالذّات، وإذا كانت القصيدة خطابا تؤدّيه “ذات” ما من خلال اللّغة المشتركة، وجاز القول إنّها “مغامرة لغويّة”، فلا مناص من اعتبارها مغامرة الذّات المنشئة أيضا، إذ يصعب دون ذلك،أن نفسّر كيف تكتسب القصيدة تفرّدها، وتبني إيقاعها الخاصّ.
وأمّا الرابع وهو استخدام اصطلاح الموسيقى، في سياق الكلام على الشّعر، فمحفوف بكثير من المزالق والمحاذير، فالموسيقى تنزع إلى وحدة الشّكل والمحتوى. على أنّ ما يسوّغ هذا التّأتي هو اللّغة نفسها فهي تحوي كلمات ذات طاقة استعاريّة؛ الأمر الذي يتيح لها أن تنتقل من مجال إلى آخر، فيتعدّد إجراؤها ويتنوّع. ونقدّر أنّ “سيولة”الكلمة، أو”ماء الشّعر” أو “مائيّته” بعبارة القدماء، ترجع إلى ذاتها أي إلى وفرة معناها وغناه، مثلما ترجع إلى سياق استخدامها أو إجرائها. فهي تشهد لوحدة “جوهريّة” ما أو تجاوب بين مختلف الفنون التي كثيرا ما تصنّف في سجلاّت حسّية متمايزة. وهذا ممّا يسوّغ احتكامنا إلى جهاز تحليل “موسيقىّ” بالأساس ؛ يُضاف إلى ذلك أنّ في الإنشاد موسيقى وأنّ الإنشاد نوع من أنواع الغناء. غير أنّ الاصطلاحات الموسيقيّة التي يمكن أن تنضوي إلى سجلّ فنّ مثل الشّعر، تحتاج إلى كثير من حسن التّأتي، مردّه إلى تكافؤها المتعدّد. وقد يفيدنا هذا التّكافؤ في إدراك الفروق بين مختلف استعمالاتها، أكثر مما يفيدنا في معرفة وجوه الشّبه بينها. من ذلك كلمة “نغم” بسائر مشتقّاتها مثل “تنغيم”و”تناغم”، وكلمة”لحن” فاستعمالها العروضيّ يختلف عن استعمالها الموسيقيّ. والتّناغم صفة وقيمة ترجعان إلى القوانين اللغوية الصوتيّة في تجميع الكلمات وتسويتها، وفي ضبطها وتوازنها. ومصطلح “قصيد” أو نشيد” يدلّ على نوع موسيقيّ؛ أو هو ينضوي إلى مدار الموسيقى ، والقصد من إنشائه إنّما هو إنشاده، فالقصيد يعدّ لينشد أو كما يقول سيبويه : “الشّعر وضع للغناء والتّرنّم”.
كاتب وشاعر تونسي