ساعات قليلة على شاشات الفضائيات العربية المتناحرة، تكفينا لمشاهدة كم هائل من السياسيين العرب الذين يحتلون صفة الزعامة والسيادة والمعالي والعطوفة والسعادة، أو يأتون برتبة محلل وأستاذ وخبير ومختص وباحث!
ورغم كثرتهم إلا أنهم ما زالوا يتكاثرون بتكاثر المصائب والكوارث والأنواء. فربيع العرب يبرق هماً ويرعد حزناً ويحدث سيولاً من النكبات المتتابعة، التي لا تنتهي مصحوبة بنزلات قوية من الغرابة والاستغراب، مما نراه من الظواهر وصولاً إلى حد النقيض تماماً في ازدهار الظرافة والطرفة وعالم لا ينتهي من التنّدر. وإن كنت لا أعفي ذاتي من العضوية في جوقة السياسيين المذكورين، إلا أنني لا أخفي استمتاعي بما يكتبه الشباب على صفحات الإعلام الاجتماعي، من نكاتٍ ونهفاتٍ تطال السياسيين من باب النقد المسؤول، دونما تجريح أو إساءة أو تطاول، رغم أن بعضنا لا يفهم من الطرفة إلا القناعة بأنها إساءة أو تطاول.
وحرصاً على ماء الوجه مع الكثيرين وإمعاناً في الدبلوماسية، سأمتنع عن ذكر مواقف وحالات مضحكة طالت سياسيين وغيرها ممن تجاوزت حدودهم ووصلت رجال الدين في تناولهم لرجال الثلج، أو بالأحرى نساء الثلج والفتاوى الغريبة التي ارتبطت بهم.
ما سأذكره فقط هو إعلانٌ صادرٌ عن أحد الناشطين أوشك على نشره يعلن بموجبه عن استحداث وكالة لتصدير السياسيين العرب بمواصفات وجنسياتٍ وأديانٍ ومذاهب متنوعة وبقدراتٍ آدمية عالية وملكات مهمة كطلاقة اللسان بلغاتٍ عدة أو القدرة على الرسم والعزف والرماية داخل البرلمانات، وحتى المصارعة الفعلية لا السياسية فقط. الجميل أن صاحبنا صمم إعلانه قناعة بأن المنطقة قد أتخمت بالسياسيين لكن مشاكلها ازدادت، على حد زعمه، وازدادت معها ومعهم صعوبة الحل والحلحلة، وعليه أضاف إلى إعلانه جملة ترويجية شهيرة ومغرية يقول فيها: العرض قائم حتى نفاد الكمية! مؤكداً أنه سيصّدر السياسيين بمشاكلهم ليستورد في خطوة لاحقة سياسيين بحلول.
وعلى غرابة الفكرة وخفة ظلها يقف المرء متعجباً لحال: «خير أمة أخرجت للناس»! ومجتمع «من ضربك على خدك الأيمن أدر له الأيسر»! كيف شجت المصائب رأسها وذهبت كل رياحها وباتت أقرب إلى الموت من الحياة.
غريبٌ كيف سمحت أمة إقرأ أن تستبيح الكوارث أفئدتها وتأكلها المؤامرات وتنطلي عليها الوعود بالديمقراطية والخلاص من المصادر ذاتها، واللاعبين الذين سبق أن أشبعونا في الماضي وعوداً فورثنا وصايةً واستعماراً اتبعه احتلالٌ بات الأطول في الـــتاريخ المعاصر. وأصبحــت قصص التاريخ المشرفة، كما الأطلال التي اعتاد الشعراء الوقوف عليها وإنشاد أبياتهم. لقد تاهت أمة العرب وتفككت شكيمتها وخارت قدراتها وتركت تل أبيب تتمتع بهدوئها وانتصارها المباشر وغير المباشر على أمة الضاد: المكسورة بفعل الموت والمبنية على الأمل والمجرورة إلى الهاوية قولاً وفعلاً.. في كل يوم ومع كل صباح!
رحم الله الأنبياء الذين وفي أوج الانهيار العربي الحالي بات سبهم حرية رأي.. بينما مجرد انتقاد غيرهم: مجتمعاً ونبياً وديناً معادةً للسامية!
ننتظر وكالات التصدير وسنرى المزيد من العجب!
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم