يُقام في مركز سعد زغلول الثقافي في القاهرة معرض «تنويعات 2» شذرات من وحي المجتمع المصري

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»:  يضم المجتمع المصري عدة بيئات ومناخات اجتماعية متباينة، رغم ما يبدو من كونه كتلة واحدة من الناس، فهناك حالة لا تخفى من التباين بين أفراده، ورغم ذلك ينتظمهم إحساس تاريخي واحد. وتأتي تجارب الفنان التشكيلي المصري معبّرة عن هذه البيئة أو تلك، محاولة الحفاظ على الحِس التاريخي المشترك. ولسنا هنا بصدد الحديث عن تاريخ الكتب والمدونات والزعماء، والذي في أغلبه وهمي، ويخضع للعديد من الأسباب التي لا تمت للحقائق بصلة، ولكنه الحديث من خلال تاريخ الناس والأماكن، تاريخ النضال الحقيقي في محاولة البقاء أحياء. وما بين القرى والمدن تتشكل هذه الحيوات، ويحاول الفنان أن يخلّدها ويحتفي بها، بعيداً عن صخب سياسي أو إعلامي. ولكون الفنان بدوره يتأثر بما يحدث في المقام الأول، وبالتالي يختار في أي جانب سيقف، فالفن كاشف عن اختياره هذا، وعن الفئة التي أتي منها، أو يحاول التعلّق بها والانتساب إليها، رغم ما يدعيه أو يحاول بدوره تزييفه في تواطؤ لا يمكن أن يظل خافياً لوقتٍ طويل.

ومن خلال تجارب متباينة لثمانية فنانين في معرض بعنوان «تنويعات 2» يُقام حالياً في مركز سعد زغلول الثقافي في القاهرة، يمكننا اكتشاف العوالم التي يجسدونها، باختلاف مرجعياتهم الثقافية، وكذلك اختلاف أساليبهم وتقنياتهم. فما بين التصوير والنحت والخزف، والتجسيد والتجريد، تتوالى لقطات تستعرض المجتمع المصري من زوايا عدة، سواء من الذاكرة أو في لحظة ليست بالبعيدة عن وعي المُتلقي. والفنانون هم، آمنة الحضري، ورانيا رجب، وساركيس طوسونيان، وسمير عبد الفضيل، وعادل حسني، وعمر الفيومي، وفريد فاضل، ومحمد دسوقي.

الريف المصري

يتخذ الفنان محمد دسوقي من ثيمة الريف موضوعاً للوحاته، النيل والقرية والناس، في أسلوب يمزج ما بين التعبيرية والتأثيرية، مجسداً حالة من الهدوء والتصالح مع البيئة إلى حدٍ كبير. الذاكرة هنا لا تهدأ لتشكل مناخاً رومانتيكياً يسيطر على اللوحات، يتضح ذلك في تقسيم النور والظلال، إضافة إلى المساحات الشاسعة والإيحاء بالعمق، كما يبدو التباين ما بين زرقة السماء وانعكاس الأحمر ودرجاته على البيوت والأزقة، وكذلك التباين ما بين الخطوط المنحنية والمستقيمة، والأخيرة لها سيطرتها الأكبر على اللوحة. أما الشخوص فعددهم المحدود في كل لوحة يؤكد حالة الهدوء والتأمل السائد الذي يوحي به المكان، فلا وجود لصخب أو توتر، حتى أن الأصوات لا يمكن سماعها إلا بالكاد، حفيف أشجار، أو وقع خطوات. لكن التنظيم الحاد للتكوين يُذكّر المتلقي دوماً بأنه أمام لوحة، من دون التماهي معها كأحد مشاهد الحياة في الريف، وربما يعود الأمر إلى تأكيد فعل الذاكرة، التي تؤكد أن ما كان ليس هو الكائن اليوم بالفعل.

المدينة

ومن حالة الهدوء هذه، ننتقل إلى صخب لا يهدأ في مدينة كالقاهرة، حيث المقاهي وروادها، كما في لوحات الفنان عمر الفيومي، كالرجل لاعب الشطرنج في المقهى، والذي يتشابه في جلسته ولوحة «الرجل والقط» الشهيرة لعبد الهادي الجزار، حتى أنه يجسد لقطات لمقاهٍ معروفة، كمقهى الحرية الشهير في وسط المدينة. الفيومي أيضاً يستعرض نساء المدن من الفئة الدنيا، نساء الأماكن الشعبية، بجلابيبهن المميزة، ومنديل الرأس الشهير، وهو من إرث الماضي القريب أيضاً، قبلما تغزو ملابس الصحراء مصر، كالعباءات السوداء وأغطية الرأس التي توحي بالكآبة، وكأننا في مأتم لن ينتهي.

الحارة الشعبية

ونستكمل المسيرة في القاهرة، وصولاً إلى حواريها الشعبية، ليبدأ المهرجون في الظهور، حيث يتجمع أطفال الحي، وتنظر النساء من الشرفات على الصخب والجو الاحتفالي، ليلتقط الفنان عادل حسني هذا العالم، مجسداً من خلاله عدة مظاهر كانت سائدة واختفت الآن تماماً، كلعبة صندوق الدنيا، والأطفال الغارقون في عالم الصور المتتابعة، وألعاب المهرجين والحواة. عالم آخر من البهجة اختفى. وبالطبع ستسيطر الألوان الحارة والمبهجة على المشهد، سواء وجوه المهرجين أو البيوت، ولا ينسى الرجل وجود اللون الأخضر حاملاً بعضا من قداسة لهذه المهنة، التي تُدخِل السعادة إلى قلوب الناس، كحلم سريع يمر أمام أعينهم، كما في صندوق الدنيا الذي يحتفي به.

التجريد والطبيعة الصامتة

وتأتي لوحات الفنان سمير عبد الفضيل ليصبح الحرف هو أساس التشكيل، ومن خلال تحويرات الحرف ينسج الفنان بعض القصائد الشهيرة في الشعر العربي، ذلك من خلال ألوان نقية إلى حدٍ كبير، مع بعض الأشكال التجريدية في خلفية اللوحة، كالدائرة مثلاً، وصولاً إلى أن تشكل الحروف معاً أشكالاً هندسية تتوالد، مُكوّنة تجربة بصرية وانفعالية، يتواصل معها المتلقي من خلال الخط واللون. الغريب أن عبد الفضيل لم يبدأ تجريدياً، بل تنوعت أو تطورت أعماله ورؤيته بداية من البورتريه والموديل ومجموعات الشخوص، وصولاً إلى حالة التجريد القصوى حالياً. ومن التجريد إلى الطبيعة الصامتة والبورتريه، كما في أعمال الفنانة آمنة الحضري، وهو أسلوب يُذكّر بأعمال الفنانين الكبار، حيث لم تجرفها الأساليب ما بعد الحداثية، فنجد التكوين الكلاسيكي المدروس، دونما افتعال أو خروج عن القواعد.

النحت والخزف

من خامة البرونز تتشكل أعمال الفنان ساركيس طوسونيان، شخوص تبدو وكأنها من زمن بعيد، نساء ورجال لا توحي هشاشة أجسادهم بما يحملونه أو بمدى ثباتهم ومحاولاتهم التعايش. أعمال طوسونيان لا تشبه أعمال النحت المعاصرة، زمن قديم يتجسد من خلالها، سواء الخامة أو تكوين الجسد وبعض الأجزاء المذهّبة، والتي توحي أنه تم اكتشافها للتو في مقبرة فرعونية، حالة من الرهبة توحي بها المنحوتات، والتي بدورها تتباين ملامح شخوصها وسطوح أجسادها ما بين النتوءات/الخشونة، وبعض الأجزاء الملساء، وهو تناقض آخر بين ما هي عليه وما تواجه به الآخرين. أما الفنانة رانيا رجب فتجسد عالماً آخر من خلال الخزف، حيوانات وطيور وحشرات، فتتنوع بيئات هذه الكائنات ما بين الغابات والبيئة البحرية، المستأنس منها والمفترس، كشكل من أشكال التآلف مع الطبيعة، فهم بدورهم مخلوقات لها حياتها وتفاصيلها، وكأنك انتقلت إلى عالم تنظر إليك مخلوقاته كشيء غريب مختلف، لا تفسير له، مَن يُشاهِد مَن؟!

كروت البوستال

وفي الأخير تأتي أعمال الفنان فريد فاضل، التي رغم جمالياتها وحرفيتها، لا تخرج عن كونها أشبه بكروت البوستال التي تُباع للسائحين، لتمثل لهم صورة مُبهجة وجميلة عن مصر وناسها ــ الناس الشقيانة السعيدة جداً ــ وهي بالطبع لا تطابق الصورة الحقيقية التي عليها الناس في مصر، ربما مصر أخرى لا ندري عنها شيئاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية