لندن ـ «القدس العربي»: «أهلاُ وسهلاً بكم في عصر التسلية والفضاء الإلكتروني»، شعار رفعته العديد من الشركات والمؤسسات خلال سنوات انقضت وهي تقدم خدماتها المختلفة والمتزايدة عبر الانترنت، ليساهم فيروس الكورونا المشؤوم بتعزيز هذا النهج وليجد البشر انفسهم أمام قائمة خدمات حالت دون الحاجة لخروجهم من منازلهم. بدءا بخدمات التعلم عن بعد، والتسوق، ووصولاً إلى العمل عن بعد. موجة مهمة من التغير الآدمي الذي زاد من الالتصاق الرقمي.
وفي ظل هذا الالتصاق الذي رأى فيه البعض ممراً إجبارياً، تنامى اعتماد الأطفال والابناء على الفضاء الإلكتروني عبر شراهة رقمية منقطعة النظير حتى استبدلت الرياضة البدنية بالألعاب الإلكترونية، ما فاقم التوحد الرقمي الذي يعاني منه جيل كامل من الأبناء. فمثلاً وفي عالم الرياضات الأكثر شيوعاً وعوضاً عن ممارسة كرة القدم فعلياً تصاعدت الممارسة الرقمية لذات الرياضة عبر برامج وتطبيقات ومنصات مختلفة.
ومع هذا النهج تنامى مفهوم اللعب الجماعي غير المرتبط بالضرورة بصداقة أو معرفة مسبقة تجمع اللاعبين، وإنما بمن يمتلك جهازاً أو تطبيقاً يؤهل صاحبه للانضمام للعب. ومع هذه العلاقات اللحظية تنامت عوامل مختلفة جمعت بين الارتجال والاجتهاد والتنمر، مضافاً إليها التخلي عن النشاط البدني والتواصل الاجتماعي وعوامل الترويح عن النفس ومغادرة المنزل.
هذه الممارسات الفعلية نقلت الأطفال تحديداً إلى فضاءات خلقت مساحات من الاعتياد والركون والارتهان لكل ما هو بعيد عن التفاعل الآدمي المباشر، ما جعل العودة إلى استئناف الرياضات المباشرة ومنها كرة القدم، أمراً صعباً، ناهيك عن إقلاع البعض أصلاً عن ممارسة الرياضة جراء الانقطاع عن الممارسة البدنية وتبــــدل الأولويات في زمن الوباء.
استبدال الحراك البدني بالتفاعل الإلكتروني مصيبة لا تقل في كارثيتها عن بعض الأمراض الاجتماعية التي تفاقمت في عصر الكورونا. علينا إعادة أطفالنا وأبنائنا إلى ممارسة الرياضات على اختلافها ومنها كرة القدم، آخذين بالاعتبار كامل مقومات الوقاية اللازمة خاصة مع استمرار الوباء وعودته للتفاقم في بعض المجتمعات. علينا ألا نسمح لمفهوم الاستعاضة عن التفاعل الإنساني الوجداني الآدمي المباشر بالفضاء الإلكتروني المجهول، فنتخلى طوعاً عما تخلقه الرياضة من حضارة وأخلاق وآفاق إنسانية مطلوبة.
مهمتنا عسيرة لا محالة، لكنها أصيلة ونبيلة حتماً لما تحمله من استعادة للتفاعل الإنساني الذي ذهب ضحية الوباء وما تبعه من جفاء غير «ميكانيزمات» التبادل الحي للمعرفة والمستند إلى التلاقي المباشر. المهمة عسيرة ولكنها ممكنة إذا سخرت البشرية لها بعض الإمكانات الإعلامية والتوعوية المطلوبة والقائمة على الفعل والتفاعل، والمستندة أيضاً إلى الاستفادة من المدرسة لإعادة تحفيز الرسالة الرياضية السامية للبشرية.
لننطلق إلى الأمام في تمكين الرياضة من إعادة التموضع الصحيح في وجدان البشرية وإلا أصبحنا أرقاماً جامدة أمام لوحات إلكترونية مسلوبة الإنسانية. ولننطلق إلى الأمام مع تحقيق مفهوم «الطلاق الرقمي» التدريجي وضمن حدود معقولة تعيد للرياضة إنسانيتها وللمستديرة حضورها، بينما يستقر الفضاء الإلكتروني في مساحات محددة تحقق الخدمة المرجوة للإنسان لا الإقصاء الحتمي المتصاعد. رسالة قد تبدو صعبة لكنها حتماُ ليست مستحيلة!