لم أكن من الذين فوجئوا بالتسريبات الجديدة المنسوبة لمدير مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي الخاصة بـ»تلقين» بعض الإعلاميين ما يقولونه في برامجهم، كما لم أندهش من ورود بعض الاسماء التي كان البعض يحسبها على ثورة يناير، التي تحل ذكراها الرابعة بعد ثلاثة أيام.
وأزعم ان هذا كان ايضا موقف الغالبية الساحقة من المصريين الذين يعرفونهم جيدا، من حيث تاريخهم وولاءاتهم، أو علاقاتهم التي جعلتهم فجأة «إعلاميين» اصلا، يملكون «منصات تلفزيونية» وليس برامج بالمعنى المهني للكلمة، تدر عليهم ملايين الجنيهات.
ومن هذا المنطلق اعتقد، ويعتقد كثيرون، ومنهم بعض اولئك الاعلاميين أنفسهم، ان هذه التسريبات لا تمثل «فضيحة» بالنسبة لهم، بل ان بعض تلك الاسماء لا تمانع في ان تخرج وتتباهى بانها كانت ومازالت تتلقى التعليمات في ما تقول او لا تقول. واكثر من هذا انهم سيعتبرون ورود اسمائهم في التسريبات «دليلا على قوتهم وقربهم من النظام» ما يؤهلهم للحصول على المزيد من الامتيازات المادية. وبكلمات أخرى فإنهم ممتنون للتسريبات عمليا، ولولا ان «التعليمات العليا» قضت بتجاهلها في برامجهم، لكان لهم موقف آخر. ومثال ذلك، وإن لم يرد اسمه في هذه التسريبات، هو السيد توفيق عكاشة الذي وصف في برنامجه علاقته ببعض الأجهزة الأمنية بانهم «متجوزينه عرفي»، اي انهم يقيمون معه علاقات سرية، بسبب خجلهم من اعلانها. أما المشكلة الحقيقية التي تطرحها التسريبات فهي عند النظام نفسه، أولا لانه سمح لنفسه بالتعامل مع اعلاميين على انهم «بتوعه»، حسب تعبير الشخص الذي قيل إنه مدير مكتب السيسي، لتوظيفهم في الدعاية لمرشح رئاسي يفترض أنه كان غادر موقعه وزيرا للدفاع، وانتهت علاقته بمدير مكتبه سابقا. وثانيا بسبب حدوث التسريب نفسه، وسط تجاهل من القيادة السياسية لحقيقة انه من حق الشعب المصري أن يُجرى تحقيق شفاف في الأمر، وان يعرف ان كانت االتسريبات نتيجة لاختراق خارجي، او صراع بين اجنحة داخل النظام، وكيف سيتم منعها.
وكما انه ليس كل من لم يرد اسمه في التسريبات «بريء» من تلقي تعليمات من «جهات عليا»، فالواقع ان الكثير من الاعلاميين المصريين يؤدون عملهم بشرف ومهنية ونزاهة وسط ظروف بالغة الصعوبة، ولا يجب أبد التعميم في اطلاق الاحكام والتهم على الاعلاميين في هذا المقام.
أما القضية الأهم التي تطرحها التسريبات فهي كيف تحول بعض الإعلاميين العرب اصلا الى مجرد «بتوع» عند السلطة الحاكمة في هذا البلد او ذاك؟ وكيف تعرضت مهنة الاعلام الى هذا الكم من التشويه، حتى ان بعض المحسوبين عليها يتفاخرون بأنهم اصبحوا في الحقيقة مجرد «مخبرين» عند بعض الاجهزة، او لايتورعون عن تبديل آرائهم او مصطلحاتهم بمجرد وصول «الوحي من فوق»، او يسمحون لانفسهم بالاغراق في الابتذال واستخدام الألفاظ البذيئة لشيطنة زعيم او نظام او بلد او فئة او طائفة، لمجرد خلاف سياسي في الرأي، ثم لا يستحون في التراجع سريعا عن هذا كله عندما «تعود المياه إلى مجاريها».
أما الاعلاميون الذين يفاخرون بانهم «جنود»، فالرد عليهم بأن الاعلامي لا يجب ابدا ان يكون لا جنديا ولا شرطيا (مع الاحترام الكامل للمؤسستين العسكرية والامنية) ولا بوقا لنظام، حتى إن كان ذلك النظام وطنيا حقا، بل عليه ان يقوم بواجبه طبقا لقواعد مهنته وعلى جبهته الخاصة، بالكفاح من اجل حق الناس في معرفة الحقيقة مهما كانت مرة، ومهما كان الثمن.
وحيث أننا في العالم العربي، كما في مناطق كثيرة من العالم، نعاني من تبعية وسائل الاعلام إما لحكومات او جهات او اشخاص من اصحاب المصالح، فإن الحديث هنا عن حيادية او استقلالية لا يتسق مع الواقع. لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. وتوجد امثلة كثيرة في الغرب على وسائل اعلام منحازة، وتعلن انها منحازة، لكنه في الوقت نفسه تتشبث بحد ادنى من الموضوعية والمهنية، فلا تدلس على المتلقين، ولا تتحول الى بوق للسب والشتم، ولا تقع أسيرة لخطاب سياسي واحد. وفي العالم العربي قنوات كثيرة فقدت انتشارها الواسع، لاسباب كهذه. واذا بقينا في مصر فان استطلاعا حديثا اظهر ان برامج «التوك شو» السياسية فقدت 28 بالمئة من مشاهديها في العام الماضي، لمصلحة برامج السحر والفضائح الجنسية. وهذه «شهادة شاهد من اهلها»، فقد اعلن السيد عكاشة قبل أيام قليلة ان عدد ذبذبات المشاهدة الخاصة ببرنامجه انخفضت من 48 مليونا الى 25 مليونا، أي النصف تقريبا خلال شهور قليلة. وهذه حقيقة يجب على الانظمة ان تفهم مغزاها بل وخطورتها، اذ ان استمرار الاعتماد على «الاعلاميين البتوع»، لن يعني الا استمرار هبوط شعبيتها وفقدان مصداقيتها، وبالتالي تصاعد الغضب الشعبي ضدها.
ومع ذلك لا يمكن تبرئة الجمهور في «ظاهرة الاعلاميين البتوع» من تهمة التواطؤ عندما يواصل كثيرون مشاهدة برامجهم، بينما في الحقيقة يستنكرون ما يسمعونه فيها، أو يعرفون أنها مجرد أبواق لجهات عليا. أي اهانة ان يقبل المشاهد ان يجلس متفرغا للاستماع الى مذيع مصاب بحالة من البارانويا جعلته يقرر ان يتنكر في زي «زعيم شعبي» او «بتاع سياسة واقتصاد واجتماع الى آخره»، بينما هو في الحقيقة مجرد «بتاع فقط» عند اخرين.
واخيرا شكرا لعبقرية اللهجة العامية المصرية التي اهدتنا هذه الكلمة «بتاع»(راجع قصيدة عمنا الفاجومي بهذا العنوان)، والا لما عرفنا كيف نصف هؤلاء «البتوع حقا».
٭ كاتب مصري
خالد الشامي