في الجمالية النفعية قديما

لعل ما يسوغ طرح هذه المسألة، أن متلقي الشعر عامة، لا يزال يتعامل مع النص من منظور الجميل النافع. ولذلك نراه يشيح عن النصوص التي لا يجد فيها ضالته هذه. وربما لا غرابة في هذا المنحى، فثقافتنا العربية، وإن برحت منذ أكثر من قرن، مداراتها المألوفة، لم تتحرر تماما من سطوة القديم وفتنته؛ أو نحن لم نوفق بعد في ترتيب علاقتنا به. والحكم الجمالي في المدونة النقدية العربية، إنما يقوم على أساس «الجمالية النفعية»، حيث الجميل أو الحسن لا يستقل بجماله أو حسنه عن «النفع»، أي حصول الفائدة المعنوية. وهي فائدة لا تتحصل إلا «بخلتين» واجبتين في شعر كل شاعر هما: صحة التأليف وصحة المعنى. ويتضح من كلام بعضهم أن الألفاظ ليست حسنة في ذاتها، وإنما هي حسنة عندما تكون في مواضعها، وقبيحة عندما تكون في غير مواضعها. وهذا إقرار منهم بأن صفة الحسن موضوعية مستقلة عن الشاعر. يقول الآمدي صاحب الموازنة بين الطائيين أبي تمام والبحتري: «وليس العمل على إرادته (الشاعر)، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه»، أي إدارتها على جهة من التأويل السائغ المستفاد من النص، المقيد بأحكام اللغة وعادة الاستعمال فيها، وما تجوزه من صور التحول. وواضح من كلامه أن «الموجه» من الكلام هو ما جعل على جهة واحدة، وليس ما يحتمل الضدين. لكن إذا كان الحسن أو ما يسميه الآمدي بهاء الكلام ورونقه، مستقلا عن الشاعر، فهل هو كذلك بالنسبة إلى المتلقي؟ لا يبدو الأمر كذلك.

فالحسن من الشعر عند الآمدي هو الذي يشتمل على صفات بعينها مثل حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الألفاظ السهلة العذبة والمناسبة بين المستعار منه والمستعار له، وهي صفات تتصل بتقويم الحسن، كما هو في نمط من الشعر وليس في الشعر كله، فضلا عن أنها ليست كل صفات الشعر، بل هي عندهم صفات الكلام البليغ عامة، حتى أنهم يعدونها أصلا «يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر»؛ بل هي البلاغة ذاتها من حيث «هي إصابة المعنى، وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على الحاجة، ولا تنقص نقصانا يقف دون الغاية». وهكذا فإن استخدام صيغة الحصر في حد الشعر «وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها…»، يشرعُ على صفات عامة، وليست مما يختص به الشعر دون سائر أنماط القول. ومن ثمة فإن الحكم على بعض استعارات أبي تمام بأنها «قبيحة» أو هي «وسواس» و»تخليط» و»هذر» لا سند له إلا ذوق شخصي يدْعمه حكم تاريخ من جهة ورؤية دينية من أخرى.
من ذلك أن المعرفة بصناعة الشعر، تقتضي من الناقد أن ينظر «ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض «فإن عرف علة ذلك فقد علم، وإن لم يعرفها فقد جهل». ولا يذكر أسلافنا من هؤلاء الشعراء إلا شعراء الجاهلية والطور الإسلامي الأول، لما أسبغه التاريخ أو الأسطورة عليهم، من هالة ووضاءة من جهة، ولأن الحكم عليهم، صدر عن شخصيات قوية «الائمة في علم الشعر» من جهة أخرى. والحكم التاريخي حكم مطلق نسبي في آن. هو مطلق لأنه لا يأبه للانقلابات الحاصلة في هيئة الشعر زمانا ومكانا، كأن يُقال إن امرأ القيس هو أشعر الناس لا في زمانه؛ وإنما في كل الأزمنة؛ وحتى إذا اقتصرنا على «زمانه» فإن صيغة المفاضلة تظل صيغة إطلاق. وهو نسبي لأنه قلما ينعطف على حقيقة موضوعية، هي شعرية النص التي يحتمل الاختلاف فيها. وعليه فإن هذا الحكم مهما تكن قوته ونصيبه من الرجاجة، هو أقرب ما يكون إلى حكم شخصي، أي إلى خليط من الذاتي والموضوعي. فإذا كان المتلقي قد حكم على استعارات أبي تمام بما حكم، فلأنه لم يكتشف فيها الصفات التي يكتسي بها الكلام بهاء ورونقا؛ وإنما صفات خاصة بالقبح أثارت نفوره وكراهيته. وهو يصدر عن رؤية دينية قد تبدو خفية، لأنها تندس في ثنايا ثقافة فلسفية ومؤثرات أجنبية، ألمت به. من ذلك تقرير الآمدي أن صناعة الشعر شأنها شأن سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء: جودة الآلة «العلة الهيولانية»، أي ألفاظ الشاعر. فلا بد أن يستجيدها «الصانع المخلوق»، ويتخيٍرها، وإصابة الغرض المقصود «العلة الصورية»، وصحة التأليف «العلة الفاعلة»، والانتهاء إلى تمام الصنعة «العلة التمامية».

وهذه العلل الأربع هي ذاتها في كل محدث مصنوع «فأما الهيولي فإنهم يعنون الطينة التي يبتدعها الباري تبارك وتعالى، ويخترعها ليصور ما شاء تصويره»، فـ»الصانع المخلوق في مصنوعاته» صورة من الصانع الخالق الذي هو مصدر الجمال في الكون، وكأن الطبيعة هي العمل الفني الذي أبدعته الذات الإلهية. وهذا الجمال إنما يلتمس في نظام الكون أي في وحدته وتعدده، وانسجامه وتناسبه. وهو النموذج الذي ينبغي أن يحتذيه الشاعر ويحققه بمقتضى الأصول المعهودة في صنعة الشعر. ولا يخفى أننا لا نستطيع مناقشة الآمدي في هذه التشبيهات المستمدة من الفلسفة؛ لأنه لم يفهمها حق الفهم كما أشار إحسان عباس. فالعلتان الأولى والثانية (الهيولانية والصورية) تقابلان في الشعر ما أطلق عليه نقاد العرب اسمي (اللفظ والمعنى).

صناعة الشعر شأنها شأن سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء: جودة الآلة «العلة الهيولانية»، أي ألفاظ الشاعر. فلا بد أن يستجيدها «الصانع المخلوق»، ويتخيٍرها، وإصابة الغرض المقصود «العلة الصورية»، وصحة التأليف «العلة الفاعلة»، والانتهاء إلى تمام الصنعة «العلة التمامية».

أما العلة الفاعلة فهي « قوة الخلق» التي تجعل من الاتصال بين الهيولى والصورة تفردا يميز بين قوام وقوام. وأما العلة التمامية فهي إن صدقنا الآمدي في استعمال المصطلح تساوي العلة الغائية. فكيف توصل هذا المتلقي إلى القول بأن صحة التأليف هي أقوى الدعائم بعد صحة المعنى؟ ومم يكون التأليف إذا لم يكن المعنى (الصورة) أحد ركنيه الكبيرين؟». يقول الآمدي في السياق نفسه: «فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته، معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر، من حيث لا يخرج عن الغرض، فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها»؛ وهو بذلك إنما يسلب الشاعر «حقه» في الخلق أو الصنع عندما يجعل الصنعة قائمة بنفسها لا تخرج، أو ينبغي لها أن لا تخرج عن طريقة العرب. وحاصل كلامه أن الحسن من الشعر هو الممتع النافع، كما تدل على ذلك كلمة «الغرض» التي تتردد في غير موضع من الموازنة. وهل الغرض إلا البغية والقصد والحاجة والهدف الذي يرمى إليه؟ فالحَسنُ إذن هو ما يؤدي إلى غاية، أي إلى النافع. والحكم الجمالي القائم على أساس الإمتاع والمنفعة هو أقرب ما يكون إلى حكم شخصي.
وإذا كان ذلك كذلك فإن الحسن لا يستقل عن المتلقي، ما دام إدراكه يقضي توافقا بينه وبين متقبله أو تعادل الرائي والمرئي، أو على الأقل تناسبهما، حتى يمكن رؤية الحسن والاستمتاع به، بل ربما لا وجود له إلا في عقل من يستمتع به، حتى ليمكن القول إنه يرتد في جانب منه إلى الذات المتلقية والقراءة القائمة على مجموعة من التوقعات والتعليمات. وفي هذا السياق فإن النص سواء أمتع أو لم يمتع، يظل قادحا من قوادح الوظيفة التنبيهية، فضلا عن كونه لا يبرح دائرة «النافع»؛ لأن الممتع مثل غير الممتع، حقيقة عملية نفعية.
وعلى هذا الأساس، نتقبل قراءة المتلقي القديم، ونأخذ بالاعتبار الأوصاف التي أسبغها هو أو شيوخه «من أهل العلم بالشعر» على لغة أبي تمام وصوره واستعاراته من حيث هي مكونات لا غنى عنها في إنشائية الخطاب عند الطائي. على أن ذلك ما كان ليتمهد دون تجريدها من أحكام القيمة ومن نبرة الاستهجان، رغم أن هذه الأحكام عنصر لا ينفك عن أي حكم جمالي؛ لأن هذا الحكم يشتمل على القول بالجمال مثلما يشتمل على القول بالقبح. فضلا عن أنها أحكام تفسر حالة المتلقي في حين تعاطي النص، حتى ليمكن القول إن الحسن شأنه شأن القبيح، يرتد إلى هذه الحالة، أي إلى ما يحمل صاحبها من مفاهيم أخرى للجمال والقبح، سابقة على القراءة ؛ الأمر الذي يجعل الحكم الجمالي بالمعنى الواسع الذي سقناه (القول بالجمال أو القبح)، يقوم عند هؤلاء «الخصوم» على توافق بين الداخل والخارج، بحيث يلتقي فيه الذاتي والموضوعي. لكن من دواعي الإنصاف أن نذكر بأن الآمدي لا يدفع أبا تمام عن خيار الشعر وخالصه في كل ما يقول، بل يجد فيه من «لطيف المعاني» ما لا يجده إلا عند فحول الشعراء.

كاتب وشاعر تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية