قد يبدو الأمر استفزازيا، أو تخيّليا على الأقل، وغير قابل للتحقق، في الوقت المنظور. بل حتى من قبيل التصور الروائي يبدو الأمر مستبعدا إذا أخذنا بعين الاعتبار رواية ميشيل ويلبيك الأخيرة الساخرة من هذه الإمكانية: استسلام Soumission التي تفترض وصول حزب إسلامي وحاكم مسلم في 2022، إلى رأس السلطة في فرنسا. صادف خروج الرواية يوم الجريمة ضد صحافيي شارلي إيبدو، مما أعطاها دفعا كبيرا بسبب التخويف من العربي والمسلم، وهو ما جعل مدير جريدة ليبيراسيون، لورون جوفران، يواجه ويلبيك بعنف، ويتهمه باللعب على سجل الخوف من الإسلام والعرب، وهو في هذا، ينافس أفكار اليمين المتطرف. النتيجة، بيع من الرواية قرابة 300 ألف نسخة في الأسبوع الأول من صدورها مما جعلها على رأس المبيعات.
وهو طريق إيريك زمور نفسه، في تصريحاته الأخيرة للجريدة الإيطالية Corriere della Sera حيث نادى فيها بترحيل 5 ملايين مسلم من فرنسا، مما دفع بالقناة الإخبارية التي توظفه، إلى إيقاف البرنامج السجالي الذي يظهر فيه، وفصله. مع أنه لا جديد لأن ما قاله يلتقي من حيث الجوهر مع الأفكار التي استبطنها كتابه: « الانتحار الفرنسي».
مثل هذه القضايا تعيدنا بالضرورة إلى تأمل الوضع عن قرب، أولا من الجهة الفرنسية المتطرفة التي ترى في العربي والمسلم استحالة في التعامل مع القيم الفرنسية الحرة التي بني على أساسها المجتمع الفرنسي. ثانيا من الجهة العربية والإسلامية، بماذا تجيب عن هذه الادعاءات؟ بالتفكير وتأمل الذات، أو بمزيد من التطرف مقابل التطرف؟ يعيدنا هذا إلى نقاش الوضع الاعتباري للعربي، وبشكل أشمل، للمسلم في فرنسا. هل هذا الأخير غير قابل للاندماج في المجتمعات الغربية؟ هل له خاصية دفاعية تكاد تكون جينية، تمنعه من أي تماه في المجتمع الذي ولد فيه ويحمل جنسيته، وربما والده أيضا ولد فيه ما دمنا تقريبا في الجيل الرابع أو الخامس من الهجرة؟ يجب أن يطرح الإشكال في تعدديته نظرا لتعقده. أمر يستحق أن يتأمله المعنيون، مفكرون ومواطنون أيضا، بروية وقليل من التبصر والتجرد.
ما يحدث اليوم يبين، على الأقل في ظاهره، أن هناك عنصرية مقيتة تتشكل بعنف أكثر في أوروبا، إذ يكفي أن نرى عدد الاعتداءات ضد كل ما يرمز للإسلام، والتي بلغت 166 اعتداء بحسب الإحصاءات الفرنسية الرسمية، وهو أمر مخيف، ويضر بكل تأكيد بوحدة الكيان. ولكن هناك أيضا من الطرف الثاني، المسلم، مقاومة داخلية للآخر الذي هو جزء من الأنا الوطنية الكبرى، من موقع اليقين الديني، أي أن ما يملكه المسلم يكفيه وليس في حاجة إلى أطروحات الآخر ثقافيا ودينيا. هذا الآخر الذي ليس في النهاية إلا وجها متنوعا للأنا المتعددة. الغريب هو أن هذا الآخر الحداثي، حاجة المسلم له ماسة من ناحية المكاسب الاجتماعية، والحماية القانونية. أي أن هذه الأنا الإسلامية الأوروبية، ليست فرنسية أو انجليزية أو ألمانية أو بلجيكية أو إيطالية، إلا في حدود المصلحة المباشرة، مما يغيب كليا فكرة المواطنة التي بني عليها المجتمع الأوروبي الحديث. وهنا تطرح قضية الخصوصية التي يسبقها مسلمو أوروبا في نقاشاتهم بدون تحديدها: هل هي الخصوصية الدينية، أي الارتباط بالإسلام مهما كان الأمر؟ أم الخصوصية اللغوية، إذ كيف نفهم إماما في مسجد فرنسي، يتحدث لشباب بالعربية لا يعرفون إلا الفرنسية؟ أو الخصوصية التاريخية التي تعني المحمول التاريخي الاستعماري، الذي كثيرا ما تستعاد دمويته بدون القدرة على ترميزه؟ مشكلة معقدة يجد المسلم الفرنسي نفسه في دوامتها، وعليه أن يفهمها مهما كان الثمن. الناس في أوروبا مختلفون في ثقافاتهم، ولكنهم سواسية أمام الدستور وكل قوانين الدولة. الدولة العلمانية هي الضامن الأساسي لاستمرار الحياة وحماية الجميع. من حق الإنسان أن يكون متدينا أو مضادا للدين أو ملحدا. القانون لا يضع سيفا على رقبة المرتدين، والذين يرون في الأديان الأخرى ضالتهم، على عكس الدين الإسلامي، الذي أوقف النقاش حول هذه المسائل الحيوية بدون القدرة على الاجتهاد. مثل ذلك مثل قوانين الميراث وتعدد الزوجات، والسرقة و العلاقة الحرة أو الزنا في لغة الإسلام، لأن المجتمعات الأوروبية لائكية، يتساوى فيها الرجل بالمرأة أمام القانون، ولا حق للآخر بأن يكون أفضل من الثاني. واللائكية لا تعني طبعا الكفر والإلحاد كما يروج لذلك بالدين والمجتمع في الآن نفسه، ولكن فصل النشاط الدنيوي عن عالم الغيب والأديان، التي تهم في النهاية الأفراد بحسب خياراتهم، وليس الدولة. المعضلة الكبيرة هي أن هذه المساحات لم تتحدد إلى اليوم لدى الشاب الأوروبي من ديانة إسلامية. صحيح أن الحياة الأوروبية الحرة فرضت بالضرورة عبر عشرات السنين ليونة وتقبلا واضحين، لكن التصورات التقليدية المتأتية من دول إسلامية لا تعرف الشيء الكثير عن أوروبا إلا الكليشيهات المتكررة والبالية، الغرب الفاسق، الغرب المادي، الغرب الحاقد على العرب والمسلمين والمعاداة البائسة لليهود فقط لأنهم يهود، مع أن الوقائع الموضوعية تبين اليوم بما لا يدع مجالا للشك، أن أعداء العرب هم العرب أيضا وليس الغربي الاستعماري فقط، وبعض أعداء المسلمين هم من المسلمين كذلك، وأن المادية ليست حكرا على الغربي. وهذا الخطاب ينمي العداوة بقوة ضد الذات الاجتماعية العامة، ويدخل الريبة والشكوك في كل شيء، يضاف إلى ذلك العنصرية التي تجعل من العربي والمسلم هدفا، مما يخلق في النهاية كل التطرفات.
من هنا، فما ينتظر المجتمع الفرنسي وأوروبا عموما، كبير جدا ويحتاج إلى جهود عاقلة تضع كل شيء في دائرة النقاش يشترك فيه الأوروبيون من كل الأديان. يوجد مسلمون متفوقون ومتميزون لا يحتاجون من المؤسسات إلا أن تجعلهم مرئيين، والحد من صورة المسلم المعوق في فكره ولغته، والمنغلق على نفسه. تجربة الهجرة العربية إلى أمريكا اللاتينية بينت أن الاندماج ليس أمرا مستحيلا. يحتاج فقط إلى قناعة الانتماء إلى المكان بكل ما يحمله من مكاسب ومن ضوابط وقوانين أيضا. العرب، مسلمون ومسيحيون، اندمجوا في المجتمع الذي ولدوا فيه واستقبل أجدادهم ذات زمن، على مدار القرون، حتى أصبحوا جزءا من نسيجه لدرجة أن انتخب رئيس من أصول عربية: كارلوس منعم الذي حكم الأرجنتين عشر سنوات ونقلها نهائيا نحو النظام الليبرالي وأبعدها عنها شبح الدكتاتوريات العسكرية.
أمريكا اللاتينية تشكل نموذجية حقيقة في مسألة الاندماج ويمكن أن تفيد أوروبا إذا خرجت هذه الأخيرة من مركزيتها. صورة الأرجنتيني العربي المسلم أو المسيحي، ينظر لها بإيجابية واحترام، على العكس من الصورة الهوليودية المصنوعة للعربي والمتحكمة في جزء كبير من الوعي الجمعي، وهي لا تسهل الفعل الاندماجي وتقوي الإقصاء والانطواء.
جالية مكونة من قرابة ستة ملايين عربي ومسلم، لابد أن تجد صوتها ومقامها ومكانتها السياسية يوما في المجتمع الذي نشأت وكبرت فيه. من كان يتصور بلدا عانى العبودية مثل أمريكا، ينتخب رئيسا أسود؟ من حسن حظ فرنسا، أن لا ويلبيك ولا نحن سنكون موجودين، يوم يعلو محمد أو أحمد أو سامي أو ليلى، سدة الرئاسة في فرنسا، تحت نشيد المارسييز؟ قوة العقل أنه يختصر اليوتوبيات.
واسيني الأعرج