باريس-»القدس العربي»: كثيرة هي المؤتمرات التي نُظمت لمحاولة المساهمة في تسوية الأزمة الليبية منذ اندلاعها في عام 2011. ومع ذلك، فإن المؤتمر الدولي الذي احتضنه باريس حول هذه الأزمة في 12 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري يمكن أن يكون محطة مهمة جدا في إطار المساعي الرامية إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ ليبيا من خلال بوابة الانتخابات التشريعية والرئاسية التي تقرر إجراؤها مبدئيا في 24 كانون الأول/ديسمبر المقبل.
يبدو ذلك واضحا من خلال إلقاء نظرة فاحصة على البيان الصادر في أعقاب هذا المؤتمر. فقد بدأ بعرض مختلف الأطراف التي شاركت فيه. وترمز مشاركتها إلى تدويل الأزمة الليبية باعتبار أن البلدان الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي شاركت في المؤتمر (فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية). وشكلت مشاركة الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي أيضا لبنة أساسية في تجسيد هذا التدويل. أضف إلى ذلك إشراك مختلف الأطراف الداخلية والخارجية المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر بالأزمة الليبية وبأفق تسويتها. ونجد في مقدمتها بلدان الجوار الليبي وتركيا التي يتوقف عليها وعلى روسيا في المستقبل إيجاد مخرج لتسوية مشكلة القوات الأجنبية المنتشرة في البلاد.
أفق واعد
الحقيقة أن حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تنظيم هذا المؤتمر بالتعاون أساسا مع إيطاليا وألمانيا تحت رعاية الأمم المتحدة، جاء نتيجة خلاصة توصلت إليها فرنسا بشكل خاص مفادها أنه من مصلحة هذا البلد الأوروبي اليوم تعزيز موقف أوروبي موحد تجاه الأزمة اللبيبة وسبل إعادة الاستقرار إلى ليبيا والليبيين. فإذا كانت فرنسا سباقة إلى دعم الانتفاضة الشعبية على نظام معمر القذافي، فإنها اتخذت موقفا غامضا من الأزمة خلال ما سُمي الحرب الأهلية الليبية الثانية التي انطلقت عام 2014 إلى عام 2020 والتي انقسمت فيها ليبيا إلى قسمين أحدهما في الشرق تحت قيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر رئيس ما يعرف بـ»الجيش الوطني الليبي» والآخر، فكان يسيطر بشكل خاص على طرابلس ومحيطها. وكانت تديره حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج. وكانت عدة بلدان منخرطة في دول الاتحاد الأوروبي تأخذ على فرنسا حرصها في الخفاء على دعم حفتر برغم أنها كانت تقول علنا إنها تدعم حكومة الوفاق برئاسة السراج والتي كانت تحظى بدعم الأمم المتحدة.
صحيح أن فرنسا كانت لديها عدة أوراق للمساهمة في تطويق الأزمة الليبية بهدف إيجاد مخرج لها في إطار التشاور المستمر مع شركائها الأوربيين، ولكنها فضلت التركيز على جهود فردية تحسبا لقطف ثمارها بعد عودة الاستقرار إلى ليبيا. ولكنها أخطأت في حساباتها نظرا لأن الدول الأوروبية الأخرى وفي مقدمتها ألمانيا كانت ترى عموما أن من مصلحة الاتحاد الأوروبي التحرك بشكل جماعي لمنح الموقف الأوروبي من الأزمة الليبية نجاعة أفضل ولأن أوروبا تظل في صدارة الأطراف التي يمكن أن تتأثر سلبا في حال استمرار النزاع الليبي لاسيما عبر اتساع رقعة موجات الهجرة غير النظامية إلى البلدان الأوروبية انطلاقا من البوابة الليبية. وهذا الموضوع أصبح في السنوات الأخيرة بمثابة الفزاعة بالنسبة إلى غالبية الأوساط السياسية والشعبية في دول الاتحاد الأوروبي. وغدا رهانا مهما في مختلف الاستحقاقات الانتخابية وسلاحا خطيرا تستخدمه الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا.
وإذا كان البيان الختامي الصادر عن مؤتمر باريس الأخير حول ليبيا يشيد بمختلف الجهود الداخلية والإقليمية والدولية الرامية إلى حلحلة الأزمة الليبية، فإنه يتوقف بشكل خاص عند دور الأمم المتحدة ومؤتمري برلين 1 وبرلين 2 لفتح أفق واعد بالنسبة إلى الأزمة. فالمؤتمر الأول الذي عقد في 19 كانون الثاني/يناير 2020 كان وراء اتفاق وقف إطلاق النار بين طرفي الأزمة الأساسين في 23 تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته. وقد ساعد كثيرا في حمل أطراف الحوار الوطني الذي استمر طيلة شهور في جنيف تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة على بلورة قيادة سياسية جديدة تقود المرحلة الانتقالية الحالية. وكانت وجوه معروفة لدى طرفي الأزمة تعول كثيرا على هذا الحوار لتفرض نفسها على الجهود الدولية الرامية إلى الخروج من الأزمة عبر طرق سياسية لا عبر الحل العسكري.
ومنها مثلا رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ووزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني السابقة فتحي باشاغا الذي كان ولا يزال يُعَدُّ الرجل القوي في الغرب الليبي. لكن حوار جنيف الوطني الليبي أسفر عن اختيار وجوه جديدة لم تكن معروفة ولم تكن منخرطة في القتال مع طرفي النزاع من أبرزها رئيس المجلس الرئاسي الانتقالي الحالي محمد المنفِّي ورئيس حكومة الوحدة الانتقالية عبد الحميد الدَّبَيْبة. وعمل هذان الرجلان منذ أن توليا مهامهما في آذار/مارس الماضي على البدء في تهيئة الأرضية التي تسمح بتفعيل مخرجات اتفاق برلين 1 ومن أهمها إعداد العدة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية وتعزيز وقف إطلاق النار والعمل على تسريع خروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا.
وقد اتضح من خلال مؤتمر برلين 2 الذي عُقد في 23 حزيران/يونيو الماضي أن القيادة الانتقالية الليبية الحالية بذلت جهودا كبيرة لتفعيل مخرجات مؤتمر برلين 1 ولكنها فشلت في جزء منها يتعلق أساسا بتحسين أوضاع الليبيين المعيشية وبإجلاء الأطراف الأجنبية المشاركة ميدانيا في القتال. وكان هذا الفشل متوقعا لأنه ليس بأيدي المنفِّي والدبيبة عصا سحرية تسمح لهما باتخاذ قرارات يسهل تنفيذها بسبب التدخلات الأجنبية في الأزمة الليبية.
التدخل الأجنبي نقمة أم نعمة؟
ثمة اليوم قناعة لدى كثير من الليبيين أيا تكن انتماءاتهم السياسية والإيديولوجية أن التدخلات الأجنبية كان لها دور فاعل في اندلاع الأزمة عام 2011 وتفاقمها بدءا من عام 2014. ومن أبرز هذه التدخلات العسكرية أساسا تلك التي تقوم بها تركيا وروسيا. فقد وقف الأتراك عسكريا إلى جانب حكومة الوفاق التي كان يقودها فايز السراج. بل إن مجلس النواب التركي شرَّع هذا التدخل في 2 كانون الثاني/يناير 2020. وفعلت ذلك لعدة أسباب منها تَذرُّعُها بأن هذه الحكومة كانت تحظى بالشرعية الدولية ولأن هذا الموقف يندرج في إطار مطامح تركيا الجيوسياسية لاقتطاع مكان لها يكون أفضل بكثير من الحيز الذي لديها في منطقة المتوسط برمتها مقابل المطامح الفرنسية بشكل خاص. وبقدر ما حرصت تركيا على إبراز وقوفها إلى جانب حكومة فايز السراج السابقة، بقدر ما حرصت روسيا على نفي وقوفها علنا إلى جانب اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
ولكن ذلك لم يمنع متابعي الشأن الليبي من تأكيد مشاركة مرتزقة أجانب إلى جانب طرفي النزاع منهم مرتزقة سوريون وسودانيون وتشاديون ومرتزقة من روسيا. وقد وقف الروس إلى جانب خليفة حفتر عبر مجموعة «فاغنر» الشركة الروسية الأمنية شبه العسكرية التي لا تملك وجودا شرعيا في روسيا، ولكنها توصف بـ»جيش فلاديمر بوتين السِّرِّي» في عدة نزاعات منها تلك التي حصلت في إقليم دو نباس شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين أو في سوريا وإلى جانب القوات النظامية في بلدان أفريقية غير ليبيا منها الموزمبيق والسودان وجمهورية إفريقيا الوسطى.
ومن مفارقة التدخلات الأجنبية العسكرية في ليبيا أنها ساهمت في إقناع أطراف الأزمة الليبية المباشرة أو غير المباشرة بأن النزاع لا يمكن أن يقود إلى طرف غالب وطرف مغلوب. وهذا ما ساهم مثلا في إفشال مشروع خليفة حفتر الذي كان يقضي بالزحف على طرابلس وافتكاكها من بين حكومة فايز السراج السابقة والمجموعات الإسلامية الليبية المسلحة التي كانت تقف إلى جانب هذه الحكومة. وبدا واضحا أن كلا طرفي النزاع كان يمتلك أسلحة فتاكة أوتي بها من الخارج برغم أن الأمم المتحدة قد فرضت حظرا على الأسلحة باتجاه ليبيا منذ عام 2011 وبرغم أن هذا الحظر قد بدأ فعليا منذ قرابة أربعة عقود بسبب تصرفات نظام معمر القذافي والعقوبات التي كانت مفروضة عليه.
تقاسم الكعكة الليبية
وإذا كان بيان مؤتمر باريس الأخير حول ليبيا يشدد على ضرورة إنهاء التدخلات الأجنبية في هذا البلد، فإن المحللين السياسيين والليبيين أنفسهم يرون أن هذه الدعوة لا يمكن أن تجد صدى إيجابيا لعدة أسباب منها أن مصالح أطراف أجنبية كثيرة مرتبطة بليبيا وبوجودها في هذا البلد في المستقبل على المستوى الاقتصادي.
وهذا ما حرص مثلا على إبرازه كمال رضواني الصحافي المغربي المختص في الشؤون اللبيبة في شريط وثائقي بثته القناة التلفزيونية الفرنسية الخامسة يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري أي بعد يومين على عقد مؤتمر باريس حول ليبيا. وعنوان الوثائقي هو «ليبيا، اختفاء دولة». ويقول رضواني إن الليبيين يشعرون اليوم أن بلادهم أصبحت «كعكة يتم تقاسمها» لاسيما بسبب الثروات الطبيعية الهائلة التي تملكها. فهذا البلد هو رابع بلد نفطي في العالم ولديه ثاني احتياطي في القارة الأفريقية بالإضافة إلى المعادن الثمينة التي توجد في جوف الأرض الليبية. أضف إلى ذلك أن «المنطقة المتوسطية مهمة وأن كل البلدان ترغب في الحصول على عقود تُقدَّر بالمليارات». ومن هذا المنطلق يمكن لروسيا وتركيا على سبيل المثال الانسحاب عسكريا من ليبيا مقابل مكان يليق بكلتيهما في السوق الليبية. وهذا ما حرص عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة الحالية المؤقتة على التأكيد عليه مرارا عديدة خلال زياراته إلى تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإلى دول أوروبية أخرى وإلى دول الجوار الليبي لاسيما وأنه رجل أعمال بنى ثروته منذ عهد النظام الليبي السابق ومقتنع بأن تنشيط الدورة الاقتصادية في ليبيا يمكن أن يساهم في إعادة الاستقرار إلى البلاد.
ولكن هل كل أطراف الأزمة الليبية مهيأة اليوم لخوض الانتخابات الرئاسية والتشريعية الليبية المرتقبة في 24 كانون الأول/ديسمبر المقبل؟ يرى حسنى عبيدي مدير مركز الدراسات والأبحاث الخاصة بالعالم العربي والمنطقة المتوسطية أن شخصيات مهمة أرسلت إلى مؤتمر باريس ومن ورائه الأسرة الدولية رسالة إيجابية من خلال إعلان ترشحها إلى الانتخابات الرئاسية ومنها مثلا اللواء المتقاعد خليفة حفتر ونجل معمر القذافي سيف الإسلام القذافي. وقد انضافت إليهما شخصيتان أُخريان مهمتان ضمن الشخصيات الرئيسية التي أعلنت حتى الآن ترشحها للانتخابات الرئاسية، ونعني بذلك عقيلة صالح رئيس مجلس النواب وفتحي باشاغا وزير الداخلية في حكومة السراج السابقة.
وإذا كانت عملية تأجيل هذه الانتخابية لفترة وجيزة لا تزال أمرا ورادا يمكن التحكم فيه، فإن فرضية إلغائها لسبب أو لآخر من شأنها إطالة عمر الأزمة وتعقيدها لعدة أسباب منها أن اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول/أكتوبر عام 2020 لم يُنه النزاع، بل إنه اكتفى بتجميده.