الرباط – «القدس العربي»: الباحث عن أحدث صيحات «الموضة» في المغرب، لن يتعب كثيرا في ذلك، يكفيه الخروج إلى أحد شوارع العاصمة الرباط، وتأمل العابرين من شابات وشبان ورجال ونساء، خلال أوقات الذروة أي عند ساعات الصباح قبيل الالتحاق بمقرات العمل، أو عند نهاية الدوام، وطبعا خلال المساء بعد أن تكون الإدارات قد أوصدت أبوابها والكل في حالة تجوال وانتشاء بلحظاته الخاصة.
الرباط عاصمة كل شيء، فهي تعكس الأنوار بالفعل تجد الكل متأنقا ويمشي بسرعة لأن الوقت لا يرحم والمظاهر عنوان المكانة الاجتماعية، رغم اختلاط الجميع فلا طبقية في اللباس، ولا يمكنك أن تميز الغني عن الفقير من خلال ما يرتديه، الكل سواسية أمام «الماركات» المتنوعة والمتعددة، ومنها «ماركات» يتم استنساخها ويقبل عليها أصحاب الدخل المحدود وتضاهي في ظاهرها ما يرتديه الثري.
الكلام عن اللباس في المغرب حركته دراسة حديثة نشرها التجمع المهني المغربي لصناعة الموضة، وكشف فيها عن نسبة إقبال المغاربة على سوق الأزياء بمعناها العام، كما سلطت الدراسة الضوء على تغير طريقة لباسهم، وكم ينفق المواطن المغربي على اللباس وكم مرة في السنة يقتني ما يرتديه.
الدراسة المذكورة، أبرزت أيضا مدى اهتمام المغاربة بـ»الماركات» المصنعة محليا ونسبة رواجها في مقابل المنتَج المستورد الأجنبي. هي سوق طبعا وتتحكم فيها قناعات معينة، وقد كانت وربما لا زالت القناعة الراسخة أن من يرتدي «ماركة» فرنسية أو غيرها من بلدان أوروبا أو امريكا فهو من «اللباسة» الذين يعيشون الحداثة. لكن يبدو أن الجائحة كان لها رأي مغاير في ذلك، فقد عززت الحضور المحلي من خلال منتَج مغربي صار المغاربة يقبلون عليه خاصة في ظل نجاح المملكة خلال أيام «الكمامة» من غزو أسواق عالمية بمنتجها السريع والجيد والرخيص.
قبل الحديث عن الزمن الراهن، نعود أدراجنا قليلا إلى الوراء فقط قبل بضعة سنوات قليلة، لنكتشف أن المناسبة شرط بالنسبة للمغربي كي يشتري لباسا جديدا لأبنائه، ولم تكن تلك المناسبات كثيرة، فقط عيد الفطر والموسم المدرسي الجديد وربما عند العطلة المدرسية الصيفية، وبين هذه المناسبات قد يكون عيد المولد النبوي الشريف مناسبة في بعض المدن لاقتناء كسوة جديدة للأبناء وللزوجة، أما الرجل فينسى نفسه في خضم المعركة المعتادة مع الجيب.
أما المناسبة التي تستأثر باهتمام الأسر المغربية فهي دون شك تتمثل في العام الدراسي الجديد، ومعها مناسبة عيد الفطر، هي محطات لا يمكن للمغربي ان يغادرها دون أن يشتري ما تيسر للأبناء، وطبعا جلبابا أنيقا بكامل «إكسسواراته» للزوجة وإن سمحت الظروف قميصا للوالد.
بالنسبة للدخول المدرسي، فإن كسوة الطفل أو المراهق فرض عين وليست فرض كفاية، هي من واجبات وسنن الموسم المدرسي الجديد، وتشبه في أهميتها مناسبة عيد الفطر وربما أكثر، وذلك لعدة اعتبارات اولها ما تمثله المدرسة في العقلية المغربية من فرصة للطفل كي يعبر إلى الحياة بشكلها الحالم والمأمول من طرف والديه.
في خضم هذه المناسبات تجد الفوارق بين المدن شاسعة، ففي الرباط هناك حضور دائم للرفاهية لدى الأسر القاطنة في المدينة، أما تلك القاطنة في هوامشها لا ضير في انتحال «ماركات» وأشكال تشبه ما تجود به محلات العاصمة، ففي النهاية الكل متساو الشكل نفسه والألوان نفسها، لكن الجودة تختلف والثمن أيضا. غير بعيد عن الرباط، نجد ساكنة الدار البيضاء بدورها لديها طقوسها وطبقاتها في اللباس، فأبناء المدينة الحديثة حالهم من حال أبناء الرباط، لكن في الاحياء الشاسعة للعاصمة الاقتصادية تجود محلات وأسواق كبرى بكل ما هو جميل ورخيص ولا يرهق مصاريف الأسر.
نغادر محور الرباط والدار البيضاء، ونصير في عالم مغاير، البساطة في كل شيء لا أحد يتهافت على «ماركة» تجارية معينة لا أحد يريد الأناقة المكلفة، ولا أحد يتعلق في الأشكال الحديثة للموضة، الكل يريد كسوة جديدة وكفى ولا يهم إن كانت صناعتها محلية أو أجنبية، المهم أن تناسب مشتريها قدا وقامة وأيضا جيبا إن صح التعبير.
عند الحديث عن إلزامية شراء الملابس في المناسبات، نكتشف أن هذا الشرط أصبح في السنوات الأخيرة ضربا من ماض غابر لا علاقة له باحتياجات الشباب الحالية.
ودائما نقع في المقاربة نفسها، بين الرباط والدار البيضاء من جهة وبين باقي المدن المغربية الأخرى. بالنسبة للعاصمة الإدارية ونظيرتها الاقتصادية، تفرض شروط العمل وظروف العلاقات وتمحور الحياة حول التباهي نوعا ما، سلوكا معينا يمارسه خاصة الشباب الذين لا يكتفون بلبسة واحدة في كل مناسبة، بل بإشباع الرغبة في مسايرة كل ما جد واستجد في عالم الموضة.
أما المدن الأخرى، ونأخذ نموذج مدينة القنيطرة القريبة من الرباط، فالناس لا يأبهون لما يلبسونه من «ماركات» كما انهم لا يعيرون كبير اهتمام للخرق التي تستر الجسد، فقط عليها أن تكون أنيقة ونظيفة وسليمة الشكل لا عيوب فيها. وتكبر هذه اللوحة العفوية كلما ابتعدنا عن الرباط والدار البيضاء، فأبناء المدن الأخرى يهمهم بالدرجة الاولى أن يكونوا مستورين وأنيقين دون تكلف، مع بعض الاستثناءات التي قد تتسع وقد تقل لدى فئة الشباب، لأن عيونهم ترى ما لا يراه الكهول من آبائهم.
ونعود إلى الرباط، لنكتشف أن محنة الموظفات في العاصمة مضاعفة جدا بالنظر إلى كونهن ملزمات بارتداء كل يوم حلة مغايرة لحلة الأمس، وهكذا طيلة الأسبوع، يعني خمسة أو ستة أيام في الأسبوع، كل يوم بكسوة مختلفة عن سابقاتها، وتتجاوز هذه المحنة السقف بالنسبة لفئة الموظفات الشابات، اما المديرات والمسؤولات فلهن حكاية مختلفة، لأن شرطي الاناقة والجودة و»الماركة» هي شروط شبه إجبارية عليهن الامتثال لها مهما كلف الأمر، ولا يقع أي مشكل فالراتب يسد الفراغ.
أما الفئة التي تعيش الكفاف والعفاف والغنى عن الموضة بكل معنى الكلمة، هي فئة نساء ورجال التعليم، مسارهم مختلف تماما، فالحضور «الكاريزمي» يغني عن الحضور الشكلي، رغم ان لباس المدرسين يكون غاية في الأناقة والبساطة أيضا، وهي رسالة بليغة منهم تفيد بما معناه أن الجوهر يغني عن الظاهر، ورسالة الواقع أيضا التي تؤكد ان رواتب المعلمين ليست بالارتفاع الذي يخول لهم اقتناء ما يريدونه من لباس. ناهيك عن إحساس رجل التعليم بكونه داخل أسرته حتى وهو داخل الفصل الدراسي، فالتلاميذ أبناؤه والبقية هم من العائلة التربوية الكبيرة.
لكن حتى في العاصمة تجد بعض المواطنين يرتدون مما تيسر ولا يهتمون مطلقا، كما يوجد بينهم عمال النظافة والحرفيون والصناع والأجراء البسطاء الذين يشتغلون في محلات أو أوراش داخل احياء راقية جدا في العاصمة، ورغم ذلك يسيرون وفق قدراتهم المالية ويعيشون البساطة بكل تجلياتها ويصنعون الفرق ويكونون مميزين جدا، ببساطتهم وعفويتهم دون تكلف ودون تصنع ودون قواعد جارفة.
ماذا قالت الدراسة؟
نتوقف هنا عند نتائج دراسة التجمع المهني المغربي لصناعة الموضة، التي شملت عينة من 1064 شخصا، وكشفت عن التوجهات الكبرى لسوق الملابس بالنسبة للمغاربة.
الدراسة أظهرت أن 47 في المائة من المستجوبين ينفقون أقلّ من 1000 درهم (108 دولار أمريكي) سنويا على شراء ملابسهم، وفئة أخرى تقارب ربع المستوجبين تنفق ما بين 1000 و3000 درهم.
وعن عدد مرات اقتناء اللباس، أفادت الدراسة بأن 50 في المائة من العينة المستجوبة أكدت انها تشتري ملابسها ثلاث مرات في السنة، بينما يشتريها النصف الآخر أربع مرات على الأقل في السنة.
طبعا حضر الوضع الاجتماعي في الدراسة، فوفقه يكون السلوك الشرائي، حيث الأعلى دخلا يقتني الملابس من مراكز التسوق، ثم الأنترنيت، إضافة إلى الشراء من الخارج، وتبلغ هذه النسبة 25 في المائة. وحسب الدراسة ذاتها، فإن إقبال المغاربة على شراء الملابس، أكده 49 في المائة من المستجوبين، أنه يتم بدون مناسبة، في المقابل فإن نسبة الذين يشترونها في موسم التخفيضات يصل إلى 38 في المائة، و22 في المائة خلال العطلات. كما أبرزت الدراسة تغير عادات اقتناء الملابس لدى المغاربة، خاصة في جانب الاهتمام بمعايير اختيار الألبسة، حيث أن 49 في المائة من المستجوبين يضعون الجودة على رأس قائمة الشراء، في حين يهتم 27 في المائة بالسعر. من المتغيرات التي كشفت عنها الدراسة، هي تزايد إقبال فئة الذكور على شراء الملابس عكس السابق حين كان الرجال يكتفون بكسوة ذويهم، لكن يبدو أن لفئة الشباب تأثير في هذا المتغير بشكل كبير. ولاحظ التجمع المهني المغربي «في الشارع، وفي عدة مناسبات أن المغاربة غَيَروا من طريقة لباسهم» كما أكد أن سياق كوفيد 19 أدى مؤخرا «بشكل خاص إلى تسريع الوعي بالحاجة إلى البحث عن نموذج إنتاج وطني لتلبية طلب السوق الداخلي المغربي على الملابس، وكان من الضروري أولاً محاولة فهم كيف يشتري المغربي ملابسه».
وهنا تحضر بقوة العلامات التجارية المغربية التي أصبحت خلال أيام الجائحة ترسخ نفسها كبديل جيد ومناسب للعلامات الاخرى وخاصة التركية التي غزت السوق المغربي خلال السنوات الاخيرة. ورغم ذلك يفيد التجمع المهني بان نسبة الإقبال على «الماركات» المغربية ضعيف حيث لا يتجاوز وفق الدراسة 25 في المائة.
التقليدي حاضر
أما سوق الملابس التقليدية فتظل حاضرة بقوة خلال المناسبات العديدة وبقوة النخوة الأصيلة والانتماء في ذاكرة ووجدان المغاربة، فلا تخلو خزانة رجل من جلباب وطربوش أو «رزة» وسروال «قندريسي» و»بلغة» (نعل تقليدي) كما لا تخلو خزانة سيدة من «قفطان» وهو رمز الأصالة المغربية الذي بات عالميا بعد أن صار موضة الزمن الدائم المستمد من أصالة التاريخ. لذلك، ورغم المعاناة، فإن صناع اللباس التقليدي مستمرون ويواصلون حياكة الجمال التقليدي بأيديهم الأصيلة.