فوبيا النحو

غالبا ما يؤدي كره جنس لآخر أو شعب لآخر أو أمة لأخرى، إلى كره لغتها والتضييق عليها، وهذا ما صنعه العرب بالفرس ضمن تيار الشعوبية، حين اصطلحوا عليها بالأعجمية، واصطلحوا على الفرس بالأعاجم تسمية نقيضة للعرب والإعراب، الذي يحيل على الإبانة، بينما تحيل العجمة على الغموض واللبس، وهذا موقف فيه إزراء لغة بأخرى، لأنها كانت مبعث خوف وتهديد ثقافي حقيقي للغة تريد أن تستحوذ على النفوذ الثقافي بعد أن باتت لغة المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية للخلافة الأموية ثم العباسية. عادت عبارة أعجمية لكن في شكل إسباني حين تسمت الجميادا Aljamiada أو الجميادو أو الجميات Aljamiat وتعني أن يكتب بالألفبائية العربية كلمات أو نصوصا إسبانية مكتوبة أو منطوقة باللغة الرومانية.
تبدأ فوبيا النحو خوفا ثم تنتهي كرها. لكن النحو المقصود ههنا ليس كل نحو، هو بالأساس نحو اللغات الأجنبية، أو اللغات التي لا نتكلمها بالسليقة، كما هو شأننا مع عامياتنا. فلا يمكن أن يخشى التونسي أن يلحن وهو يتكلم لهجته المحلية، لكنه ربما خشي من ذلك حين يتكلم الفصحى، إذ إنه لن يتكلمها على السليقة. لا يمكن أن يشعر المرء بفوبيا اللحن حين يكون، كما يقول تشمسكي، متكلما مستمعا مثاليا وهو كل شخص لغوي (باثا أو متقبلا) ينتمي إلى مجتمع متجانس لغويا ويتكلم لغته الأم ويعرفها معرفة جيدة ولا يتأثر بالظروف غير ذات الصلة بالنحو مثل، الذاكرة وتشتت الانتباه والأخطاء الناجمة عن إشكال في النطق كالحبسة واللثغة وغيرها.
حين نتحدث عن النحو العربي نحن نتحدث عن نحو اصطناعي، هو غير النحو الذهني الذي يدور في ذهن المتكلم في عصر ما قبل تنظير النحو، أي في عصر لم تكن فيه قواعد النحو صريحة، هو العصر الذي كان يقول فيه الجاهلي قصيدته وهو لا يعرف شيئا من أمر العامل والمعمول والفاعل والمفعول والتقديم والتأخير والمنصوب في اللفظ وهو مرفوع في المحل، وغيرها من المفاهيم النظرية التي يثيرها النحو بما هو صناعة؛ كان الجاهلي يقول قصيدته فلا يلحن، رغم أنه لا يعرف النحو.
حين جاء النحاة وجاء النحو جاء الخوف من النحو، ويمكن أن نقول إن فوبيا النحو ارتبطت بتاريخ النحو الصناعي، هذا الذي وضعه النحاة في كتبهم قبل أن يصبح ظاهرة منتشرة على ألسنة الأعاجم، وخاف النحاة المؤسسون والقائمون على الشأن السياسي من أن يشيع اللحن على الألسن وتذهب ريح العربية. يبرز اللحن أهم دافع إلى تأسيس النحو، فلولا تفشيه بين ألسنة الناس، ولولا الحاجة إليه لما ظهر هذا العلم أو تأخر. ارتبط اللحن بالخوف على اللغة العربية ، لغة القرآن بالأساس، من أن تضيع ويضيعها العجم بأن يبتلعوا لسان العربي المبين مع ألسنتهم.
وتروى أخبار كثيرة في هذا السياق من بينها، خبر أبي الأسود الدؤلي مع ابنته وكيف أن اللحن لوث صفاء لسانها العربي، وكيف أنه سارع إلى بناء هذا الفن بعد أن تكاسل عنه مدة. وساعده في ذلك الخليفة (علي بن أبي طالب) أو (الوالي زياد بن أبيه) بل إن خبرا متناقلا عن سيبويه قبل الاشتغال بالنحو، يبين أنه حين كان كاتبا لبعض الفقهاء كسر قلمه، لأنه أخطأ وأصلحه مستكتبه فغضب وقال، إنه سيتعلم علما لا يمكن أن يخطأ بعدها في اللغة العربية.
فوبيا النحو في هذين الخبرين منبعهما مختلف أولهما فوبيا ناجمة من الخوف على فساد اللغة وذهابها، وهذه فوبيا موجودة إلى اليوم، ولا يمكن لأي تفكير لغوي رصين أن يصدقها.

هذا النوع من الفوبيا تلتقي فيه مشاعر كثيرة هي الاعتداد باللغة الأصلية والخوف على المقام الثقافي الرفيع الذي تلعب فيه اللغة دورا كبيرا في جميع المؤسسات الدينية والسياسية، والكره الذي يمكن أن تكنه الجماعة اللغوية العربية لغيرها من الجماعات اللغوية، بما أنها جماعات وافدة أو مهاجرة.

فعلى سبيل المثال هل يمكن للحن وكثرته أن يقتل لغة؟ هذه الحالة المفترضة عن مرض لسان باللحن مرضا يصيب جميع إنجازاته هو فوبيا من يخشى على شيء مفترض يصبح كالوسواس يستبد به ويزين له الخطر المقبل حيث لا خطر، هي فوبيا أقرب إلى مرض الوهم. يبنى هذا الوهم على أحوال لغوية ممكنة لكنها لا تصبح كذلك لأنها ذاهبة بالمبالغة إلى اللاممكن اللغوي كالتالي:
أولا: إن اللحن لا يكون على لسان من يتكلم لغته الأم، أو الأولى، بل يكون على لسان من يتكلم لغة ثانية وهذا يصدق على الأعاجم في تأويل كلام ابن جني أعلاه. لكن أن ينجز الأعاجم اللغة في محيط من يتكلم العربية يقتضي أن يقوّم المتكلمون الأصليون وهم العرب ألسنتهم، مثلما فعل مستكتب سيبويه. هناك في أي لغة ينجزها الأجنبي نوع من الإصلاح الذي يصدر ومن غير تكلف من أفراد المجموعة اللغوية الأصلية، لكن الرأي يفترض أن الأعاجم سيلحنون، ولن يجدوا وهم يلحنون مستمعين خرسا أو غير مبالين لا يذودون عن ألسنتهم، إلى درجة يتفشى فيها اللحن ويشيع وننتقل من لغة أصل لا لحن فيه، إلى لغة معدولة كلها لحن.
ثانيا: إن اللحن الذي سيتفشى بسرعة سيؤدي إلى لغة خاطئة عليها تواضع، ومعلوم أن المواضعة على اللحن ينبغي أن تواجه بمواضعة قديمة على الصواب، وفي انتظار أن يذهب الصواب ويتواضع الناس على اللحن، سيكون هناك زمن طويل تتصارع فيه مواضعتان، وتغلب المواضعة اللاحنة عندئذ لن يكون هناك موت للغة بل حياة لها في شكل جديد هو اللاحن بالنسبة إلى الأصل. أما أن نتصور أن اللحن المتنوع سيؤدي إلى إنجازات متعددة أو فوضى من الكلام لن تكون عليه مواضعة، وهذا لا يمكن تصوره في أي واقع لغوي.
ثالثا: ما حاجة الأعجمي إلى العربية، إما أن تكون حاجة تواصلية لا تتم في ظل تحريف عام، أو أن تكون لأسباب مؤسساتية: أن يكتب بها مثلما هو الأمر مع سيبويه، وعندئذ عليه أن يتقنها حتى يكون مستكتبا جيدا وإتقانها يتطلب تعلما لقواعدها الصحيحة.
هذا ضرب من الفوبيا التي لا تتعقل الوقائع، ولا تنظر إلى حيثيات التعامل مع الألسن، هي تصور لا علمي لتفاعل الألسن والتقائها، فإذا كان التقاء لغة بلغة يعني في التصور اللساني وعلى حد عبارة Stephan Gramley «مصدرا لنطق بديل ولتراكيب نحوية جديدة ولمفردات مختلفة « فإن هذا التصور كان مقلوبا. فبدلا من أخذ مفهوم الاستبدال على أنه حالة إنجاز آني في إطار تواصل يعتمده مزدوج اللسان حين يتكلم مع غيره بلغته أو على أنه ضرب مما يعرف بـ Code Switching ( تبديل الرمز) أي باستعمال استبدالي ومرن لقانون لغتين في محاورة واحدة، أخذ هذا الاستبدال بشكل زماني تحل فيه لغة محل لغة إلى الأبد، أو تحل فيه لغة محرفة محل لغة سليمة حلولا لا رجعة فيه.
هذا النوع من الفوبيا تلتقي فيه مشاعر كثيرة هي الاعتداد باللغة الأصلية والخوف على المقام الثقافي الرفيع الذي تلعب فيه اللغة دورا كبيرا في جميع المؤسسات الدينية والسياسية، والكره الذي يمكن أن تكنه الجماعة اللغوية العربية لغيرها من الجماعات اللغوية، بما أنها جماعات وافدة أو مهاجرة.
ومن جهة أخرى فإن فوبيا النحو عرف بعدا مؤسسيا، إذ ميز الناس قديما بين اللحن في الكلام والغلط في كلام الله. وقد أورد ابن يعيش خبرا للحجاج مال فيه إلى الغلط وقدمه على اللحن يقول: «ويحكى أن الحجاج بن يوسف قرأ (أن ربهم بهم يومئذ خبير ) بفتح (أن) نظرا إلى العامل فلما وصل إلى الخبر وجد اللام فأسقطها تعمدا ليقال إنه غالط ولم يلحن، لأن أمر اللحن عندهم أشد من الغلط، وإن كان في ذلك إقدام على الله تعإلى».
إن فوبيا اللحن التي هي شكل من أشكال فوبيا اللغة يمكن أن تصبح حالة مرضية تتجاوز كره الثقافات الغريبة، بل الخوف من أن تنقلب إلى كره العلوم نفسها.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية