إعرابُ العاشقين

من أبرز ما يشدك في طريقة التفكير في الإنسانيات اليوم، أن العلوم ليست جزرا متفرقة، أو قبائل علمية متناحرة مثلما قد يبدو لضيّقي الأفق العلمي؛ بل إن العلوم يمكن أن ينفتح بعضها على بعض، وهذا شأن العلوم المتباعدة من نوع الرياضيات واللسانيات وعلم الأعصاب. هذا الترابط بين العلوم فتح المجال للحديث عن ترابط بين المواضيع، أو المحاور مثلما حدث في الجمع بين النحو، بما هو دراسة للتراكيب والرغبة في كتاب الأستاذة الجامعية الإيطالية إلينا لومباردي، الذي تحدثت فيه عن هذه العلاقة بين الموضوعين، في ثقافة القرون الوسطى.
بينت المؤلفة بالاستناد إلى أفكار سانت أوغستان (عاش بين 354 و430 ميلادي) اللاهوتية كيف أنك حين تبني بالإعراب جملة فأنت تبني رغبة، والعكس صحيح ويظهر ذلك في فعل الإله الخلاق في الكون، ففيه يتحد تركيب الكلام بخلق الكون، وهذا ما يمكن أن نجده في النص القرآني في قوله تعإلى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) ففعل الإرادة، وهو هنا رديف الرغبة الإلهية، متحول إلى خلق بواسطة التركيب القولي المقدس (كن). ومثل هذا الترابط تدرسه الباحثة في أشعار دانتي، الذي عاش بين القرنين 13 و14 وفي اتجاه نحوي يعرف بمدرسة المودستاي Modestae التي حولت النحو إلى تأملات.
لا نريد أن نطيل القول في أفكار هذا الكتاب، وإنما نريد أن نبين قياسا على هذه الأفكار أن للإعراب، بما هو متصور تجريدي يفسر العلاقات التركيبية بين الكلام، صلة بفكرة العشق الذي هو إفراط في الحب البشري، أو في الحب الإلهي الصوفي. لا يمكن أن يوجد إعراب ولا علاقات إعرابية لولا وجود المفردات المؤلفة من كلمات، ولا بد من أن يوجد ضرب من الانسجام بين الكلم لتقيم علاقات إعرابية معلومة، ولذلك يمكن أن تُعجم الكلمات علاقاتٍ إعرابيةً ولا تعجم أخرى؛ فيمكن في علاقة إضافة أن نقول (حب زيد) أو (حُب هند) في حديث عن حب مخصوص يميز زيدا أو هندا، وهذا ممكن لكن لا يمكن أن نعجم علاقة الإضافة بقولنا (حب المطرية) أو (حُب الريش) بما أنه من النادر العزيز القريب من المحال، أن نجد من يتميز بأنه يحب مَطرية أو يحب ريشا للدجاج أو حتى للنسور. لا ينسب فعل الحب إلا إلى من هو قابل للحب، وقابلية الحب أن يكون المرء قابلا لأن يُحِب أو يُحَب أو يكون الشيء أن يكون موضوعا للحب.
العشق هو الحب المفرط، ويرتبط بالسعادة، ومختصر السعادة أن تحصل على ما تريد على حد رأي غريفان Griffin ونظرية العشق تدمج مفهوم المتعة في السعادة، حين يكون ما نريده هو الكثير من المتعة والقليل من الألم. حين تبني جملة الحب السعيد عليك أن تبنيها بمفردات السعادة الخالية من الألم، وحين تبني مفهوم العشق فينبغي أن تبنيها بمفردات السعادة الخالية من القلة.
ما تزال علاقات العشق تبنى بالكلمات وبالعلامات، وقد تمكنت التقنيات الحديثة من كل شيء يمكن أن يقرب بين المحبين، بالصورة والصوت وبالحضور الفعلي والافتراضي، وبالخلوة الممكنة في المكان والزمان، لكنها لم تتمكن من تعويض بناء تجربة الحب بالكلمات، أي بالإعراب أو بالعلامات أي بضرب آخر من الإعراب العلامي.

حين تقول لك حبيبتك أنت مختلف، لا تصدق كثيرا لأنك لست كذلك. فأنت – وأنت مختلف – رهينة لجبر تركيبي هو ككل جبر موضوع صراع؛ وستنتهي إن صارعته ككل قدر بأن يصرعك.

ما تزال كلمة (أحبك) و(أعشقك) طرازَ الجمل المعبرة عن الحب، رغم أنها تعود إلى قرون، وقالها البشر القدامى وهم يلبسون لباسا غير لباسنا، وفي جو أكثر حرارة أو أقل رطوبة، وفي ليل لا ينيره الكهرباء، ولم يكن فيه عطرٌ فاخر ذو علامة شهيرة يفوح منها أو منه، ولا شيء كان من هذا القبيل. لكن الإعراب اشتغل وبنى جملا بسيطة متقطعة، فيها روح أو غاية، فيها تأسيس لشيء سيأتي ربما يكون حياة بأسرها.
أنا أحب فإذن أنا موجود؛ وأنا أعشق فإذن أنا أكثر وجودا، أو ربما أكثر عدما (بمنظار المتصوفة). لا يعبر عن الحب في أوله إلا بالجمل البسيطة، حتى لكأن نحو العشق لا تميل التراكيب فيه إلى التعقيد. جمل الحب جمل نووية بلغة نحويي اليوم، يكتفي فيها بطرفي العلاقة وبالثالث الموعود، وهو فعل الحب أو العشق. إن البساطة في العلاقة الإعرابية تتيح الفرصة لمن يقال له قول الحب أن يفكر ويقرر. هي إذن ليست جملة إخبارية، بل فيها ضرب من الاستخبار (أنا أحبك: فما رأيك؟). كان هناك شيء يحتفى به في الثقافات العاشقة والمشجعة عليه تسمى الجملة الأولى المؤسسة للعشق: التصريح بالحب. التصريح هو ما اخترناه وليس الإعلان عن الحب، لأن الإعلان يكون تشهيرا على وجه الملأ لشيء منتظر، ثم يكون فعلا وهذا شأن إعلان الحروب بعد أزمات بين دولتين، ثم تكبر الشرارة وتصبح لهيبا. التصريح هو في هذا السياق فعل بعد كتمان، أو تردد بين أن تقول أو لا تقول. كان التصريح بالحب فعلا مهما في بناء الكلام القديم في الثقافات التي يكون الحب فيها إثما، أو كالإثم؛ لكنه لا يمكن أن يكون كذلك في ثقافات متحررة من هذه الخلفيات المدنسة. في الوقت الذي يكون فيه الحُب مكروها يكون الكلام في المكروه محرما، وعندئذ يصبح الإشكال في إعراب جمل الحب، لا إنها صحيحة أو لاحنة، بل إنها شرعية أو محرمة: نخرج عن شرع النحو إلى شرع ما يبنيه النحو. النحو يصبح قاعدة أقل ضيقا من قاعدة المجتمع، فليس ما يحجر علينا قوله في ثقافة يحجره النحو.
حين تستقبل الجملة الأولى بصمت أو بابتسام، وحين لا تبنى أي جملة بالكلام، يأتي دور العلامات المطمئنات بأن هناك قبولا. جمل الحب المؤسسة هي جمل لا تنتظر جملا ترد عليها؛ إذ ليس التصريح بالحب داخلا في سياق محاورة كلاسيكية هو قول يحتاج أذنا لا تسمع القول، بل العلاقة ككل وتستوعبها. بعد هذا يأتي الكلام الذي كان منحبسا كأنه حمالة سيول، يدشن النحو علاقاته العادية. هنا يحين دور البلاغة، لكن لإضفاء جو جمالي على هذا الشعور الجميل. وعندها يبحث المحب عن كلام مختلف، ولأول مرة يشعر المرء بالفقر الفكري حين لا يجد المناسب من العبارات، أو حين لا يرضى على العلاقات النحوية العادية، لأنها ستعيد ما يقوله الآخرون، لكنه يريد أن يبين أنه ليس كالآخرين. في هذا الإطار يفرح الشعراء لأنهم هم الأغنياء الفعليون، ويجربون الغرق في بحر من عسل الاستعارات. غير أنهم سيكتشفون أنهم يعيدون الصور الكلاسيكية، وعندئذ سيلعنون القمر الذي شبه به آلاف الشعراء العشاق حبيباتهم، وسيلعنون الغزلان وعيونها، لأن عيون حبيباتهم أفضل، سيكون العشاق من الشعراء وكأنهم يتخبطون في أحابيل من الكلام السقيم، وضعهم فيها غيرهم عندهم سيبحثون عن استعارات أخرى وأبنية للأكوان أخرى سيرون عندئذ نسوة جددا.
تعمل اللغة عملها المألوف من زمان، وتستعد العلاقات الإعرابية المألوفة أن توفر ما هو متاح منها للمتكلم العاشق، ولا شيء في أبنية العشق مختلفة عن أبنية الكره الإعرابية؛ لكن علاقات بعينها تهيمن هي علاقات النسبة والوصفية والإسناد المبتور؛ سوف يفقد عقله حين يربط الكلام بمفردات لا يألفها: كلما كانت الكلمات غريبة في الإعراب كانت العلاقات أشد غرابة خارجة عن النمط.
حين تقول لك حبيبتك أنت مختلف، لا تصدق كثيرا لأنك لست كذلك. فأنت – وأنت مختلف – رهينة لجبر تركيبي هو ككل جبر موضوع صراع؛ وستنتهي إن صارعته ككل قدر بأن يصرعك. في ذلك الوقت ستراك رتيبا والحق أنك أنْتَ أنْتَ لم تتبدل قيد أنملة، لكن خانك إعراب العشق الذي هو ليس في محل إعراب.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية