جابر عصفور في «متعة القصّ»: منطلقات المقاربة النقدية بين المتابعة والقراءة

عادل ضرغام
حجم الخط
1

يقدم جابر عصفور في كتابه «متعة القصّ – مراجعات وقراءات» خطابا نقديا له خصوصيته المائزة عن مجمل الخطابات الموجودة في سياقنا النقدي المعاصر، لأنه – أي هذا الخطاب – ينطلق من الفهم بمعناه الاصطلاحي مبتعدا عن التعمية التي نجدها عند كثيرين من نقادنا المعاصرين التي يمكن تبريرها من وجهة نظري بكون هؤلاء يدخلون إلى النص الأدبي لمقاربته دون فهم واع، فتأتي معظم كتابتهم متهافتة متدثرة بالمصطلحات التي لا تقرّب القارئ من النصوص، لكنها تزيده غربة وابتعادا عن مناحيها الفكرية واحتياجها الشديد والحتمي إلى مقاربة خاصة تستطيع تحويل أو تذويب السياسي أو الاجتماعي داخل الأفق النصي إلى معرفي.
تتمثل القيمة في مقاربات جابر عصفور في التعددية المعرفية التي يتوسل بها إلى النص الأدبي، فليس هناك مدخل واحد، بل هناك مداخل عديدة تختلف وتتعدد باختلاف النص، فقراءة النص بما تفرضه من مداخل ناجعة هي التي تحدد المدخل المناسب، وتجلي هذا المدخل المعرفي يختلف في طبيعته من المتابعة إلى القراءة.
وثمة جزئية أخرى لها نوع من الأهمية، ففي مقاربته لا يتوجه نحو العمل موضوع المقاربة بشكل ينمّ عن الرؤية الجزئية أو المبتورة باستنادها إلى حدودها بعيدا عن المنجز السابق للكاتب، ولكنه – ربما لفعل التأسيس الكتابي المستمرّ – مهموم برؤية شاملة للمنجز، ومن ثم نراه – قبل أن يوجه القراءة للعمل المحدّد – مهموما بإعطاء القارئ (فرشة) ترتبط بمنجزه الأدبي والأطر المعرفية التي يتحرك فيها هذا المنجز، فهذه (الفرشة) مهمة في معاينة الثبات والمغايرة بين الرؤى والتوجهات الفكرية. ففي مقاربته هناك انفتاح على أعمال أخرى سابقة أو موازية في إطار الجنس الأدبي للعمل الذي تتمّ مقاربته، وعلى أجناس وفنون أخرى، وربما يعود ذلك إلى قناعته بحتمية اندماج المعرفي والحضاري بالفني والإبداعي في أي شكل من الأشكال الكتابية.
وفي ظل ذلك الفهم لا يقف جابر عصفور في منحاه النقدي في هذا الكتاب عند حدود النوع السردي، ولكن – لتكوينه المعرفي المستند في تولده إلى نصوص – تتجلى الفكرة مسيطرة فيتأمل تشكلاتها مع وجود اختلاف النوع الأدبي، على نحو ما يمكن أن نجد ذلك واضحا في حديثه عن دلالات وارتباطات بين قصة زكريا تامر ونص شعري لسعدي يوسف، أو إشاراته العديدة لنصوص شعراء في مقاربته للأنماط الكتابية السردية. وهذه الإشارات والارتباطات لا تأتي عارية من الدلالة، لأنها تأتي موجهة لحركة التلقي والتأويل، أو لفتح نافذة جديدة، أو للإسهام في تأكيد وجود أبعاد معرفية يكون حضورها مهما.

بين المتابعة والقراءة

العنوان الفرعي للكتاب «مراجعات وقراءات» لا يأتي عاريا من الدلالة، فهو يشير إلى وعي لافت من المؤلف بالمغايرة والاختلاف، فكل واحد منها يحتاج إلى اقتراب خاص، وإلى تجلّ مغاير للآليات الفنية في التعامل مع النص، بالرغم من كون النص في الأساس- في ارتفاعه فنيا وتدنيه- هو الموجه في توليد نوعية المقاربة، وتوزعها بين المراجعة والمتابعة أو القراءة، حتى لو وضعنا في أذهاننا طبيعة الوسيط المرتبط بالصحيفة.
فوضع العمل في دائرة المراجعات أو المتابعات لدى جابر عصفور يعود في جانب من جوانبه إلى حساسية نقدية مشدودة إلى ذائقة مرتبطة بمقاربة العمل، فكأنه بهذا الاختيار يقدم تراتبية تصنيفية لمستوى العمل، نظرا لما يثيره لدى الناقد من السير في الأفق الجاهز والمعبد، أو الانطلاق نحو القراءة في حركة دائبة للاستكشاف والتنقيب والإثبات. في المراجعات هناك إمكانية لتقديم الأحكام بشكل فيه نوع من الشمولية انطلاقا من طبيعة الأعمال المسيجة بحدود النمط والسكونية الجاهزة، على نحو ما يمكن أن نرى في حديثه عن رواية «صانع المفاتيح» لأحمد عبد اللطيف، حيث يراها تنطوي على مزالق البداية فنيا بالرغم من منظورها الفلسفي، وجاذبيتها الكثيفة، أو في مقاربته لرواية «من فرط الغرام» لناصر عراق في إشارته في نهاية المقاربة إلى غياب العمق في مناطق خاصة من العمل.
في القراءة النقدية ليس هناك يقين، هناك اختيار لتأويل، ومن ثم هناك مساحة للاقتراح، وفي تسويغ هذا الاقتراح، هناك بحث عما يدعمه وتقويض لتأويلات أخرى تبعث على تفتته وتلاشيه، فنجد مقابلة بين آراء وتأويلات ترتبط بالعمل موضوع القراءة، ومناقشة هذه الآراء. ففي توقفه عند رواية «وكالة عطية» لخيري شلبي يجد جابر عصفور نفسه أمام بنية ليست مستقرة، فلا تنتمي الرواية إلى سردية كلاسيكية بحركتها داخل التتابع السردي أو النمو، بل هناك بناء سردي مزدحم بالصور أو المرايا التي يخلق من خلالها العالم، ويحقق زحزحة للمتعارف والمستقرّ. ولا تقف المغايرة عند حدود البنية، فهناك لغة الرواية التي كان لها دور في مشروعية إلصاق مصطلح (كتابة القبح) وطابعها الاستفزازي.


وإذا كانت المتابعة النقدية أو المراجعة تقف عند حدود المستقرّ والجاهز انطلاقا من دوران النصوص داخل نسق ظهر واضحا من كثرة وتوالي الإلحاح عليه، مما أدى إلى سكونية هذه النصوص وتجذرها في حدود النسق الكتابي الممتدّ، فتصبح تجليات نصوصية شبه جاهزة، يمكن تسكينها بسهولة في إطاريها المعرفي والإبداعي، فإن القراءة تأتي مملوءة بالتعب والتقصي لكل جزئية في العمل. فالقراءة – لديه – تبني استراتيجيتها على القراءة الواسعة أو المعرفة التي تشكل مهادا مهما للحفر التأويلي للدخول إلى العمل. ففي تناوله لرواية أشرف العشماوي «تذكرة وحيدة للقاهرة» يشعر القارئ بالجهد المبذول في استقصاء سياق الكتابة، وطبيعة الشخصيات وتوزعها بين كونها تاريخية حقيقية أو خيالية مخترعة، بالإضافة إلى وقفته الضافية في البداية للحديث عن أدب النوبة، وأزمته الخاصة بالهوية وارتباطها بالغبن ودونية التراتب المستمرين باختلاف العصور.
لا يتحرك جابر عصفور في قراءاته بوصفه ناقدا فقط، ولكنه يتحرك بوصفه واحدا من المؤسسين المهمين لنقد الرواية في العالم العربي، ولهذا تجد كتاباته في أحيان ليست قليلة تتجه للعناية بالرصد التاريخي للراوية العربية ومراحلها، داخل شرطها الزمني وسياقها الحضاري بداية من النشأة إلى اللحظة الراهنة، تجلى ذلك في قراءات عديدة، خاصة في دراسته لرواية «سيدات القمر» للكاتبة العمانية جوخة الحارثي، مشيرا إلى اللحظة الراهنة ودورها في إزال التراتب بين المركز والهامش في الكتابة الإبداعية.

منطلقات المقاربة

في القراءات النقدية نجد المقاربة النقدية نفسها أمام نصوص في حركة دائمة لاجتراح الشكل، واجتراح المعرفي في تجليه بشكل خاص، والناقد في مواجهة هذه النصوص يجب أن تكون لديه قدرة خاصة على التأويل. وتتمثل فرادة جابر عصفور في قدرته الخاصة على تأويل النصوص، وليس التأويل فقط، ولكن في التوجيه المستمرّ لفعل التأويل بما يقدمه من مرشدات دالة على مشروعية التأويل، وتجذره في الفهم المتأني، لأن النصوص ليست أحادية الدلالة، فالقراءة هنا تصبح انفتاحا على التعدد التأويلي، واختيار تأويل من التأويلات العديدة التي تتولد للظاهرة النصية اختيار يجب أن يكون له ما يبرره، ومن هنا لا تكتفي القراءة بالوقوف أمام المنحى الفكري واستعراض ملامحه، ولكنها مطالبة في كل جزئية من جزئيات القراءة بإثبات مشروعية المنحى الفكري التأويلي، على نحو ما يمكن أن نرى في تناوله لرواية «في فمي لؤلؤة».
والاهتمام بالنص يحيلنا إلى وقفات جادة وإشارات مهمة إلى نصوص سابقة لمعاينة فعلها وطبيعة حضورها في النصوص الآنية، كما في رواية «أصابع لوليتا» لواسيني الأعرج، في مقابل «لوليتا» لنابوكوف، أو «الزوجة المكسيكية» لإيمان يحيى في مقابل «البيضاء» ليوسف إدريس. ولا تقف الفاعلية النصية عند حدود النوع الخاص بالسرد أو القص، ولكنّ هناك استرجاعات لأشعار تراثية أو حداثية لأمل دنقل وآخرين.
أما ثاني المنطلقات المهمة في مقاربة جابر عصفور فتتمثل في حضور المعرفي في شكل مواز للأفق النصي، فالتأويل – بفعل التوجيه المستمر- يظل مشدودا إلى إطار معرفي يكيفه، ويؤسس مشروعيته من الشك للوصول إلى مرتبة أقرب لليقين، فمن خلال الثنائيات المتضادة في جدلها المستمر بين الواقعي والخيالي يأتي تأويله لاسم (لندن) الغريب لفتاة في رواية جوخة الحارثي بوصفه نوعا من الفعل المتمرد على كل المواضعات والتقاليد التي يؤدي قمعها إلى نوع من التحرر من سطوة الواقع.
وربما يكون المنطلق الثاني أكثر المنطلقات دلالة على تشكيل هوية للمقاربة النقدية لدى جابر عصفور، لأنه في كل متابعاته أو قراءاته لا يكتفي بدور الناقد الذي يقف عند حدود العمل الأدبي، ولكن هناك في كل ما يكتب يوجد تعاظم على هذا الدور ليتجاوزه إلى أفق رحيب أكثر غنى استنادا إلى الجانب المعرفي الذي يأتي سابقا وموجها القراءة.
ويمكن بشيء من التأمل لقارئ الكتاب أن يدرك المناحي المعرفية التي تتعدل ويحدث لها تحوير خفي لتصبح وفق ذلك مدخلا مهما من مداخل القراءة أو المقاربة، فعلى سبيل المثال نظرية ما بعد الاستعمار وحضورها الخفي والمؤثر في مقاربات عديدة لروايات داخل الكتاب مثل «أشجار قليلة عند المنحنى» لنعمات البحيري في مقالته (تغريبة المقموعين)، أو في «شمسة»، أو في «كتيبة سوداء» لمحمد المنسي قنديل، تتجلى واضحة في إشارته المستمرة إلى (القامع) و(المقموع)، بالإضافة إلى جزئية فكرية أخرى تتمثل في انسداد الأفق عند العبيد بعد التحرر أو المقموعين من شخصيات الروايات، وهذه جزئية ألحّ عليها منظرو ما بعد الاستعمار في عدم القدرة على تمثيل أنفسهم حتى بعد زوال الاستعمار، وتحلل قيوده.
وهذا قد يشدنا إلى منطلق أخير من منطلقات المقاربة النقدية في هذا الكتاب، يتمثل في تفعيله لآلية الثنائيات المتقابلة، ليس فقط في الروايات التي اعتمد في مقاربتها على نظرية ما بعد الاستعمار، ولكن في مقاربته لروايات أخرى بنزعة مغايرة، وهذا يكشف عن قيمة النظرية في توليد وشحذ توجهات نقدية بها قدر من المرونة في قدرتها على التحوّر والتمدد والتشكل في تجليات مستمرة ليس لها صفة الثبات، ولكن تطبيق مبدأ الثنائيات المتضادة يظهر جليا واضحا في هذه الروايات بسبب حدة الاختلاف أو التباين.
كتاب «متعة القص» مهموم بالتأويل والتوجيه المستمر لهذا التأويل من خلال الاستناد إلى بنيات لغوية وأسلوبية، حتى يتجلى توجها مشروعا له أسانيده الفكرية والنصية، وفي تشكيله لهذا المنحى الكتابي في النقد العربي يمارس دورا له أهميته بالنسبة للكتّاب والقراء على حد سواء في تشكيل وتوليد آليات مرنة يحدث لها تحوير مستمر انطلاقا من طبيعة النصوص النامية في اجتراحها للمؤسس والمستقرّ.

جابر عصفور: «متعة القص» ـ مراجعات وقراءات»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2021
565 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية