أصدر الشاعر والنّاقد المغربي عبد اللطيف الوراري نصّاً رحلياً (الرباط: منشورات التّوحيدي 2019) جاء موسوماً بعنوان «القاهرة من أبواب متفرقة» الذي يتناصّ مع وصية يعقوب لأبنائه، عندما أرادوا الخروج من عنده متوجهين إلى مصر، كما تتناص بعض عناوينه الداخلية مع نصوص قرآنية (ادخلوها بسلام آمنين) ومع نصوص كثيرة من الثقافة الإنسانية (سرير بروكست…) وإن كان تجنيسه «الغريب» (محكي سِفَاري) يشوّش قليلاً على قراءته.
لقد كان هذا النّص صدى لتجربة سفر قام بها الكاتب إلى القاهرة في شهر سبتمبر/أيلول من سنة 2016 لحضور فعاليات مؤتمر عربي حول قصيدة النثر، بصفته شاعراً وناقداً مهتماً بقضايا الشعر والشعرية العربية. حاول فيه التقاط الحالات النفسية للمسافر في تفاعلها مع المرئي والمعاش من مشاهد وأحداث وضعته فيها تجربة السفر.
ولتحويل فعل سفره إلى نص رحلي، استنفر عبد اللطيف الوراري كل حواسّه وانفعالاته وذاكرته القرائية والبصرية، وخياله وحسّه النقدي ورهافته الشعرية، ليجمع في كتابة نصّه هذا بين المحسوس والمعاش والمُستعاد من الذاكرة والوجدان، وليمنح رحلته وجهين؛ أحدهما مادي محسوس يتحقق في مشاهدات ومسموعات ومشمومات ومذاقات الكاتب للأشخاص والأشياء والأفعال، والآخر لا مادي تخييلي يتحقّق من خلال ما تأتّى للكاتب من رؤى وتخيّلات وأحلام، ومما علق بوجدانه وذاكرته، وذلك ناتج عن تفاعله مع المحسوس عبْر مدّ جسور شتّى بين الواقعي والتخييلي والذاتي والموضوعي. ليقدم لنا عبداللطيف الوراري رحلتين؛ جرت الأولى في الواقع والثانية عبارة عن صدى تخييلي لها.
وقد أمكنتنا قراءة هذه الرحلة من التوقّف عند مجموعة من الإواليات التي ارتكز عليها عبد اللطيف الوراري في تحويل تجربة سفره إلى نص رحلي؛ نجملها كما يلي:
– لا يكتفي الكاتب بنقل الواقع حسب مستطاع حواسه، خاصة البصر، بل يطلق العنان، في كثير من المواقف، لمخيّلته ويمنحها الحرية في التفاعل مع المشهد المرئي والمعاش، لتخلُق واقعاً تخييلياً توحي به اللّحظة، وهو ما يسمح للتخييلي بمضاعفة المحسوس.
– يتفاعل أيضاً مع ما هو معاش خلال تجربة السفر باستحضار ذاكرَتَيه البصرية والقرائية، مما شاهده من أفلام مصرية وما قرأه من كتب وأعمال إبداعية، يستعين بها للتفاعل مع ما يراه من معالم حضارية وأفعال وسلوكات بشرية؛ لأن الرحالة يستعين بنظرتين الأولى محسوسة تعتمد على ما تقدّمه الحواس، والثانية متخيلة ومتصورة تعتمد على ما تقدمه المخيلة والوجدان والذاكرة، عبر تواصله اللاّمحسوس مع الأمكنة والأشخاص والأحداث.
– ينقل لنا عبد اللطيف الوراري انطباعاته عن الأماكن والأشياء والتصرفات في مدينة القاهرة، التي لا تُخفي حسّه النقدي المعبر بوضوح مواقفه النقدية من بعض الأفعال، ومن بعض الظواهر والمواقف السلبية، ومن أحكام القيمة السطحية التي التقطها من بعض الشعراء والنقاد والمهتمين، وبشكل خاص عندما يتعلق الأمر ببعض القضايا الشعرية، التي هي من صلب اهتمامه، أو تمسّ بلده المغرب وأدبه، فيتدخّل بحس نقدي صارم للكشف عن زيف بعض الادعاءات أحيانا، وسطحية وتسرّع أخرى.
– رغْم الطابع السردي للرحلة، فقد سمح انفتاحها لعبد عبد اللطيف الوراري الشاعر والناقد، وفي بعض الأحيان، بإدراج نصوص شعرية من إبداعه تفاعلاً مع موقف أو تعبيراَ عن حالة وجدانية أملتها اللحظة، ونصوص أخرى نقدية تحققت نصياً على شكل قراءات سريعة في دواوين شعرية لشعراء مصريين، احتلّت حيزاً لا بأس به داخل هذا النص الرحلي، بل تضمّن النص مجموعة من المقالات النقدية التي يمكن أن تكون مستقلّة بذاتها. وما يسوّغ هذا الحضور أيضاً هو الدافع إلى الرحلة، وهو حضور مؤتمر حول قصيدة النثر التي شغلت المؤتمرين، بل جعلت الانشغال بالشعر وهمومه إحدى أولويات هذا النص الرحلي.
– إخلاصاً للروح السردية للرحلة، ضمّن عبد اللطيف الوراري نصّه مجموعة من الطرائف والمغامرات، التي عاشها خلال سفره، كما حاول أن ينقل لنا هواجس الشخوص، الذين كانوا في الغالب شعراء، وهمومهم وتذمّراتهم وأحلامهم وتطلعاتهم.
– وليؤكد الكاتب على انفتاح الرحلة المعاصرة على الفنون البصرية المكمّلة لفعل كتابة السفر، ذيّل نصّه بمُلحق لصور فوتوغرافية التقطت له مع بعض الوجوه الثقافية المصرية (سعيد مكاوي، وحيد الطويلة، فهيم ناجي…) وكذا مع بعض المعالم السياحية المصرية الشهيرة كالأهرامات والمساجد والكنائس والمقاهي الشهيرة.
كاتب من المغرب