غزة- “القدس العربي”: بالرغم من عدم نشر آخر نتائج التحقيقات التي أجرتها لجنة فلسطينية خاصة، في حادثة وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي صادف الخميس الذكرى الـ17 لرحيله، إلا أن كل أصابع الاتهام تشير إلى أن إسرائيل، وبالتحديد عدوه اللدود رئيس وزراء حكومة تل أبيب وقتها أرئيل شارون الذي فشل في قتله في بيروت، هو من دبر العملية، للخلاص منه، على أثر اتهامه بالوقوف وراء انفجار “انتفاضة الأقصى”.
وصادف الخميس 11 نوفمبر، الذكرى الـ17 لرحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات المعروف بلقب “أبو عمار”، صاحب الكوفية الفلسطينية الشهيرة، التي وضعها على رأسه، وجال بها الكرة الأرضية، مدافعا عن القضية الفلسطينية، ولم تفارق رأسه، وهو يقود معارك الدفاع عن القضية ضد الاحتلال الإسرائيلي، على مدار أكثر من أربعة عقود.
قبل 17 عاما، توشحت فلسطين بالسواد، حيث أعلن عن وفاة أبو عمار على سرير العلاج في مشفى “بيرسي” العسكري الفرنسي، الذي نقل إليه بسبب مرض غامص أصابه بشكل مفاجئ، فيما مجمل الاتهامات تدور حول وقوف إسرائيل وراء العملية من خلال تسميمه، بعد أن كانت تفرض عليه حصارا محكما في مقر إقامته بالمقاطعة بمدينة رام الله.
وكان أبو عمار الذي يقود السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير من مقر إقامته في المقاطعة، رغم حصاره من قبل إسرائيل، وقد وفد إليه هناك العديد من زعماء العالم ووزراء مهمين من الكثير من الدول، وقد فرض الحصار بعد وقت وجيز من اندلاع “انتفاضة الأقصى”، التي انفجرت في سبتمبر من العام 2000، على إثر زيارة شارون للمسجد الأقصى، ووقتها كان هذا المسؤول الإسرائيلي زعيما للمعارضة، قبل أن يتولى مقاليد الحكومة، ويفرض بمساندة أمريكية الحصار، لاتهام أبو عمار بتمويل هجمات مسلحة، وتفجير الانتفاضة.
وقد كانت زيارة شارون للأقصى، التي سمح بها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أيهود براك، بعد فشل محادثات “كامب ديفيد 2″، والتي عقدت في العام2000 نتيجة التعنت الإسرائيلي وحرص عرفات على عدم التفريط بالحقوق الفلسطينية.
وخلال حصار المقاطعة دمرت قوات لاحتلال والدبابات التي اقتحمت ساحتها، أجزاء كبيرة منها، وطال التدمير بالقصف والمتفجرات مكتب الرئيس الراحل، حيث وثقت عدسات التلفزة العديد من عمليات اقتحام وحصار المقاطعة، وأعنفها خلال شن عملية “السور الواقي” في الضفة عام 2002، والتي قضى خلالها مئات الشهداء، بعضهم من الحرس الخاص بالرئيس عرفات، أثناء التصدي لاقتحام مدينة رام الله.
وقبل أيام من وفاة الرئيس عباس في المشفى الفرنسي، أصيب بحالة إعياء شديد، استدعي على أثرها فرق طبية من عدة دول عربية، لكن تقرر في ظل فشل علاجه، نقله عبر مروحية من مقر المقاطعة إلى الأردن، بعد أن سمحت إسرائيل التي تفرض عليه حصار مشدد، ومن هناك نقل بطائرة إسعاف فرنسية إلى المشفى العسكري.
وعلى سرير العلاج قضى أبو عمار، حيث لم يتمكن الأطباء من علاجه، ومن اكتشاف ما أصاب جسده من مرض، يعتقد أنه بسبب تسمم، لم يكشف طبيعته بعد، لتقام له مراسم وداع عسكرية رسمية في فرنسا، قبل نقله إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث أقيمت له جنازة شارك فيها الرؤساء والزعماء العرب، ومن ثم نقل عبر طائرات مروحية مصرية لمقر المقاطعة، حيث دفن هناك، وسط مشاركة شعبية منقطعة النظير.
وقد شكلت لجنة تحقيق فلسطينية لمعرفة السبب وراء وفاة أبو عمار، وأجرت اللجنة العديد من جلسات الاستماع والاستجواب لأشخاص قاموا بزيارته، كما قامت اللجنة بفحص التقارير الطبية، لكن لغاية اللحظة لم تقم بنشر النتائج.
لغز وفاته لا زال غامضا والاتهامات تلاحق إسرائيل بتسميمه
ويؤكد الفلسطينيون أن رئيسهم الراحل قتل مسوما، من خلال مخطط لأجهزة الأمن الإسرائيلية، حيث جرى استخراج رفاته من قبره في نوفمبر من العام 2012، وأخذت منه عينات من قبل فريق طبي روسي وسويسري، للتحقق من تعرضه للتسمم عبر مادة “البولونيوم”، بعد أن كشف تقرير أعدته قناة “الجزيرة”، بوجود هذه المادة على ملابسه.
والبولونيوم مادة قابلة للذوبان شديدة السمية بكميات ضئيلة سواء عن طريق الاستنشاق أو الابتلاع، وهو على قدر بالغ من الخطورة يتطلب التعامل به تجهيزات خاصة وآليات صارمة، والمعروف أن عرفات تعرض للعديد من محاولات الإغتيال الإسرائيلية، سواء في لبنان أو في تونس، التي أقام بها بعد خروج القوات الفلسطينية من لبنان.
وولد أبو عمار في القدس في الرابع من أغسطس عام 1929، واسمه بالكامل ‘محمد ياسر’ عبد الرؤوف داوود سليمان عرفات القدوة الحسيني، وتلقى تعليمه في القاهرة، وشارك بصفته ضابط احتياط في الجيش المصري في التصدي للعدوان الثلاثي على مصر في 1956.
وشارك الراحل مع مجموعة من الوطنيين الفلسطينيين في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني ‘فتح’ في الخمسينيات، وأصبح ناطقا رسميا باسمها في 1968، وانتخب رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في شباط 1969، بعد أن شغل المنصب قبل ذلك أحمد الشقيري ويحيى حمودة، وألقى أبو عمار عام 1974 كلمة باسم الشعب الفلسطيني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وحينها قال جملته الشهيرة “جئتكم حاملا بندقية الثائر بيد وغصن زيتون باليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”.
وقاد الرئيس عرفات القوات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف العام 1982، كما قاد معارك الصمود خلال الحصار الذي ضربته القوات الإسرائيلية حول بيروت طيلة 88 يوما انتهت باتفاق يقضي بخروج المقاتلين من المدينة.
وعقب إعلان استقلال فلسطين في الجزائر في الخامس عشر من نوفمبر عام 1988، أطلق في الثالث عشر والرابع عشر من كانون الأول للعام ذاته في الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة السلام الفلسطينية لتحقيق السلام العادل في الشرق الأوسط، حيث انتقلت الجمعية العامة وقتها إلى جنيف بسبب رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة سفر إلى نيويورك، وأسست هذه المبادرة لقرار الإدارة الأمريكية برئاسة رونالد ريغان في الـ16 من الشهر ذاته، والقاضي بالشروع في إجراء حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية في تونس اعتبارا من 30 آذار 1989.
ووقّع ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين عام 1993، اتفاق إعلان المبادئ “أوسلو” بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل في البيت الأبيض، في الثالث عشر من سبتمبر، حيث عاد بعدها ياسر عرفات بموجبه على رأس كادر منظمة التحرير إلى فلسطين، واضعا بذلك الخطوة الأولى في مسيرة تحقيق الحلم الفلسطيني في العودة والاستقلال، وفي العشرين من كانون الثاني 1996 انتخب ياسر عرفات رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية في انتخابات عامة، وبدأت منذ ذلك الوقت مسيرة بناء أسس الدولة الفلسطينية.
وبمناسبة هذه الذكرى، وضع الرئيس محمود عباس إكليلا من الزهور على ضريح الرئيس عرفات، وقال “إن الرئيس الراحل ياسر عرفات هو القائد المؤسس والرمز للنضال الفلسطيني الذي نستلهم منه الصبر والعزم لمواصلة نضالنا الوطني وثورتنا الفلسطينية”، وأضاف “بالرغم من كل الصعوبات التي تمر بها قضيتنا الوطنية، إلا أن شعبنا سينتصر لأننا أصحاب حق، وسنواصل العمل من أجل إنهاء الاحتلال، ونيل شعبنا الفلسطيني حريته واستقلاله ودولته وعاصمتها القدس الشرقية”.
وأشاد في ذات الوقت بتخصيص جائزة ياسر عرفات لهذا العام للمقاومة الشعبية السلمية، في بلدة بيتا، مؤكدا أهمية مواصلة دعم صمود أهلنا وتعزيز سلاح المقاومة الشعبية السلمية في مواجهة الاحتلال واعتداءات المستوطنين، وشدد على أهمية تعزيز صمود سكان القدس المحتلة، وخاصة في حي الشيخ جراح وسلوان وغيرها من البلدات المقدسية.
وفي السياق، قال الشيخ نافذ عزام ،عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، إن خط الثورة الذي اختاره الرئيس الراحل ياسر عرفات، كان ضروريًا فى مواجهة “إسرائيل” ومن يقف خلفها، وأضاف في تصريح صحافي “أشهر أبو عمار بندقيته وكوفيته ليؤكد للعالم أجمع أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم ولن يستسلم، ونظن أن هذه الرسالة لا زالت ماثلة ولم تستنفذ أغراضها”، وتابع “رغم ما أحدثته أوسلو من جدل وتصدع نظن أن “أبو عمار” ختم حياته بما ينسجم مع فدائيته وكوفيته فذهب شهيدًا على هذا الطريق”.
هذا وقد نظمت عدة فعاليات لإحياء الذكرى، حيث زار مسؤولون من حركة فتح وفصائل منظمة التحرير ومن الجامعات، وحشد من المواطنين منزل الرئيس في مدينة غزة، الذي تحول إلى متحف، تخليدا لذكره.
ونظمت في مدينة بيت لحم العديد من الفعاليات لإحياء الذكرى الــ17 لاستشهاد عرفات، بدعوة حركة فتح، وفي أحد الفعاليات أصيب عشرات الطلبة من مدرسة ذكور تقوع الثانوية جنوب المدينة بحالات اختناق، جراء قمع قوات الاحتلال الإسرائيلي، لمسيرة سلمية خرجت من هناك.
كما افتتحت في مدرسة في منطقة الأغوار، معرض “مسيرة قائد وصمود”، اشتمل على صورا لمحطات نضالية من حياة الرئيس عرفات، وتنقله بين الدول العربية، حتى استشهاده، ولقطات من جنازته.
وافتتح في مدينة “تشيبوكساري” الروسية، معرض روسيا الفني الدولي الثامن، “فلسطين بعيون فناني روسيا التشكيليين”، والذى نظم اليوم بهذه المناسبة.