تعتبر موسكو منظمة الدفاع المدني السوري مدعومة من الغرب بشكل مباشر وتضعها على قائمة الأهداف العسكرية في الداخل السوري وتحاربها بكل الطرق الدبلوماسية.
أعاقت روسيا حضور الدفاع المدني السوري المعارض «الخوذ البيضاء» المؤتمر السنوي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية -OPCW الدولية في لاهاي بهولندا. وقادت الدبلوماسية الروسية حملة علاقات عامة ضد مشاركة أي منظمة غير حكومية سورية أو منظمة مجتمع مدني سوري في المؤتمرات السنوية التي يجري فيها مشاركة المنظمات غير الحكومية والمستقلة من مختلف دول العالم. وتستند تقارير المنظمة الدولية الخاصة أو العامة الدورية إلى تقارير المنظمات غير الحكومية. وساندت الصين وإيران وعدد من الدول المحسوبة على المحور الروسي الجهود ضد منع قبول مشاركة «الخوذ البيضاء» السورية التي تقدمت بطلب رسمي لحضور المؤتمر السنوي الذي انعقد نهاية تشرين الثاني (نوفمبر).
دفع الاعتراض الروسي الشديد في أروقة المنظمة الدولية عددا من الدول وعلى رأسها كندا وبريطانيا إلى عدم إغضاب روسيا والصين، وخطت الدولتان بيان إدانة لمنع روسيا مشاركة المنظمات غير الحكومية في المؤتمر، من بينها «الخوذ البيضاء». وانضمت خمسون دولة إلى الدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أغلبها دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الإكوادور وهندوراس وتشيلي وكولومبيا وكوستاريكا.
وتأسفت بريطانيا لمنع من وصفتهم بـ»أقلية صغيرة من الدول بعض المنظمات غير الحكومية من المشاركة في CSP26» (المؤتمر الدوري 26) وأشارت «تلعب المنظمات غير الحكومية دورا حيويا في دعم أهداف اتفاقية الأسلحة الكيميائية. وكانت المملكة المتحدة فخورة بالانضمام إلى بيان كندا المشترك بشأن هذه القضية المهمة».
ووصفت كندا المنظمات غير الحكومية بانهم «شركاء مهمون لتحقيق عالم خال من الأسلحة الكيميائية».
وفي ردود الفعل المحلية، اتهم قائد الدفاع المدني السوري رائد الصالح روسيا وعددا من الدول بالسعي للتغطية على جرائم استخدام السلاح الكيميائي، وقال في اتصال مع «القدس العربي» عبر تطبيق «واتساب»: «قدمنا طلب المشاركة في المؤتمر السنوي، لكن روسيا وحلفاءها رفضوا مشاركتنا كمنظمة غير حكومية» مضيفاً «كنا سنقدم ورقة متعلقة بعدد حالات استخدام النظام للأسلحة الكيمائية ضد المدنيين، والمثبتة بالتقارير الدولية وندعو إلى محاسبة النظام على جرائمه تلك» ولفت إلى أن «المفارقة هي أن النظام ما زال عضوا وموقعا على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ولكنه يقصف به المدنيين في الوقت ذاته». وختم «تقارير المنظمة الدولية نفسها أدانت النظام في استخدامه للأسلحة الكيميائية ولم يعد الأمر مسألة اتهامات». وحول الدور الروسي، قال: «لم تكتف روسيا بدعم نظام الأسد عسكرياً ومشاركته بالهجمات الإرهابية المباشرة بشتى أنواع الأسلحة المتطورة في حرب كان المدنيون هم النسبة العظمى من ضحاياها، بل تعدى دورها لتقديم الغطاء السياسي والدبلوماسي والإعلامي له، في محاولة منها لتشويه الحقائق وطمس الأدلة، بالإضافة لعرقلة جهود منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالتحقق من تصنيع واستخدام السلاح الكيميائي في سوريا».
وفي بيان رسمي أصدرته «الخوذ البيضاء» وتلقت «القدس العربي» نسخة منه، رحبت المنظمة السورية بالبيان الصادر عن 52 دولة عضو في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وقدمته كندا. وقال البيان «يخطئ القتلة ومن يدعمهم عندما يظنون أنهم بإعاقة الخوذ البيضاء من الوصول إلى مؤتمر منظمة الأسلحة الكیمیائیة، بأنهم يمنعون صوت الحقيقة».
وأضاف «إن هذا المنع استهدف بطريقة مباشرة إزاحة مشاركة الخوذ البيضاء ومنظمات غير حكومية داعمة لجهود منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في المؤتمر على نحو يقوض مساهمتها ويعيق دورها الفاعل في دعم جهود منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في سوريا، والذي كان وما زال يقدم الأدلة والحقائق على الهجمات الكيميائية المرتكبة داخل الأراضي السورية».
وأشار البيان إلى أن المنظمة استجابت «لأكثر من 50 هجوماً كيميائياً في جميع أنحاء سوريا، وقدمت الإسعافات الأولية للضحايا، كما وثقت تلك الهجمات وزوّدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأكثر من 100 عينة كأدلة على الهجمات. إضافة لذلك قدّم العديد من متطوعيها شهادات باعتبارهم مستجيبين أوائل للهجمات وكذلك ضحايا لها، وتمت الإشارة إلى الأدلة المقدمة في العديد من تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية».
ووصفت «الخوذ البيضاء» رفض مشاركتها ومشاركة منظمات أخرى غير حكومية في مؤتمر الدول الأعضاء، بأنه «إجراء سياسي بحت، لا يستند لأي إطار قانوني أو أساس مهني، ويتنافى بشكل كلي مع قيم ورؤية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي دعت لتشكيل منصة تحالف اتفاقية الأسلحة الكیمیائیة، بهدف التعبير عن جميع الفعاليات والجهود المدنية في مسار الحد من انتشار الأسلحة الكيميائية، وتخليد أحزان الضحايا والسير قدماً بطريق العدالة والمساءلة».
في السياق، قال المتحدث باسم مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا، احمد الأحمد لـ»القدس العربي» إن «الروس ضد حضور أي منظمة غير حكومية سورية في اجتماعات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والسبب أن المنظمة تعتمد على المنظمات غير الحكومية كمصدر في التقارير التي ترسلها المنظمة الدولية لمجلس الأمن».
ونوه «منذ عام 2013 إلى يومنا هذا، تُذكر منظمة توثيق الانتهاكات في سوريا كمصدر في كل تقاريرها المتعلقة بالهجمات الكيميائية، باعتبارها منظمات محلية تقوم بمساعدة المنظمة الدولية بجمع البيانات والأدلة والعينات. على غرار هجوم النظام بالسلاح الكيميائي في خان شيخون ذكرت المنظمة الدولية قيام ثلاث منظمات سورية هي الجمعية الطبية السورية الأمريكية سامز، والخوذ البيضاء ومركز توثيق الانتهاكات الكيميائية».
في سياق متصل، جردت هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية نظام الأسد، في نيسان (أبريل) الماضي من عدة امتيازات يتمتع بها أعضاء المنظمة الدولية ومنها حق التصويت ومن حق الترشح لانتخابات الهيئة التنفيذية في المنظمة، إضافة إلى انعدام إمكانيتها لتسلم أي منصب فيها، وجاء القرار بعد أن أثبت فريق «التحقيق وتحديد الهوية» مسؤولية النظام السوري على ثلاث هجمات بغازات الأعصاب، السارين والكلور السام، وقعت الهجمات في مدينة اللطامنة بريف حماة الشمالي عام 2017 حسب تقرير اللجنة الذي نشر في 8 نيسان (ابريل) 2020. وأيدت 78 دولة القرار من أصل 136 دولة شاركت بالتصويت على مشروع القرار الفرنسي والذي دعمته بريطانيا وأمريكا. في حين امتنعت 34 دولة عن التصويت من أصل كامل الدول الأعضاء في المنظمة الدولية والبالغ عددهم 193 عضوا. واتهم الاتحاد الأوروبي سلاح الجو السوري التابع للنظام بالمسؤولية استنادا لتقرير الفريق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وأكد ضلوع الطيران الحربي بهجومي اللطامنة في اذار (مارس) 2017 وسراقب في شباط (فبراير) 2018.
في المقابل، تعتبر موسكو منظمة الدفاع المدني السوري مدعومة من الغرب بشكل مباشر وتضعها على قائمة الأهداف العسكرية في الداخل السوري وتحاربها بكل الطرق الدبلوماسية، وتتهمها بالعمل على فبركة هجمات بالأسلحة الكيميائية بالتعاون مع «جبهة النصرة» بشكل دائم، وتوجه الدبلوماسية الروسية الاتهامات لها قبيل كل هجوم محتمل وفي حالات التصعيد العسكري في شمال غرب سوريا.
من المحتمل أن روسيا نجحت بمنع مشاركة منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية السورية المحسوبة على المعارضة، إلا أن هذا القرار لن يمنع فرق التحقيق الدولية من الاعتماد على خبرات المنظمات السورية في تثبيت وجمع الأدلة.
ختاما، فإن تثبيت إدانة النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، هو قضية مختلفة عن مسألة تطبيق العدالة والمحاسبة ضد النظام السوري، حيث يحتاج الأخير إلى إرادة دولية لا يمكن تطبيقها عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن بسبب الدعم الروسي والصيني للنظام وتصويتهما لأي قرار يدينه.