لسبب ما غالبا ما ينظر إلى الأدب على أنّه مادة يعلوها الغبار، وتسكنها العناكب، وأشخاص يرتدون ما أكل عليه الدّهر وشرب من ملبوسات. الأدباء بعيدون عن عالم الأناقة، يرتدون ما توفّر لديهم والسلام، وقيل أن أذواقهم الجميلة في اختيار شخصيات جميلة وأنيقة لا تتفق مع واقعهم البائس. ترى هل هذا الكلام صحيح؟
تقول النظرية الأولى أن الأدباء أبناء عصرهم، وإن كنّا نقيس أناقتهم اليوم ونصدر حكما قاسيا بشأنها، فإنّ الأمر برمته مرتبط بوضعهم المادي والمهن التي يمارسونها، والتي توفر لهم مدخولا محترما يُمَكِّنهم من تجديد خزائنهم على الأقل كل خمس سنوات. إذ غالبا ما نجد من يعملون في قطاعات بعيدة عن الكتابة أفضل حالا من غيرهم، وتحضرني هنا صورة الكاتب الراحل يوسف السباعي، الذي تميز بسحر ورشاقة وأناقة بسبب مهنته، فقد كان عسكريا قبل أن يتدرّج في مناصب كلها حققت له الاستقرار المادي والاحتكاك بطبقة من المجتمع فرضت عليه أن يكون أنيقا. كان أشبه بنجوم السينما آنذاك، ولعلّ يوسف إدريس كان في أناقته نفسها، وربما أفضل بالنسبة لي على الأقل، كونه كان أنيقا حتى في اندفاعه للقضايا الإنسانية والتعبير عنها في أحاديثه.
أمّا النّظرية الثانية فتقول إن ما يشغل الكاتب أهم من مظهره الخارجي. لقد اشتهر كتابٌ بإهمالهم المبالغ فيه لملبسهم وطريقة كلامهم وتقديم أنفسهم، فيما بالغ البعض حتى في نظافة أجسادهم. ما أريد طرحه اليوم هو الدور الذي تحتله المظاهر الأدبية في بناء «صورة الكاتب».
المخاطرة الكبرى في الأدب هي المخاطرة بالكلمة المكتوبة، وهي لعبة جادّة تضع الكاتب في قالب معين قيّد على مدى مئات السنين أهل الأدب، الذين لم يدركوا ذلك إلاّ حين خلع بعضهم عباءة الصرامة التي حوّلتهم لكهنة في معبدهم الأدبي، حتى أنهم شعروا بالخوف من أن يفقد أدبهم قيمته بمجرّد خلعهم للقبعة أو للطربوش أو لربطة العنق. لقد كان المظهر دائما جزءا من شخصية أي إنسان، لكنّه هاوٍ لتغيير مظهره وفق مصالحه أو قناعاته أو متعته. أحيانا يرتدي شخصية غير شخصيته لأنه يعرف تأثير المظهر على الآخر. وهذا موضوع سبق وأن تطرّقت إليه في مناسبات عدة.
لنعد لنقطة البداية، ونسأل مرة أخرى هل يمكن لوسائل الإعلام المتعطّشة للأجساد والوجوه الجذابة وليس بمحتوى الكتب وأهميتها، أن تجرّ الأدباء والمثقفين عموما نحو اهتمامات سطحية والوقوف طويلا أمام مراياهم؟
في كتابها «المظهر والهوية، تشكيل الجسد في ما بعد الحداثة» تشرح لويلين نجرين التي تشغل منصب رئيسة وكبيرة المحاضرين في الفن ونظرية التصميم، في كلية الفنون في جامعة تسمانيا (أستراليا) كيف هيمنت الموضة في ثقافة ما بعد الحداثة على المجتمع، حيث أصبح لكل سلوك تجميلي دلالات ذات أبعاد مهمة، تحدد موقع الشخص اجتماعيا. تذكر الماكياج والجراحات التجميلية وزخرفة الملابس وعدم وضوح الحدود بين الجنسين. وتوضّح إلى أي مدى أصبح المظهر الجسدي محدّدا رئيسيا لتحديد الهوية الشخصية. ولنتذكّر أن الاهتمامات التي ركّزت عليها النخب وهي في مقدمة مجتمعاتها في القرن التاسع عشر إلى غاية منتصف القرن العشرين كانت تدور حول توسيع مفهوم الديمقراطية ونشره، ومفاهيم أخرى متعلّقة بالمواطنة والواجب والعمل والشرف والسمعة والأخلاق، تصبّ كلها في بناء هوية الشخص وتشكيل شخصيته. فما الذي حدث ليصبح تعريف الذات مرتبطا بشكل أساسي بمصطلحات جمالية تقف عند «كيف يبدو المرء وليس ما يفعله»؟
لقد اشتهر كتابٌ بإهمالهم المبالغ فيه لملبسهم وطريقة كلامهم وتقديم أنفسهم، فيما بالغ البعض حتى في نظافة أجسادهم. ما أريد طرحه اليوم هو الدور الذي تحتله المظاهر الأدبية في بناء «صورة الكاتب».
في مثال عن النسويات تورد نجرين الموقف السلبي لنسويات البدايات مثل إيمليا بلومر وإليزابيث كادي ستانتون وسوزان ب.أنتوني للألبسة الأنثوية، على أنها ألبسة تكرّس الهيمنة الذكورية على المرأة، بحكم أنها تحوّلها إلى دمية وتعيقها عن الحركة وتضر بصحتها. وقد «طوّرت سيمون دي بوفوار هذه الحجج بشكل أكبر، وشكّلت الأساس لانتقادات الأزياء النسائية من طرف نسويات جئن بعدها». في نظر دي بوفوار كل تلك الاكسسوارات والتربية الموجهة هي التي تجعل من المرأة ذلك الكائن الهش الذي يتشبث طيلة حياته برجل ليستطيع العيش بسلام. لقد كانت النساء مثل الطفيليات غير قادرات على الاستقلال بأنفسهن، لهذا كان عليهن أن يبقين داخل القفص نفسه باذلات مجهودا كبيرا للحصول على أزواج جيدين ماديا، وهذا يتطلب منهن أن ينفقن الكثير على ثياب تظهر عفتهن خارجيا، وأخرى تظهر مدى إغرائهن وحرارتهن جنسيا يخفينها تحت أثواب العفة.
النّموذج الذي طرحته كوكو شانيل مثلا تَناَسَبَ مع الأفكار الجديدة التي جعلت المرأة تكتسب ثقافة مختلفة لاستعادة امتلاك جسدها. حدثت تلك الثورة وامتدت إلى كل العالم، إلى أن حلّ عصر الصورة والإعلام المرئي وشبكات التواصل، حيث أصبح التنافس على أحرِّه بين النساء والرجال لإبراز مظهرهم الجميل. حتى عالم الكتّاب والشعراء الذين تلامسهم حمّى المظهر متأخرين في كل الأزمنة، لم يعد بإمكانهم المقاومة، فاليوم تتقدّم الصورة النص، سواء شئنا أم أبينا، والكاتب أصبح يخضع لجلسات تصوير لتقديم نفسه لجمهوره قبل طرح كتابه في السّوق.
نتخيّل هنا ماذا لو كتب السيّاب في هذا العصر؟ بمظهره الفقير وملامحه البائسة، وثيابه الفضفاضة التي تبدو أكبر من قياسه بسبب نحافته، هل سيتربّع شِعره على سلم الشعر العربي المعاصر؟ ربّما كانت مصيبته ستتسع لو أنه ولد في زماننا، فقد رُويَ عنه أنه تمنى أن يجد امرأة تؤانسه في حياته دون جدوى، لأنّ النساء كنّ يهربن منه إذ لم يكن يملك غير الشعر صفة جميلة فيه، والشعر لا يغري حتى عاشقات الشعر للاقتراب منه، فقد وقعت النساء في عشق نزار قباني مثلا، ومحمود درويش، ورفعن من منسوب شهرتهما، فكلاهما كان جميل الوجه، مفرط الأناقة، في وسطٍ لا يكترث بهذا السرّ في جذب الآخر.
إنّ المتفق عليه هو أن «الملابس انعكاس للذات» طالما تمّ ارتداؤها بتلقائية، دون قلق تجاه رغبات الآخرين، ودون الالتفات إلى أمزجتهم، لكن للأسف فالكثيرون يحبسون أنفسهم في أدوار الملابس، لأنهم يستجيبون لما هو متوقع منهم، دون الإصغاء إلى رغباتهم الخاصّة، ومع هذا فإن اختيارات الملابس تقول الكثير عن الشخصية والصورة الذاتية والمعتقدات الشخصية واحترام الذات والثقة بالنفس وقبولها والتعبير عنها، وبِتأمّل هذه المعطيات على المرء اليوم أن ينتبه لمظهره، وعلى المثقف تحديدا أن يخرج من قوقعته القديمة ويدخل إلى عالم ما بعد الحداثة بمظهر يليق به.
لقد تحدّثتُ عن أناقة يوسف السباعي ويوسف إدريس في زمنيهما، لكن هل يمكن لهذه الأناقة أن تقنع جيل القرن الواحد والعشرين؟
برز مصورون عبر العالم اختصوا في تصوير المؤلفين والكُتّاب، التقيت بعضهم في محافل كثيرة، وكنت أراقبهم وهم يقنعون تلك الكائنات التي تفضّل الكتابة، أن الترويج لأدبهم من خلال صورهم سيكون إضافة مهمة لمنجزهم. من المهم أن يعرف القارئ كاتبه، في مؤتمر أو مدوّنة أو مقال صحافي، لا بأس من خلفية سوداء أو بيضاء، دون ربطة عنق، دون بدلة رسمية، دون وضعية المفكّر الذي يمسك قلما، فالصورة يجب أن تعكس روح الكاتب لكن مع احترام روح العصر. ربما يرفض الأدباء فكرة اللحاق بالموضة أو ببعضها، لأن مادتهم تملك قدرة على البقاء صامدة أمام متغيرات الموضة، التي تفرض التجديد. تجبرنا النصوص الكلاسيكية على حبها واحترامها مع أنها موغلة في القدم. ويبقى الكاتب على حاله في الغالب يعكس عصره أمّا نصه فيسافر عبر الأزمنة وإن أُعيدت قراءته ومنح روحا جديدة فبقدرة فعل القراءة على خلق المعنى المتجدّد دائما. لكن لا عجب أن يحاكم الكاتب باستمرار من خلال مظهره، خاصة اليوم وأكثر من أي وقت مضى، فعلى أي زمن نحن مقبلون؟ ولمن سيُكتب النّجاح للكلمة؟ أم للشاب الأنيق الذي يكتبها ويبتسم لجمهوره بتسريحة شعر جميلة وعينين ناعستين؟
شاعرة وإعلامية من البحرين