إذا كانت الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغراي قد تحالفت مع جبهة تحرير الأورمو، فإن تسع حركات تمرد أخرى قد انضمت إلى هذا التحالف الساعي إلى الإطاحة برئيس الوزراء.
باريس-»القدس العربي»: بعد عام من القتال شبه المتواصل بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغراي، لا يبدو أن في الأفق حلا على المدى القريب ينهي الحرب التي يخوضها الطرفان في الحاضر لكن بترسبات من الماضي غير الودي بين المكونين العرقيين الأورومو والتيغراي. ومع اقتراب القتال في الأيام الأخيرة من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في ظل تقدم متمردي إقليم تيغراي وحلفائهم نحوها، وتأكيد الحكومة الفيدرالية على أنها ستواصل حربها «الوجودية» ضدهم، يضاعف المجتمع الدولي جهوده الدبلوماسية من أجل تثبيت وقف لإطلاق النار في إثيوبيا، خشية من أزمة إنسانية وحرب أهلية قد ينزلق إليها هذا البلد الأفريقي الاستراتيجي الذي يتجاوز عدد سكانه مئة مليون نسمة.
رئيسُ الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2019 كان قد تنفس الصعداء عقب فوز حزبه في الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد في حزيران/يونيو الماضي، ورأى في ذلك تجاوب أغلبية الشعب الإثيوبي مع قرار الحرب الذي أعلنه ضد ّمتمردي تيغراي، ورغبة واضحة لدى الإثيوبيين في التمسك بوحدة البلاد وبالتمديد له لفترة ثانية من خمس سنوات يركز جهوده خلالها على تعزيز العمل التنموي. غير أن هذا الفوز تزامن مع استعادة جبهة تحرير شعب تيغراي غالبية المناطق التي استولت عليها قوات الحكومة الفيدرالية، بل إن المتمردين استولوا في الأيام الأخيرة على بعض المواقع الاستراتيجية خارج نطاق إقليم تيغراي وبالتحديد في منطقتي أمهرة وعفر. وباتوا اليوم يهددن بالزحف نحو العاصمة أديس أبابا نفسها أو بقطع الإمدادات عنها وعن باقي الأقاليم الأخرى انطلاقا من جيبوتي. وهو ما يؤكد أن «المعيطات العسكرية تغيرت تماما مع الحديث عن تلقي متمردي تيغراي لبعض الدعم « كما يقول المحلل السياسي محمد تورشين لـ»القدس العربي».
تحالف لإسقاط أبي أحمد
وإذا كانت الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغراي قد تحالفت في شهر آب/أغسطس الماضي مع جبهة تحرير الأورمو، فإن تسع حركات تمرد أخرى ضد السلطة المركزية قد انضمت هذا الأسبوع إلى هذا التحالف الجديد الساعي إلى الإطاحة برئيس الوزراء الإثيوبي، الذي أصبح يَعي أن انتصاره في الصيف الماضي، وإعادة تشكيل حكومة جديدة قبل أسابيع يتولى فيها حقيبة الدفاع أبراهام بيلاي المتحدر من إقليم تيغراي، إجراءآن غير كافيين لاحتواء الوضع الجديد مما جعله يعلن حالة الطوارئ في كل أنحاء البلاد ويدعو سكان العاصمة أديس أبابا للاستعداد للحرب.
أمام إصرار أبي أحمد على مواصلة القتال، وتمسك التيغراي بمواصلة الزحف نحو أديس أبابا، وسط تجاهل الطرفين، حتى الآن، لدعوات المجتمع الدولي لوقف إطلاق النار والجلوس على طاولة المفاوضات، فإن البلد بات مهدداً اليوم أكثر من أي وقت مضى بالانزلاق إلى حرب أهلية، لا سيما، وأن تراجعهما الآن أقرب إلى المستحيل منه إلى أي شيء آخر، كما يقول الباحث في الشؤون الأفريقية، محفوظ السالك، لــ»القدس العربي» مشيراً إلى أن المتمردين باتت تفصلهم بضعة مئات الكيلومترات عن العاصمة أديس أبابا، ويعتبرون الوصول إليها مسألة وقت. والوصول إليها يعني إسقاط حكم أبي أحمد بالقوة، وعودة التيغراي إلى السلطة. وسيكون للأمر ثمن غال، إذ يتوقع أن تكون هناك مقاومة شعبية، إلى جانب المقاومة العسكرية، مع ما يحمله ذلك من خسائر بشرية واجتماعية واقتصادية، فضلا عن العزلة الإقليمية والدولية، للبلاد التي تحتضن مقر الاتحاد الأفريقي.
المخاوف من كارثة إنسانية
يؤكد مراقبون غربيون أن حرص الولايات المتحدة الأمريكية ومجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي الحالي على تكثيف التحرك بهدف الحيلولة دون تردي الوضع في إثيوبيا مرده الأساسي تفاقم الأوضاع الإنسانية والخوف من تزايد تجاوزات تطال المدنيين من قبل أطراف النزاع على غرار ما حصل حتى الآن. بل إن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان رجحت أن ترقى بعض هذه التجاوزات من مختلف الأطراف التي تشارك في النزاع حتى الآن إلى فظاعات تُصنف ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ولا شك أن تفاقم معاناة سكان المناطق والمدن التي ستطالها المعارك في الأيام والأسابيع المقبلة في إثيوبيا، في حال استمر القتال، من شأنه تغذية الشعور القبلي بين الإثنيات الإثيوبية التي يتجاوز عددها الثمانين والتي ما تزال وقود العديد من النزاعات في القارة الأفريقية.
تداعيات إقليمية
بالإضافة إلى الخسائر متعددة الأبعاد بالنسبة لإثيوبيا من جراء الحرب، فإن «ثمة تداعيات إقليمية لا تقل أهمية، فجبهة تحرير شعب تيغراي لن تتردد في خوض حرب مع الجارة إريتريا، الحليفة الحالية لأبي أحمد والتي وقفت إلى جانبه، والحرب مع إريتريا تعني نسف السلام والمصالحة التي نسج خيوطها أبي أحمد عام 2018. كما أن عدم ترسيم الحدود مع السودان، والتوتر الذي عرفته بعض المناطق الحدودية مؤخرا، هي أمور تنذر بعدم استقرار إقليمي في منطقة القرن الأفريقي، إذا تمت الإطاحة بحكم أبي أحمد. ينضاف ذلك إلى ملف سد النهضة، الذي قد يتطور نحو الحسم العسكري، بعد الفشل المتكرر للمفاوضات بين أطرافه المعنية» يحذر محفوظ السالك.
غير أن لدى أبي أحمد قناعة بأن الشعب الإثيوبي كله يشاطره موقفه منه، بما في ذلك سكان إقليم تيغراي والذين يتجاوز عددهم خمسة ملايين شخص. زد على ذلك، أن رئيس الوزراء الإثيوبي مقتنع حتى الآن بأن هناك اختلافاً في الرؤية المصرية والرؤية السودانية حيال الملف، على الرغم من أن البلدين يسعيان إلى الضغط على إثيوبيا لتليين موقفها من الموضوع. فليست ثمة لدى السلطات السودانية مصلحة في التصعيد المستمر مع إثيوبيا لأن لديهما حدودا مشتركة يمكن أن تَستغلها إثيوبيا لزعزعة الأمن الداخلي السوداني بالإضافة إلى أن أبي أحمد بدا منذ وصوله إلى السلطة في عام 2018 حريصا على القيام بوساطات للمساعدة في حل خلافات داخلية في كل من السودان ودولة جنوب السودان.
ويرى مراقبون أن الحل الوحيد في مواجهة التصعيد الخطير والمتصاعد في إثيوبيا سيكون داخليا محضاً، ويتمثل في أن يعلن رئيس الوزراء أبي أحمد وقف القتال وسحب قواته، ويدعو جبهة تحرير شعب تيغراي لحوار وتفاهم. قد يكون هذا الحوار برعاية خارجية إقليمية أو دولية يتفق عليها الطرفان، ومن أهدافه إعادة إجراء الانتخابات في موعد متفق عليه، مع إشراك مهم لمكون التيغراي في مختلف مفاصل الدولة، وتجاوز بالتالي الإقصاء الذي تشكو منه، وفق محفوظ السالك الباحث في الشؤون الأفريقية.
الصورة: القوات الفيدرالية تنعى ضحايا القتال مع قوات الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغراي