هآرتس: “حتى تيئيس الاحتلال”.. سلاح فاشل تشهره المنظمات المدنية الإسرائيلية في وجه غانتس

حجم الخط
0

قبل نحو ثلاثة أسابيع، قرر وزير دفاع الاحتلال والأبرتهايد، بني غانتس، اعتبار ست منظمات مجتمع مدني وحقوق إنسان فلسطينية “منظمات إرهابية”. منظمة “الضمير” التي تقدم المساعدة القانونية للسجناء وتقوم بجمع البيانات عن السجون والاعتقال الإداري، وتعمل على وقف التعذيب؛ و”الحق” التي تقوم بتوثيق خرق حقوق الفلسطينيين في المناطق المحتلة؛ وفرع فلسطين للرابطة الدولية لحقوق الطفل، التي تقوم بمتابعة قتل الأطفال الفلسطينيين وأوضاع الأطفال المعتقلين في إسرائيل؛ و”اتحاد لجان المزارعين” الذي يساعد الفلاحين الفلسطينيين، لا سيما في مناطق “ج”؛ و”اتحاد اللجان النسوية”، ومؤسسة الأبحاث “بيسان”.
في رد فوري على هذه الخطوات الوحشية التي هدفت إلى خنق المقاومة المدنية الفلسطينية ضد نظام القمع الإجرامي والمسؤول عن أمنه الوزير غانتس، فقد نُشر في الصفحة الأولى في “هآرتس” بيان احتجاج أدان قراره وعبر عن تضامن مدني وسياسي مع هذه المنظمات المضطهدة. وقد وقع على هذا البيان 20 منظمة مجتمع مدني إسرائيلية، المجال هنا ضيق لذكر أسمائها جميعها.
هنا يطرح سؤال لو كان يقف، بدلاً من الست منظمات مجتمع مدني وحقوق إنسان فلسطينية، منظمة مدنية – وطنية فلسطينية واحدة وموحدة ضد نظام الاحتلال والأبرتهايد تسمى على سبيل المثال “الجبهة المدنية – الوطنية الفلسطينية الموحدة للنضال ضد الاحتلال والأبرتهايد” أو “المؤتمر المدني – الوطني الفلسطيني الموحد للنضال ضد الاحتلال والأبرتهايد”، فهل كان الوزير غانتس سيتجرأ على الإعلان بأن منظمة مقاومة فلسطينية شاملة من هذا النوع هي “منظمة إرهابية”؟

يمكن إضافة وطرح سؤال بهذه الروح حول أوضاع تاريخية مختلفة في جوهرها، لكنها متشابهة في أساسها، مثل: هل كان النضال ضد الأبرتهايد في جنوب إفريقيا سينجح لو لم تقده منظمات مدنية كثيرة لمعارضي الأبرتهايد، التي تختص كل واحدة منها بعلاج مظالم معينة لنظام الأبرتهايد، وليس المؤتمر الوطني الإفريقي الذي رفع راية المقاومة الموحدة للأبرتهايد تجاه الداخل والخارج؟ وهل كانت الحركة الوطنية اليهودية الحديثة ستحقق أهدافها السياسية لو استمر على رأسها عدد لا يحصى من الجمعيات المحلية لمن يحبون صهيون، بدلاً من المؤتمر الصهيوني العالمي والهستدروت الصهيونية العالمية؟ أو هل كان مشروع الاحتلال والاستيطان سيزدهر الآن بصورة مؤثرة جداً لو قرر المستوطنون تشكيل أطر تنظيمية محلية تركز جهودها على الدفع قدماً بمصالح شخصية لهذه المستوطنة أو تلك، أو على جوانب استيطانية واقتصادية معينة من مشروع الاستيطان بدلاً من جسم واحد، فعال ومتماسك، مثل مجلس “يشع”؟ .

الإجابة عن هذه الأسئلة مفهومة ضمناً. فتقسيم تنظيمي لنضال سياسي من أجل تغيير جوهري للواقع السياسي المعطى يعدّ وصفة للفشل. في حالة النضال ضد نظام الاحتلال والأبرتهايد في إسرائيل/ فلسطين، فإن عيوب نشاط مدني سياسي منقسم ستظهر بشكل خاص. لأن المعالجة المركزة لأي تنظيم في المواضيع المحددة المرتبطة بمجال تخصصه استهدفت في الأساس تقليص أضرار الاحتلال والأبرتهايد في المجال المحبب لهذا التنظيم. ومجرد التطلع إلى تقليص أضرار الوضع القائم يرتكز في نهاية المطاف إلى الافتراض بأن الوضع القائم قابل للإصلاح.
ولكن هذا افتراض خاطئ؛ لأن نظام الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلي غير قابل للإصلاح الداخلي، جزء صغير هنا وجزء صغير هناك. وبدلاً من ذلك، يجب ضرب هذا النظام بكل الوسائل الممكنة غير العنيفة، بقوة وباستمرار، مع إسماع صوت عال وواضح للمعارضة، سواء في الساحة الدولية أو في الساحة الداخلية الإسرائيلية. أي قرار قاس ومتوحش لنظام الاحتلال والأبرتهايد، مثل قرار غانتس، يجب الرد عليه بصرخة احتجاج تدوي على الفور، وبمستوى واسع في الشبكات الاجتماعية وفي أي توثيق لخرق حقوق الإنسان للفلسطينيين، ويجب الإبلاغ عن ذلك ونشره بدون أي تأخير في وسائل الإعلام الإلكترونية بهدف طرح “القضية الفلسطينية” في الرأي العام الدولي، وعلى طاولة محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

نشاطات المعارضة الشاملة والمستمرة يمكن دفعها قدماً فقط بوسائل انتظام وطنية – مدنية إسرائيلية موحدة وواسعة، بحيث تشمل في صفوفها جميع منظمات المجتمع المدني الإسرائيلية التي تعارض نظام الاحتلال والأبرتهايد بين النهر والبحر. ولكن المشكلة، على اعتبار أنني طرحت في السابق اقتراحات كهذه مرات كثيرة في هذه الصفحات، يجب عليّ الاعتراف بأن فرصة تبلور إطار تنظيمي من هذا النوع تكاد تنعدم. كلما طلبت تشكيل منظمة إسرائيلية واحدة وموحدة للنضال ضد الاحتلال وضد استعباد الشعب الفلسطيني، مع تأسيس حقيقي لتعاون سياسي بين جميع التنظيمات، تم الرد علي في محادثات أجراها معي ممثلو بعض التنظيمات في أعقاب مقالي حول هذا الموضوع، بـ “نعم” مبدئية و”لا” فعلية. صحيح أن الفكرة منطقية ومرحب بها، قالوا لي، لكنها غير قابلة للتنفيذ، لأن “المتبرعين” لن يوافقوا، أو لأن لكل منظمة نشاطاً محدداً، وهو غال عليها.
بتوقيت مثالي ومثير للسخرية بدرجة معينة، وفي اليوم نفسه الذي ظهر على الصفحة الأولى بيان احتجاج الـ 22 منظمة مجتمع مدني وحقوق إنسان إسرائيلية ضد إعلان الحرب من قبل غانتس على المجتمع المدني الفلسطيني، نشر في الصفحة الثانية في الصحيفة نفسها مقال روغل الفر الغاضب، تحت عنوان “تيئيس الاحتلال” (25/10). يجب الرد على هذا برد متفائل ومتشائم في الوقت نفسه. فمن جهة، لا مكان “لتيئيس الاحتلال” لأن الطريق المنطقية والوحيدة لمكافحته، عن طريق الانتظام الموحد للعدد القليل من معارضيه، لم تتم تجربتها بعد في الـ 54 سنة الأخيرة. ومن جهة أخرى، من الصعب عدم اليأس من أنه يبدو أن لا أحد ينوي السير في هذه الطريق في المستقبل المنظور.
بقلم: ديمتري شومسكي

هآرتس 11/11/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية