لندن ـ «القدس العربي»: شهدت العطلة الدولية الأخيرة، تأهل الدفعة الأولى للمنتخبات المشاركة في كأس العالم 2022 في قطر، بإجمالي 12 منتخبا بجانب البلد العربي المنظم، وهي أوائل المجموعات العشر في التصفيات الأوروبية، بالإضافة إلى عملاقي القارة اللاتينية الامريكية الجنوبية البرازيل والأرجنتين، تمهيدا لاكتمال ملامح جُل المنتخبات المشاركة في المونديال في مثل هذه الأيام العام المُقبل، في ما تُعرف بالدفعة الثانية الكبيرة المنتظرة في مارس / آذار 2022.
المتأهلون الأوائل
كما جرت العادة في العقود القليلة الماضية، استطاع المنتخب الألماني أن يحجز مقعده مبكرا في المونديال، وحدث ذلك يوم 11 نوفمبر / تشرين الثاني، بعد اكتساح ليشتنشتاين بنتيجة 9-0 في المباراة التي جمعتهما على ملعب «فوكسفاغن آرينا» في الجولة قبل الأخيرة لمباريات المجموعة العاشرة، التي شهدت واحدة من كبرى المفاجآت، بوصول مقدونيا الشمالية إلى الملحق، بانتزاع المرتبة الثانية على حساب منتخبات لها باع وخبرة حديثة مثل رومانيا وأيسلندا. وفي اليوم التالي، تمكن المنتخب الدنماركي من اللحاق بركب المتأهلين، بضمان صدارة مجموعته السادسة، بعد الفوز السهل الذي تحقق على جزر ألفارو بنتيجة 3-1، في ما تعتبر المرة الثانية على التوالي التي يترشح خلالها المنتخب الاسكندينافي إلى الحدث العالمي الأهم، والسادسة طوال تاريخه، بينما جاء منتخب القلوب الشجاعة الاسكتلندي في وصافة هذه المجموعة، بجمع 23 نقطة، أقل من المتصدر بأربع نقاط، وأكثر من ثالث الترتيب منتخب الكياني الصهيوني، ليبقي المنتخب البريطاني على آماله في المشاركة في المونديال للمرة الأولى منذ عام 1998، عبر نظام الملحق الأوروبي الجديد. وبعد ساعات من ترشح الدنمارك، مارس المنتخب البرازيلي هوايته المفضلة في كل العصور، بضمان التأهل للمرة الـ22 في تاريخه أو على التوالي على حد سواء، وهو الوحيد الذي تأهل الى كل نسخ نهائيات المونديال، وذلك بالانفراد بصدارة تصفيات أمريكا الجنوبية، بجمع 34 نقطة في 12 مباراة، عقب تخطي كولومبيا بهدف لوكاس باكيتا الوحيد، قبل أن يأتي الدور على التانغو الأرجنتيني، بتأكيد صعوده هو الآخر، بعد تعادله بدون أهداف مع الغريم البرازيلي في سوبر كلاسيكو الجولة الـ13 للتصفيات، في ما سيكون الظهور الثامن عشر للأرجنتين في كأس العالم، والثالث عشر على التوالي.
وفي غضون ثلاثة أيام، حُسمت بقية المقاعد الخاصة بأوائل المجموعات الأوروبية، منها ما كان متوقعا، مثل المنتخب الفرنسي، الذي سار على نهج الجار الألماني في الجولة قبل الأخيرة، بتحطيم كازاخستان بثمانية أهداف بلا هوادة، كانت كافية لغلق النقاش حول صدارة المجموعة الرابعة، في المقابل افتك المنتخب الأوكراني المركز الثاني المؤهل للملحق الأوروبي، بمساعدة من الديوك، بعد فوز كتيبة ديدييه ديشان على المنتخب الفنلندي بثنائية نظيفة، تزامنا مع انتصار لاعبي المنتخب الأوكراني خارج قواعدهم على البوسنة والهرسك بهدفين نظيفين، وبالمثل، كان المنتخب البلجيكي في نفس اليوم الثالث عشر من الشهر الجاري، على موعد مع مرافقة الكبار المتأهلين بشكل رسمي، بإحكام قبضته على صدارة المجموعة الخامسة، بالوصول للنقطة الـ19 بعد الفوز المريح على إستونيا بثلاثية مقابل هدف. أما وصيف المجموعة، الذي أبقى على فرصه في السفر إلى الدوحة من خلال الملحق، فكان المنتخب الويلزي، الذي حسم الوصافة بفارق نقطة عن المنتخب التشيكي، المشارك بشكل تلقائي في الملحق، لتصدره مجموعته في بطولة دوري الأمم الأوروبية، مثل المنتخب النمساوي، الذي ضمن اللعب في الملحق، رغم احتلاله المركز الرابع في مجموعة الدنمارك، وذلك بفضل تفوقه في النسخة الثانية للبطولة الأوروبية المستحدثة. وتعاقبت المنتخبات المتأهلة في اليوم التالي، بترشح المنتخب الإسباني من مجموعته الثانية، تاركا المنتخب السويدي يواجه المجهول في الملحق النهائي، كما فعل المنتخب السويسري مع بطل أوروبا المنتخب الإيطالي في المجموعة الثالثة، وأيضا صربيا مع بطل أوروبا قبل الأخير المنتخب البرتغالي في المجموعة الأولى، كأبرز وأغرب مفاجأتين في التصفيات الأوروبية، على عكس مثلا التأهل السهل للمنتخب الإنكليزي، بعدما فرض هيمنته على مجموعته التاسعة منذ اللحظة الأولى وحتى إطلاق صافرة نهاية المشوار، وجاء خلفه المنتخب البولندي في المركز الثاني، ليختبر حظوظه في الملحق، أما آخر بطاقتين في العطلة الأخيرة، توزعت على وصيف النسخة الماضية المنتخب الكرواتي، بعد انتصاره الدرامي على منافسه الروسي بهدف نظيف في اللقاء الحاسم على الصدارة، وتبعه المنتخب الهولندي بإقصاء النرويج من التصفيات، بفوز لن ينسى بهدفين نظيفين، في نفس الوقت الذي انقض فيه المنتخب التركي على المركز المؤهل للملحق، بفوزه على الجبل الأسود في عقر داره بهدفين لهدف.
صدمة الملحق
ربما مدرب أبطال اليورو السيد روبرتو مانشيني كان محقا في قوله: «ليس من العار أن نشارك في الملحق»، وأيضا حتى وقت قصير كان يُنظر إلى مواجهات الملحق الأوروبي، على أنها مباريات «في متناول الكبار»، إلا في حالات نادرة، أحدثها صدمة خروج إيطاليا نفسها من الملحق على يد السويد في الأمتار الأخيرة للمونديال الروسي في 2018. لكن بنظرة واقعية، أو بعبارة أخرى، بعد قيام الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) بتعديل نظام الملحق، باتت المهمة شاقة على آخر بطلين للقارة الأوروبية وعلى الحالمين بترديد شعار الوطن في الأراضي القطرية في أواخر خريف 2022، فيكفي أنها لم تعد مجرد مباراتين بنظام الذهاب والإياب بين منتخبين، الأولى في أرض الوطن والثانية في الخارج أو العكس، بل سيتم تقسيم المنتخبات الـ12، هم عشرة أصحاب المركز الثاني وأفضل اثنين في مجموعات دوري الأمم، على 3 مجموعات، وذلك بنظام نصف النهائي والنهائي لكل مجموعة على حدا، حيث سينتهي دور الفريق الخاسر من أول مباراة، أما الفائز سيخوض النهائي مع الطرف الآخر الفائز في موقعة نصف النهائي الثانية في مجموعته، ليتأهل في النهاية أبطال المجموعات الثلاث إلى كأس العالم، وبالتبعية تكتمل حصة أوروبا في البطولة، بتواجد 13 منتخبا. ومع ذلك، قد يتخلف عنهم واحد من آخر بطلين للقارة، لا سيما إذا أوقعتهما القرعة المقررة يوم 26 من الشهر الجاري معا، في ما ستكون رسالة تمهيدية، بأن مونديال قطر، إما سيشهد غياب أسياد الدفاع عن العرس الكروي للمرة الثانية على التوالي، وإما لن يكون شاهدا على آخر بطولة كبرى للأسطورة كريستيانو رونالدو مع أحفاد فاسكو دي غاما. عموما دعونا لا نستبق الأحداث وننتظر ما ستسفر عنه قرعة الملحق الأوروبي من مفاجآت.
