يذهب تودوروف إلى أن مفهوم الجنس مستعار من العلوم الطبيعية، ومن ثم يظل عدد الأجناس محدداً، لكن ميله إلى اللاتجنيس يبدو واضحاً، حين يوسِّع منطقة التداخل لتكون بين النصوص، لا أن تكون بين الأجناس. وحجته أن ليس النص مجرد نتاج لصيغة مزج سابقة مكونة من الخصائص الأدبية، لكنه كذلك تحويل لهذه الصيغة المزجية، متعجباً من زهد الأدب اليوم في القسمة إلى أجناس.
وعلى الرغم من أن هذا المزج والتحويل لا علاقة لهما بالحدود الإطارية للنص، وإنما هما عملية إنتاج تجري على مستويات النص الداخلية، فتجعله ذا هيئة مفتوحة على مستوى البنيات والتقانات، التي يُفترض فيها التحرك المزدوج.. فإن تودوروف يرى أن الانفتاح يجري أيضا على مستويات النص الخارجية المتمثلة بتجنيسه. وما دام (كل وصف لنص هو وصف لجنس) (مدخل إلى الأدب العجائبي، تزفتان تودوروف، ترجمة الصديق بو علام) فإن الخطاب الأدبي يتطور ولا يهمه أن يخرق غيره.
وهو ما حاول تودوروف التعبير عنه بطرق مختلفة، فمرة يقترب من اللاتجنيس الذي نادى به كروتشه وكولر، وأشار إليه موريس بلانشو مبعداً الأدب عن خانات النثر والشعر، مرجِعاً كل أجناسه إلى الأدب الواحد ومرة أخرى يدور في منطقة التداخل بين الأجناس فـ(عدم الإقرار بوجود الأجناس يرادف الادعاء، بأن الأثر الأدبي لا يرتبط بعلاقات مع الآثار الموجودة سابقاً فالأجناس هي ـ تحديداً ـ هذه الخيوط التي بها يكون الأثر في علاقة مع كون الأدب) (تزفتان).
ويشابه تودوروف في هذا التردد بين التجنيس واللاتجنيس مجايله المنظر جيرار جينيت الذي حاول في كتابه «مدخل إلى جامع النص» أن يوسِّع منظوره للتجنيس رغبة في القول باللاتجنيس، فتذبذب كما تذبذب تودوروف، وانتهى إلى الإقرار بالتجنيس، من خلال محاورة نقدية افترضها مع من يقول باللاتجنيس، ليس ذلك حسب، بل راح يؤاخذ فيليب لوجون على مقالين نشرهما ورأى أنه فيهما يعد السيرة الذاتية جنسا لوحدها.. علماً أن لوجون أشار في كتابه «ميثاق السيرة الذاتية» إلى أنه وضع في مقاليه خطوطاً عريضة في السيرة الذاتية وليس في تجنيسها.
وما كان لتودوروف أن يقف عند نورثروب فراي ـ الذي وصفه بأنه ألمع النقاد الانكلوسكسونيين ـ مناقشاً نظريته حول الأجناس التي تضمنها كتابه «تشريح النقد» إلا ليدلل على وجود مصاعب محتَّمة في نظرية الأدب، معترضاً على الصرامة في الممارسة الأدبية، من ناحية حكم القيمة والمصادفة والتزامنية التطورية، والعلاقة المرجعية مع العالم. ولا يخفى ما في نقد تودوروف لنظرية فراي من تمسك بالمنهجية البنيوية، في النظر إلى جدوى التجنيس، سواء من ناحية استعمال المقولات الثنائية، أو من ناحية تحليل البنيات الفنية، مؤكداً أن أي نظرية في الأجناس تتأسس على تمثل للأثر الأدبي بثلاثة مظاهر: مظهر نحوي ـ مظهر ترتيبي ـ مظهر دلالي، مفترضا وجود أجناس بسيطة وأخرى أولية ومركبة. ولأن بغية تودوروف الانفتاح بالتجنيس، ظل همُّه قائماً على البحث عن المأزق المنهجي في البرهنة نقدياً على الفشل الوصفي لنظرية الأجناس. وفي رأيه أن (الأدب يقول ما يستطيع وحده أن يقوله، عندما يكون الناقد قد قال كل شيء عن نص أدبي، فإنه لن يكون قد قال شيئا بعد، لأن تعريف الأدب ذاته يتضمن استحالة الكلام عليه). وقوله هذا يكفي لأن نلمس حقيقة نزوعه نحو نظرية الانفتاح، وعدم إيمانه بمسائل القولبة الحديّة ذات المعيارية التصنيفية، كما أنه يكفي أيضا لتخطئة من يدعي أنّ تودوروف عدَّ (العجائبي) جنساً قائماً بذاته.
الجنس هو بالتحديد بنية شكل خارجي للخصائص الأدبية، وجرد للممكنات إلا إن انتماء أثر أدبي إلى جنس معين لا يمدنا بعد بمعرفة عن معناه، بل يتيح لنا فقط ملاحظة وجود قاعدة ما، يكون هذا الأثر الأدبي وغيره قابلاً لأن يعلل من خلالها.
وكيف يمكن لتودوروف أن يعد العجائبي جنساً وهو القائل في توصيفه: (فالعجائبي يحيا حياة ملؤها المخاطر وهو معرض للتلاشي في كل لحظة يظهر أنه ينهض بالأخرى في الحد بين نوعين هما، العجيب والغريب أكثر مما هو جنس مستقل بذاته) وبذلك ينكر تودوروف إنكارا واضحا فكرة تجنيس العجائبي الذي عدَّه في موضع آخر(جنساً متلاشياً أبدا).
وليس العجائبي بالنسبة إليه ابتعادا عن العالم الطبيعي، أو وقوعا في عالم فوق الطبيعي، إنما هو كل حديث (لا يعود في مكنة العقل أن يفسره) ومن ثم لا مجال لتحديد كتابته أو تأطيره، كونه يظل دائراً في ما هو غير واقعي من ناحيتي العجيب والغريب اللذين حاول تودوروف جاهداً أن يحل معضلة التفريق بينهما وبين العجائبي. ووصل إلى أن من اندماجهما أو تمازجهما يُنتَج جنس فرعي هو ما بين العجائبي والغريب من جهة، وما بين العجائبي والعجيب من جهة أخرى. وبرأيه يكون هذان الجنسان الفرعيان متضمنين الآثار التي تُبقي على التردد العجائبي طويلاً غير أنها ـ أي الآثار ـ تنتهي أخيراً في العجيب أو في الغريب. وهكذا متوالية لا ينفع معها ـ كما نرى ـ أي تأطير. إذ ليس في الأجناس ما هو فرعي (نصف جنس) وما هو غير فرعي، أي لا جنس له، لاسيما إن تودوروف نفسه ماثل أجناس الأدب بأجناس الطبيعة في محدوديتها ونهائيتها. وما أن توقف تودوروف عند القارئ وأهمية إشراكه في عملية الانفتاح الأجناسي والنصي حتى تغيَّر مسار تنظيراته للعجائبي. ذلك أن التداخل بين ما هو جنس وما هو غير جنس، إنما هو في الحقيقة تداخل بين نص ونص، وأن ما يتيحه هذا التداخل من إمكانيات هو الذي يسمح للقارئ أن يلعب دوراً فاعلاً في تأويل النصوص ومعرفة بؤر النصوص أو (الحكايات المفروض أنه لا يعرف المناطق التي تجري بها الأحداث، وبالتالي لا داعي لديه لوضعها موضع الشك). وما دام العجائبي يضعنا أمام مأزق ذي حدين: نصدق أو لا نصدق؟ فإن القارئ سيكون مدفوعاً نحو تصديق هذا الجمع بين ما هو ممكن وما هو مستحيل، دون أن يحقق في الأمر، متماهياً بذلك مع الشخصيات.
وحدد تودوروف لهذا التماهي احتمالين، فأمّا أن يُصدق القارئ بأن هذه الأحداث فوق الطبيعية ظاهريا عليها أن تأخذ تفسيرا عقلانيا، عندئذ نمر من العجائبي إلى الغريب، وأما أن يصدق القارئ وجودها على ما هي عليه فوقتئذ نكون في العجيب.
وبالطبع لا ينظر القارئ إلى طبيعة الأحداث، وإنما يمكنه أيضا أن ينظر إلى طبيعة النص نفسه ليراه شعرياً أو يراه إليغورياً. ووفق هذه الرؤية يفسر القارئ القصة تفسيرات خاصة، تعتمد على درجة تماهيه معها، مقرراً ما إذا كان حدث معين أو ظاهرة معينة ينتميان إلى الحقيقة؟ أم إلى المتخيل؟ ومثال تودوروف على ما ينبغي للقارئ أن يؤديه من دور في التفسير والتأويل، قصة «الأنف» لغوغول التي وجد فيها (التجسيد الخالص للامعقول والمستحيل ومصير الأدب فوق الطبيعي) وفيها يمكن للقارئ أن يفسر انفصال الأنف عن وجه صاحبه، تفسيرات مختلفة، فقد يدل انفصاله على الخصاء، وقد يدل اجتماعيا على الفقدان والضياع.. وهكذا يستمر القارئ في التأويل وإعادة التأويل إلى ما لا نهاية. وأطلق تودوروف على هذه اللانهائية اسم (التردد) الذي يمنع من استيعاب الفعل العجائبي استيعابا كاملا.
وبعد كل ما تقدم ينتهي تودوروف إلى نتيجة خلخلت مساعيه في اللاتجنيس وما وضعه من تصورات حول مفهومي التداخل الأجناسي والأجناس الفرعية. وهذه النتيجة هي أن (الجنس هو بالتحديد بنية شكل خارجي للخصائص الأدبية، وجرد للممكنات إلا إن انتماء أثر أدبي إلى جنس معين لا يمدنا بعد بمعرفة عن معناه، بل يتيح لنا فقط ملاحظة وجود قاعدة ما، يكون هذا الأثر الأدبي وغيره قابلاً لأن يعلل من خلالها).
كاتبة عراقية