فن التصوير في المغرب تتلاطمه أمواج اليومي ومتعة البحث وحماسة الإبداع

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: يواجه المصورون الفوتوغرافيون في المغرب، وربما في العالم، أصعب مرحلة تمر فيها المهنة على الإطلاق، خاصة بعد أن أصبحت الصورة جزءًا من الممارسة العادية التي يقبل عليها كل من امتلك هاتفا ذكيا.

بالنسبة للمغرب، الحديثُ عن هيكلة قطاع يعيش على هامش مهن أخرى يجرنا إلى حديث طويل جدا، وعن مطالب المهنيين الداعية إلى إعطاء الصفة التنظيمية لهذه المهنة.
في مقابل ذلك، نعبر في هذه الورقة من يوميات بعض المصورين، ونسترجع ذكريات كانت إلى وقت قريب تشكل لحظة إشراق بالنسبة للأستوديوهات ولممارسي هذه المهنة الجميلة التي توثق لحظاتنا باختلاف تلويناتها أحاسيسها وتضارب أمواجها.
ولعل أجمل ما قاله المغاربة عن كسب العيش، هي تلك العبارة البليغة «نصوّر طرف ديال الخبز» بالنسبة للمواطن العادي فذلك كناية عن الكدّ في العمل من أجل لقمة العيش، لكن إسقاط التصوير هنا ليس حرفيا، بل مجازا، ويعني الحيازة، حيازة كسرة الخبز.
لكن، بالنسبة لممارس مهنة التصوير، فإنه بالفعل «يصوّر» خبزه من خلال التقاط المشاهد للعابرين من محيطات عدسته، يجسّد العبارة كما هي بدون زيادة أو نقصان، وهو بذلك يكون ترجمة ليوميات المغاربة والإنسان بشكل عام.
مهنة التصوير تعيش على ضفاف مهن أخرى، فمنها مصورون صحافيون يرتعون في بقاع الصحافة، ويلتقطون يوميا صورا توثق للندوات أو اللقاءات أو المؤتمرات، هؤلاء أغلبهم ينتمي إلى الجسم الصحافي في المغرب، ومعظمهم يتوفر على بطاقة مهنية كانت تمنح قبلاً من وزارة الاتصال، وهي اليوم تمنح من طرف المجلس الوطني للصحافة.
إلى جانب ذلك، يتربع المصور أيضا على رأس أولويات الأعراس والأفراح، فهو صنو الممون أو منظم الحفلات الذي لا فراق له مع شخص يجيد حرفته ويعرف التقاط المشاهد الفرحة والسعيدة في حفل ما، ورغم ذلك يبقى في ظل مهنة أساسية هنا وهي تنظيم الحفلات والأعراس. فئة أخرى اختارت أن تعيش الحرية وأن تستقل بذاتها ومكسبها، هي تلك التي افتتحت أستوديوهات، وترقبت أن يهل عليها الزوار من عشاق الصورة داخل رواق أو أمام «بوستر» معين.
أما الفئة الأقل حظا، فهي تلك لم تجد للأستوديو سبيلا، فكان الشارع محلها ومقرها، تجوب الشوارع الرئيسية وتقف عند النافورات وتنتظر.