أم التصفيات
صحيح كلنا نتفق أن أوروبا تسبق كل قارات العالم بسنين ضوئية، سواء على مستوى البنية التحتية أو الأفكار الثورية الحديثة في كرة القدم، وبدرجة أقل تنافسها القارة الصفراء من حيث جودة الملاعب في بلدان معينة في الشرق ومنطقة الخليج، لكن لا أحد يختلف على أن التصفيات الأفريقية المؤهلة لكأس العالم، لها مذاق مختلف، والأمر لا يتعلق بالأجواء الأفريقية البسيطة التي تسر الناظرين، بل لشراسة وحدة هذه التصفيات على وجه الخصوص، نظرا لتقارب المستويات بين الأغلبية، باستثناء المنتخب الجزائري، الذي يعيش حقبة ذهبية تحت قيادة القيدوم جمال بلماضي، بتفادي الهزيمة في آخر 3 سنوات، وبلغة الأرقام، لم يعرف الخسارة في آخر 33 مباراة، بعد التعادل مع خيول بوركينا فاسو في اللقاء الفارق والفاصل على بطاقة العبور الى الدور الإقصائي المؤهل مباشرة إلى نهائيات كأس العالم، أما باقي المنتخبات التسعة، التي ترشحت إلى الدور النهائي للتصفيات بعد تصدر مجموعاتها، فيمكن القول إنها بالكاد على نفس المستوى، سواء أصحاب التصنيف الأول بجانب محاربي الصحراء، وهم نيجيريا والسنغال وتونس والمغرب، أو أصحاب التصنيف الثاني مصر والكاميرون والكونغو وغانا ومالي، ومن يتابع هذه التصفيات ويعرف قواعد اللعب في قارة المواهب الخام، يفهم جيدا، أنه بصرف النظر عن نتائج القرعة، ستكون جُل المباريات متكافئة وخارج التوقعات. ونظرا الى وجود 3 منتخبات عربية في التصنيف الأول، فمن الممكن أن نشاهد المنتخب المصري بقيادة بطله القومي محمد صلاح في صدام مباشر مع المنتخب الجزائري، بذكريات تصفيات كأس العالم 2010، التي حسمها منتخب الخضر بهدف عنتر بن يحيى الخالد، في المباراة الفاصلة بينهما في السودان، أو يقع منتخب الفراعنة مع دابته السوداء المنتخب المغربي، وستكون أيضا بذكريات تصفيات كأس العالم 2002، عندما تسبب منتخب أسود الاطلس في إبعاد نظيره المصري عن صدارة المجموعة النارية، التي انتهت بمفاجأة خارج التوقعات، بوصول المنتخب السنغالي الى المونديال للمرة الأولى في تاريخه، ذاك الجيل الذي صدم فرنسا في افتتاح مونديال كوريا الجنوبية واليابان. أما الصدام العربي الخالص الأخير، فربما يكون بالنكهة المصرية – التونسية، ومن المفارقات، أن نسور قرطاج، كانوا سببا في إقصاء مصر من كأس العالم في فرنسا 1998، بتصدر المجموعة الثانية بـ16 نقطة، بفارق 6 نقاط عن الفراعنة، ولو أننا جميعا نمني النفس بأن يقع المنتخب المصري في وجه السنغال أو نيجيريا، على أمل أن يكتمل الحلم، بتأهل الرباعي العربي الجزائر وتونس والمغرب ومصر، حيث ستكون المرة الأولى التي يتأهل خلالها 4 منتخبات عربية من أفريقيا إلى المونديال، فهل يكون مارس / آذار المقبل شاهدا على هذا السيناريو؟ هذا ما سنعرفه مسبقا بعد الانتهاء من مراسم القرعة الشهر المقبل.
السعودية وحروب
نصف التذكرة
على سيرة الحلم العربي، تقدم المنتخب السعودي خطوة جديدة في مشوار الألف ميل، بحفاظه على صدارة مجموعته الثانية في التصفيات الآسيوية المؤهلة الى نهائيات كأس العالم، بحصوله على 16 نقطة في أول 6 مباريات، بواقع 5 انتصارات وتعادل وحيد مع المنتخب الأسترالي، الذي يواجه المجهول في هذه المجموعة، باحتلال المرتبة الثالثة برصيد 11 نقطة، بفارق نقطة عن الوصيف المنتخب الياباني، بينما في المجموعة الأولى، ما زال المنتخب الإيراني فارضا سيطرته على الصدارة، بنفس رصيد المملكة العربية السعودية، ويتبعه منتخب كوريا الجنوبية في المركز الثاني بـ14 نقطة، ثم الإمارات في المركز الثالث بست نقاط، ولبنان في المركز الرابع بخمس نقاط، والعراق في المركز الخامس بأربع نقاط، والأخير المنتخب السوري بنقطتين. ومع ذلك، نلاحظ أن الفرص تبدو متساوية بين أصحاب المركز الثالث وحتى الأخير لخوض اللقاء الفاصل مع ثالث المجموعة الأخرى، لتحديد هوية ممثل آسيا في الملحق الدولي، أو ما تُعرف بنصف التذكرة الآسيوية المضافة إلى المقاعد الأربعة الرسمية، التي يتقاسمها أصحاب المركزين الأول والثاني في كل مجموعة. وكذا أمريكا الجنوبية، لديها في حصتها 4 مقاعد ونصف المقعد، تنتهي بترشح الأربعة الأوائل في ختام التصفيات، وكما أشرنا أعلاه، تأكد صعود البرازيل والأرجنتين، وستبقى الأمور معلقة على المركزين والثالث والرابع حتى الجولات الأخيرة في عطلة مارس / آذار المقبلة، أما صاحب المركز الخامس، سيضطر لخوض الملحق الدولي مع ممثل قارة أخرى، وبنفس الفكرة، يطير الثلاثة الأوائل في تصفيات أمريكا الشمالية والوسطى والبحر الكاريبي (الكونكاكاف) مباشرة إلى المونديال، وبعد مرور ثماني جولات من هذه التصفيات، ما زال المنتخب الكندي متمسكا بالصدارة برصيد 16 نقطة، بفارق نقطة عن جاره المنتخب الأمريكي واثنتين عن المكسيك وبنما، هذا قبل نهاية الماراثون بست جولات، ما يعني أن الصراع على المراكز الثلاثة الأولى سيبقى محتدما إلى أن يُسدل الستار على هذا التنافس في مارس / آذار، بينما صاحب المركز الرابع، سيعلق آماله على نصف التذكرة المتبقية في ملحق يونيو / حزيران، تماما كما سيحلم ممثل أوقيانوسيا بمعجزة غير مسبوقة بنصف تذكرته المتاحة، أملا في أن يكون واحدا من الاثنين المحظوظين بالتأهل من ملحق نصف التذكرة.