من فعاليات المعرض الدولي الكتاب في الدار البيضاء ـ أرشيفية
الدار البيضاء ـ «القدس العربي»: مع إعلان رفع الحظر عن التجول الليلي وتخفيف إجراءات الطوارئ وباقي التدابير الاحترازية في المغرب، أخذت الروح تعود إلى الثقافة المغربية، هذا الجسد الذي أنهكه الفيروس الوبائي تماما على امتداد نحو عامين، بخلاف السياسة والاقتصاد اللذين لم يضعفا أمام هذا العدو الفتّاك إلا في حدود ضيقة. هكذا، دبّت الحركة في شوارع المدن والبلدات المغربية بعودة التلاميذ والطلاب، مستهل الشهر الماضي، إلى مقاعدهم في المدارس والكليات. وأخذ رمق حياة ينبض في الجسد الثقافي، بعد أن انعقدت محاضرة افتتاحية حول «الشخصية التاريخية المغربية» في سطات، ومعرض جهوي أول للكتاب والنشر في خنيفرة وثان قريبا في مشرع بلقصيري، وملتقيات واحتفاءات وتكريمات وتدشينات وتوقيعات وكلمات هنا وهناك… لكن الأهم في هذا كله هو الأنشطة الثقافية المرتقبة خلال الأسابيع والشهور المقبلة، ينتظر أن تشهد استقبال ضيوف من خارج المغرب، من مفكرين وأدباء وفنانين، ضمن فعاليات ثقافية وفنية ذات طابع دولي.
مهرجان فن الفيديو
في مساء الثلاثاء الماضي فقط، أعلنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية في نمسيك، خلال ندوة صحافية في مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء، أنها ستعقد الدورة السابعة والعشرين لمهرجانها السنوي الخاص بفن الفيديو. سيستأنف هذا المهرجان شكله الحضوري التفاعلي، بعد دورة جرت عن بعد السنة الفارطة، ليحتفي بإبداعات إقليم الكيبيك الكندي في مجال فن الفيديو والفنون الرقمية، حسب ما أعلنه مسؤولو الكلية خلال الندوة ذاتها. قوام هذه المشاركة الكندية في المهرجان، الذي سيقام من 23 حتى 27 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وفد فني يمثل عشر مؤسسات جامعية وفنية وثقافية كندية تعنى أساسا بالفنون الرقمية الحديثة.
وقد اختارت الجهة المنظمة استضافة كندا، خاصة إقليم الكيبيك، في هذه الدورة لأهمية ما يقدمه فنانوها من إبداعات رقمية حديثة في الكتابة شعرا ونثرا، والرقص، والمنجزات الفنية، والتنصيبات التفاعلية، وعروض الفيديو، والأفلام القصيرة، والمحاضرات الفكرية والنظرية، والورشات التكوينية حول الوقائع الافتراضية والمعزَّزة، وباقي الإبداعات التي تسلط الضوء على مختلف الأشكال الإبداعية والتخييلية وحواملها وسُنُدها التقنية. ولن يقتصر المهرجان على هذه المشاركة وحدها، بل سيوازيها تقديم عروض مغربية، وأخرى أوروبية، ما يجعل المهرجان منصة للمقارنة بين مختلف التجارب الفنية التي يبدعها الطلاب وأساتذتهم، ولمعرفة مدى قدرة الفنانين في بلدان الجنوب على مواكبة تطورات العصر. وتجدر الإشارة أخيرا إلى أن فقرات المهرجان لن تبقى حبيسة الفضاءات الثقافية في العاصمة الاقتصادية، بل ستعرض أيضا في مدن فاس وتطوان ومراكش والرباط.
طنجة المشهدية
وعلى النحو ذاته، يسعى مهرجان طنجة للفنون المشهدية، الذي ينظمه المركز الدولي لدراسات الفرجة، إلى استعادة وتيرته الطبيعية بعدما اضطر خلال العام الماضي إلى المزاوجة بين البعدين الحضوري والافتراضي، إذ سيعقد دورته السابعة عشرة حضوريا خلال الفترة الممتدة بين 26 و29 نوفمبر الجاري. في هذه الدورة، سيلتئم باحثون وفنانون قادمون من مختلف الفرجات العالمية، لتقديم رؤاهم حول «مسارح الجنوب العالمي» وعرض تصوراتهم حول «شعرية المقاومة وسياستها ضد نماذج مهيمنة وإقصائية، وأحيانا متمركزة أوروبيا، مسرحية كانت أم غير ذلك».
وحسب الجهة المنظمة، سيحاول المهرجان، في شقه الفكري والنظري، مواصلة النقاشات العميقة التي أرستها الدورات السابقة بين مختلف مهنيي الفرجة، أكانوا مسرحيين أم غيرهم، في الشمال والجنوب، حول السيرورات الإبداعية وسردياتها وحوارياتها وتعبيراتها المتعددة. هكذا، يحرص عقله المدبر خالد أمين الباحث والناقد المتخصص في نظريات الفرجة، على أن يكون المهرجان منصة لإبراز فكرة مفادها، أن لمسارح الجنوب أصولا مستقلة عن نظيراتها الأوروبية، يدل عليها ما سماه الباحث الراحل حسن المنيعي بـ»الأشكال ما قبل المسرحية» كالحلقة والرقصات الشعبية، إلخ.. كما ينحو نحو تعزيز هذا الأفق الفكري بطرح مقاربات ورؤى تبحث في أشكال التناسج والمثاقفة بين مسارح الجنوب ومسارح الشمال. وبخلاف دورته السابقة، يرتقب أن يقدم المهرجان بعض العروض المسرحية والفرجوية الموازية للندوات الفكرية.
معرض الكتاب
ومما يعزز عودة الروح الثقافية هذه إعلان وزارة الثقافة والتواصل وتصريحات مسؤولها الأول المتتالية حول إقامة المعرض الدولي للكتاب للنشر في موعده السنوي المعتاد؛ أي فبراير/شباط المقبل، بعد احتجابه العام الماضي. قبل أسابيع قليلة فقط، كانت فكرة إقامة المعرض تبدو غير محتملة بالنظر إلى أن الوباء عاود اجتياح المغرب في موجة حادة خلال الصيف الماضي. لكنها صارت الآن في متناول اليد، بعد تراجع حالات الإصابة بكورونا المسجلة يوميا، وكذا تخفيف تدابير الاحتياط إلى حدها الأدنى خلال هذا الأسبوع.
إلا أن ترحيل المعرض من حاضنته الأصل الدار البيضاء إلى العاصمة الإدارية، أثار استياء المثقفين والمسؤولين المنتخبين في البيضاء على حد سواء. جاء هذا الترحيل بذريعتين قدمهما وزير الثقافة والتواصل الجديد المهدي بنسعيد، خلال تصريح صحافي قبل أيام فقط. تفيد الذريعة الأولى بأن فضاء المعارض في الدار البيضاء، الذي حُوِّل إلى مستشفى ميداني منذ بداية الجائحة، ما يزال يستخدم للأغراض الطبية الخاصة بعلاج المصابين بالفيروس، وكذا أغراض التلقيح. بينما تفيد الذريعة الثانية، حسب تصريح لبنسعيد، بأن معرض النشر والكتاب سيمثل فقرة أساسية ضمن احتفاليات «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي» المرتقبة خلال سنة 2022. وفي كل الأحوال، ومهما يكن الموقف من ترحيل المعرض، فإنه سيكون أكبر محفل ثقافي في المغرب بعد سنتين قاحلتين ثقافياً.
وبين هذا وذاك، تطمح الجمعيات الثقافية والتظاهرات المحلية والفرق الفنية أن تستعيد نشاطها وحركيتها الثقافية، إسوة بالفاعلين في الميادين الاقتصادية والسياسية. كما يأمل المبدعون والمفكرون والفنانون معاودة اللقاء بقرائهم جماهيرهم، على قلتهم، حتى تتنفس الثقافة أوكسجين الحياة، وتتخلص من تداعيات فيروس خنق جميع رئات العالم.