القاهرة ــ «القدس العربي»: يختار الفنان المصري طه عشماوي ـ مواليد عام 1965 ـ اسم (غياب) لمعرضه الأخير، الذي أقامه مؤخراً في قاعة نهضة مصر، في مركز محمود مختار الثقافي في القاهرة. تجلت هذه المفردة من خلال عدة تقنيات كالغرافيك، وهو ما تخصص به عشماوي، حيث تخرج في هذا القسم في كلية الفنون الجميلة، إضافة إلى الرسم والنحت. وحالة الغياب التي دارت حولها الأعمال تترادف معها حالة أخرى حتى تكتمل الصورة، وهي حالة (الانتظار) التي لا تخفى عن الأعمال الفنية في المعرض على تنوعها واختلاف أساليبها.

التقنية
لا تخلو لوحة من اللوحات، إلا من لعبة الجزء الخالي من الكادر (التكوين) فنرى تكتل الشخوص في جزء ما من اللوحة، بينما هناك جزء خال يُطالع هؤلاء، والذي يبدو أنه يحتل المساحة الأكبر، أو هكذا يوحي، كوقوف مجموعة متراصة ومتماسكة فوق صخور ضخمة، بينما البحر يتهادى أمامهم، وهم لا يزالون على وقفتهم، بحيث تتداخل الحالة ما بين الوداع أو الانتظار، وهي للأخيرة أقرب. حتى عندما تقتصر اللوحة على شخصية واحدة تملأ الكادر، إلا أننا نشعر بأنها أيضاً جالسة في حالة انتظار، لتصبح اللعبة ما بين الشخوص والوقت، وللمتلقي أن يستشعر هذا الثقل، أو هذه المعاناة، دون إسراف في التأسي أو المتاجرة به. وإن كان هذا الحديث عن اللوحات، إلا أنه لا يختلف عنه في المنحوتات، كما في منحوتة المرأة التي تنتظر في قِلة حيلة، لكنها قد تتوسل بالأمل في الوقت نفسه، حتى منحوتة العناق، فهي بدورها تتوتر بين حالة اللقاء أو الوداع، دون أن يحدد الفنان طبيعة مشاعر شخصياته بالضبط، تاركاً للمُتلقي أن يتواصل مع العمل حسب حالته ومزاجه النفسي.

الألوان والإيقاع
كان للأبيض والأسود في أعمال الغرافيك جمالياته وتأثيره الأقوى، بخلاف لو تمت صياغة هذه الأعمال من خلال الألوان الزيتية أو ما يُشابهها. فالتباين الحاد ما بين تكتلات الشخوص والأشياء والفراغ المقابل لها، أو خلفية اللوحة التي تشكّل السماء في غالبية اللوحات يؤكد هذه الحالة التي حاول الفنان تأكيدها والإيحاء بها للمتلقي. أما في اللوحات الزيتية ـ القليلة ـ فيتم هذا التباين من خلال التقابل ما بين الألوان الحارة المسيطرة على أغلب مساحة اللوحة، والألوان الباردة، التي توجد وتستمد قوتها من طريقة وضعها في اللوحة.. العمق أو الأطراف في مساحات متباينة. أما الإيقاع فهو الإيقاع الكلاسيكي الذي يحرص عليه الفنان، سواء اختلاق تكوين يعتمد شكل المثلث أو الشكل الدائري. هذه الكلاسيكية واللوح الحداثي تؤكد رؤية وتقنية راسخة يتمتع بها عشماوي، دون الانقياد إلى تقنيات وأساليب تغريبية لا تضيف إلى التجربة الفنية، بل تضر بها في أغلب الأحوال.

