بيروت ـ «القدس العربي»: لو كان لجرح الاختفاء القسري أن يلتئم، كما جرح الموت لكانت حياة أهالي الآف المختفين أقل عناء. ولأن افتراض التئام الجرح مستحيل حفر غسّان حلواني بتصميم وطول أناة ليعيد إلى الوجود صور المختطفين، ومن تحت عشرات الملصقات التي غطى أحدها الآخر على أحد جدران مدينة بيروت. المنوال نفسه حكم تواصل عمله على فيلمه الوثائقي «طِرس: رحلة الصعود إلى المرئي».
مسار فيلم «طِرس..» شبيه بحال أهالي المختفين قسراً، هم يناضلون منذ سنوات الحرب الأهلية التي عُرفت بحرب السنتين بحثاً عن مصير أحبائهم.. وإليهم انضم باحثون آخرون من أمهات، وزوجات، وأخوات وأباء وإخوة، عن مخطوفين ومفقودين في مرحلة الإجتياح وما تلاها. وفي حروب بيروت الداخلية، وفي المعارك مع الجيش السوري.. وحروب الجبل والشمال والبقاع، وتطول لائحة المعارك ولائحة المختفين والنتيجة واحدة.. الدولة اللبنانية لم ولن تتعامل مع هذا الملف الإنساني وتبعاته بما يستحقه، تقاتل لتمييعه، لتبقى الذاكرة تفيض بالألم بدل المصالحة. ولنستمر في السير أو العيش على مقابر جماعية يعرفها من حفروها تمام المعرفة. عاش المخرج غسّان حلواني تجربة الاختفاء القسري بأم العين وكان صغيراً. مشهد كبُر مع الطفل واليافع والشاب ومن ثم المخرج، فكان فيلمه المشغول بنبض فني غير كلاسيكي. علاقتنا كبشر مع حالة الخطف والمصير المجهول جسدها حلواني كمن يرسم لوحة فنية غامضة المعالم في بداياتها. ابتعد عن الاستثمار العاطفي، وراح باتجاه الرمزية، حكى حيث يجب وسطّر المعلومات الضرورية على الشاشة بين الحين والآخر. وحين حاور مصوراً عن صورة التقطها من حرب المخيمات عن مسلّحين يمسكان بشاب أعزل من المفترض أنه فلسطيني، كان مكان الصورة خالياً من البشر. وصلنا الصورة عبر الوصف لنقرأ من خلاله ذعر المخطوف وعبثية المسلحين. صورة شغلت الشاشة مراراً وفي كل مرة كانت ترغم العقل على تصور المشهد المؤلم المقتطع منها.
راح غسّان حلواني صوب الرسوم المتحركة كبديل أكثر دلالة عن المشهد الذي يرغب بتقديمه للمتلقي، بحثاً عن معالم جريمة كبرى لا تزال تخيم على الذاكرة الجمعية اللبنانية. فالرسوم المتحركة لغة شفافة تدخل موضوعاً يقض مضاجع الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين وغيرهم. خاض المخرج بدقة في الفرضية التي وضع نفسه حيالها منذ البداية وهي «.. رحلة الصعود إلى المرئي». فهذا المرئي لن يكون واقعاً طالما مصير المخطوف غير معروف. وتنقيب المخرج عن الصور في جدران المدينة لن يعيدهم. حتى عندما نجح في تظهير بعض صورهم ودوّن تحتها المعلومات الشخصية عنهم، بانت الصور وكأنها تحمل معالم متشابهة فيما بينهم. كان مشهداً مؤثراً انكباب حلواني على الصورة التي تجمع المخطوفين، وكأننا أمام لوحة من البازل يصعب التصديق بأن هؤلاء هم ناس لم تعد لهم حياة ولا حركة ولا حتى موقع أو مكان وصيرهم مبهم. بين مكتبه حيث الخرائط والصور والصحف وأدوات الرسم، وبين حضوره حافراً في صخرة الضمير المستتر لأمراء الحرب الذين نصبوا أنفسهم أمراء السلم في لبنان، يتحرك غسان حلواني دون كلام كثير. يكتب شريطاً يقول ما يرغب به، كإخراج القيد العائلي الذي لم ولن يخل من اسم عدنان حلواني، فالدولة لم تبت مصيره بعد مع 17 ألف مخطوف غيره.
حتى وإن كان المخرج حيال قضية شخصية ومؤثرة في مسار حياته، لكنه جذب المشاهدين لفرجة سينمائية تبحث في اشكالية الغياب بعمق. ولم يمسك بالكاميرا لتصوير هذا أو ذاك من أهالي المخطوفين ونكش آلامهم. تمكن غسّان حلواني من تحقيق قراءة جديدة كلياً لقضية المخطوفين من خلال الفن السابع، ودلّ على المقابر الجماعية المنتشرة بيننا. ودلّ على فائدة المسؤولين في كشف بعض تلك المقابر، وفي طمس أخرى. المعنيون بالخطف، هم المعنيون بالتستر عليه، وقضية المخطوفين مسألة سياسية بامتياز، هذه واحدة من خلاصات الفرجة على فيلم يشكل وثيقة.
يُذكر أن فيلم «طِرس…رحلة الصعود إلى المرئي» فاز بالعديد من الجوائز من خلال مشاركته في مهرجانات عالمية.