الباقون والراحلون

من بين هؤلاء، من صمد وما زال يمارس مهنته، ومنهم من غادر بحثا عن مصدر رزق آخر، ومنهم نجد المصور المتجول، فما عاد الناس يحتاجون إلى شخص غريب كي يلتقط صورتهم وأن ينتظروا أياما للحصول عليها، كل شيء صار سهلا، هاتف ذكي، وزرّ تشغيل، وتمطر الكاميرا الرقمية سيلا من اللقطات بوضعيات وتعابير مختلفة. هي الحداثة التي زاحمت حتى المصور، فصار من أطلال الزمن العابر، لم يعد يحتاجه إلا القلة القليلة وقد يستغنون عنه حتى في الحفلات، كل شيء صار إلى غير ما كان عليه.
تقودك خطواتك إلى النافورة في الرباط العاصمة أمام محطة القطار في وسط المدينة، الحمام باق هناك، لكن المصور غاب، كانوا ثلاثة أو أربعة وعددهم كان يزداد حسب المناسبات، اليوم لم يعد لهم من أثر، وفي خضم ذلك تجد شابة وقد أمسكت هاتفها وشرعت في تصوير نفسها ومن معها.
ليس الأمر نفسه بالنسبة للمصور الصحافي، هو أقل أزمة نوعا ما، رغم أن الجرائد في زمن سابق كانت تتوفر على أكثر من مصور واحد، وهي اليوم تكاد تكتفي بواحد فقط وليس دائما، فالسيد «غوغل» كفى الجميع شر البحث عن لقطات مناسبة لمقال أو خبر.
تبدو الصورة متشائمة جدا لكنها الحقيقة والواقع، فالجميع عليه أن يتكيف مع مستجدات الحداثة والتطور، الزر صار لمسة واللقطة صارت سلفي، وهكذا دواليك يمر التاريخ من قنطرة التحول ويبقي على ذكرياتنا فقط، حين كانت الأسرة تستعد لأزيد من أسبوع من أجل صورة، أو عندما كنا صغارا في المدارس نحسب ألف حساب ليوم الصورة الشهير الذي ما زال حاضرا من خلال تلك الصورة الجماعية ولوحة الموسم الدراسي المعني بالتوثيق.
أمام هذا المسار الجارف لمهنة تعيش على ضفاف الهامش، زارت «القدس العربي» مصورا من الرعيل الأول لممارسي هذه المهنة، وكان حاضرا في طاقم تحرير عدد من الجرائد والمواقع الإلكترونية.
عابد الشعر، رجل تجاوز عقده السادس، يجلس في مقهى «الباهية» العتيق بالرباط، يتأمل فقط بدون أن يتكلم، فقد انتهى زمن الحديث بالنسبة إليه، قال بنبرة غاضبة «اليوم بعد كل هذا العمر أجد نفسي بدون تقاعد وبدون أي دخل قار يحميني من عوادي اليوميات».
كيف حصل ذلك؟ فالرجل كان ممارسا للتصوير في كبريات الجرائد، لكن يبدو أنه كان بدوام جزئي، ولم يكن التفكير في العمر مطلبا، كان الحاضر حاضرا فقط، والتخطيط من قبيل التخمين.
ويؤكد عابد الشعر أنه مارس التصوير «في الصحافة فقط، ولم يكن يوما ما حرفيا في الحفلات والأعراس» وهو بذلك يصرح انه مهني من درجة صحافي ولا يمكنه أن يسابق باقي المصورين في التقاط صور الناس في أعراسهم.
ضيفنا في هذا التصريح المؤلم، يقول إنه بدون عمل حاليا، ولا يستطيع أن يتنازل عن تاريخه المهني لكي يلتقط الصور في الشوارع أو الحفلات، ويسأل ما العمل؟
الحقيقة أنها معضلة بالنسبة لوضعية عابد الشعر، ويبقى السؤال المطروح: كيف انتهى به الأمر بدون تقاعد؟ رغم توفر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وما يمكن أن يمنحه للمنخرط من عيش زهيد لكن على الأقل يكفيه شر الحاجة.
الرجل اليوم يعيش يومياته على أمل ما، ويقول في تصريحه «أتمنى أن تتدخل المؤسسات الوصية على قطاع الصحافة كي أتمكن من الاستراحة من عناء البحث عن الاستقرار وإنهاء مساري بشرف». بخلاصة إنه يبحث عن الخروج من أزمته التي عصفت به وحولت حياته إلى ترقب فقط.

رأي علمي وعملي

من عابد الشعر ومحنة اليوميات، انتقلنا إلى مصور آخر من الرواد، مهني ومحترف وفنان أيضا، عقيل صالح العراقي المقيم في المغرب منذ عقود طويلة، مارس مهنة التصوير كصحافي وما زال، ومارسها أيضا كفنان وعرض لوحاته المرسومة بالضوء، كما يحب تسمية التصوير.
هو اليوم يقف على تراكم سنوات من الممارسة المهنية الحقيقية، في تصريحه تجول بنا في بقاع التاريخ وبدايات اكتشاف التصوير، كان لزاما على هذا الفنان أن يأتينا بالخبر اليقين من خلال ما يؤرخ للمهنة، وأشار إلى أنه «قبل كل شيء إذا أردنا ان نتكلم على الفوتوغراف علينا أولا ان نلقي نظرة على اكتشافه من طرف عالم البصريات الحسن ابن الهثيم».
ويواصل عقيل حديثه، بالقول إن تاريخ التصوير الفوتوغرافي بدأ «في العصور القديمة البعيدة مع اكتشاف مبدأين حاسمين: إسقاط الصورة الغامضة بالكاميرا وملاحظة أن بعض المواد تتغير بشكل مرئي من خلال التعرض للضوء. لا توجد قطع أثرية أو أوصاف تشير إلى أي محاولة لالتقاط صور بمواد حساسة للضوء قبل القرن الثامن عشر للميلاد».
ومن عام 1717 حين التقط يوهان هاينريش شولز أحرفًا مقطوعة على زجاجة من ملاط حساس للضوء، إلى عام 1800 حين قام توماس ويدجوود بأول محاولة موثقة بشكل موثوق، وصولا إلى منتصف عشرينيات القرن التاسع عشر، حين تمكن نيسيفور نييبس أولاً من إصلاح صورة تم التقاطها بالكاميرا، هي محطات جال بنا فيها عقيل صالح وأسهب في سرد معطياتها.
ويتحدث ضيف «القدس العربي» عن ما أحدثه الإدخال التجاري للكاميرات الرقمية الإلكترونية القائمة على الكمبيوتر في التسعينيات من ثورة في التصوير الفوتوغرافي.
ويسلط عقيل صالح الضوء، على أنه «خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تم تهميش الأساليب الكيميائية الضوئية التقليدية القائمة على الأفلام بشكل متزايد حيث أصبحت المزايا العملية للتكنولوجيا الجديدة موضع تقدير على نطاق واسع وتحسنت جودة صورة الكاميرات الرقمية ذات الأسعار المعتدلة باستمرار؛ خاصةً منذ أن أصبحت الكاميرات ميزة قياسية في الهواتف الذكية، أصبح التقاط الصور (ونشرها على الفور عبر الإنترنت) ممارسة يومية منتشرة في كل مكان حول العالم».
ومن دون الإشارة إلى بداية التغيير في يوميات المصور، يشير من بعيد عقيل إلى ذلك عبر المتغيرات التي طرأت من خلال دخول الرقمنة إلى المجال.
وبين ذلك الكم الهائل من المعلومات التي سردها عقيل صالح، يصل إلى مربط الفرس في هذا التحقيق، ليؤكد أنه «وفي مطلع القرن الواحد والعشرين تطورت أجهزة التصوير وأجهزة أخرى عبر التطور المعلوماتي مثل الأجهزة المحمولة مثل التلفون وجهاز الحاسوب» ويواصل المتحدث بالإشارة إلى أن كل ذلك أصبح مرتبطا بأجهزة الكاميرا وتطوير الصورة الفوتوغرافية، ولا ننسى أن جهاز التلفون أصبح الشغل الشاغل لمعظم الناس بالتصوير الفوتوغرافي والفيديو كذلك، حيث أصبحت بعض القنوات تعتمد على تصوير الناس شاهد عيان للحدث، وأغلب هذه الأجهزة تلعب دورا مع التواصل الاجتماعي بشكل سريع جداً».

حماسة الإبداع

بالنسبة لعابد الشعر تبدو المحنة بادية الملامح، أما عقيل صالح فيواصل النبش في المعرفة ويكتشف الجديد باستمرار، ونصل إلى جيل الشباب الذي يركب التصوير الفوتوغرافي كصهوة حصان فني يعبّر من خلاله عن طموحاته.
سمير اخوي، مصور فنان، اختار العمل الحر في مهنته، ولا يكتفي بالمشاهد الجاهزة بل يبتكر زوايا الرؤيا، ولا يعير اليوميات هما فالخبز يأتي مع الاجتهاد.
المصور سمير يؤكد أن التصوير بالنسبة إليه هو الحياة وليس أي حياة، فهي المتعة في خلق الجو العام والتقاط المبهر من المشاهد واختزان اللحظات في ذاكرة صورة.
سمير صاحب الشعراء، وكتب قصائد بالكاميرا من خلال ما التقطه لهم وهم يهيمون في بحر الإبداع، إلى جانب الشعراء صاحب الفنانين أيضا، وكان ذلك منذ سنة 2013 وعن ذلك يقول «احتكاكي بالشعراء والفنانين بالرباط جعلني أتجه الى فكرة إنتاج كتب للتصوير الفوتوغرافي، وهي الفكرة التي ستمزج بالفنون الأخرى ما يجعل المصور الفوتوغرافي يخرج من تلك الصورة المتعارف عليها».
بالنسبة لسمير فهاجسه هو إخراج المصور من النمطية والنظرة المتعارف عليها، من خلال إصدار «الكتب الورقية بحكم انها فكرة جديدة بالمغرب في ظل احتكار التكنولوجيا على الجانب الأدبي بالمغرب، فلم نعد نقترب الى الكتب، وهذا ما أهدف إليه من خلال هذا العمل».
ويؤكد سمير في تصريحه أن «التجربة حقا استحقت العناء ليس من أجل الشهرة أو المال، يكفي فقط ان تنشر رسالتك ليستفيد منها غيرك، فهذا بحد ذاته انجاز أكيد انه سيبقى راسخا في الأذهان، واعتقد انها ستعجب أهل التخصص سواء في الشعر أو الصورة أو الفن بشكل عام».

مسك الختام

بين لواعج اليومي وهاجس البحث والتنقيب، وحماسة الشباب في الخلق والإبداع، تقف الصورة شاهدا علينا إلى أن أبد الدهر، فهي وثيقتنا ودليل وجودنا الملموس والمرئي، وهي أيضا ذاكرة حية تظل أمامنا ولن تعوض أبدا صورة على شاشة الهاتف، ورقة مطبوعة نعلقها فوق جدار المنزل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية