تحجيم التّفكير

هل للتفكير العلمي ميكانيزيمات تفصله عن التجريد الفلسفي؟ وما الذي يحدد طبيعة الفعل المفكر فيه أهي دلالته أم قوالبه؟ وهل يصح أن نصف البحث العلمي بأنه فكري؟ وما المسافة ما بين ممارسة الفعل النقدي وتوظيف الفعل الفلسفي؟ وهل نعد التمثيل الفكري نشاطاً إبداعياً أم هو ابتكار علمي؟ ومتى يكون التمثيل أهم من التجريد؟ وهل تتطلب مقتضيات واقعنا العربي أن نكون باحثين تطبيقيين نولي مسائل التمثيل أهمية ومن دون ذلك لن تجد أبحاثنا صدى أو ردا؟
إنّ التفكير هو كل فعل كلامي غير منطوق يتجلى داخلياً بين الإنسان ونفسه بطريقة تقمصية، فيها النفس إما مفردة تفكر في حالها وإما هي شخص آخر تتخيله أمامها فتتحدث إليه وقد يكون هذا الشخص جماعة تتلقى كلمات تلك النفس في أثناء تفكيرها. بيد أنّ هناك مسائل أخرى تتعلق بطبيعة التفكير، لا وجود لرؤية نظرية خالصة حولها، ولقد وجه العلماء والمفكرون كثيرا من جهودهم نحو التفكير وبرؤى تحليلية ووعي تجريدي ساهم في التصدي للمعضلات وكشف عن العلاقات وكيفيات توظيف القيم وبناء المفاهيم.
وبالفهم تتمكن الطبيعة البشرية من تجاوز عمومية الفكرة تحت تأثير مبادئ خرق طبيعة الفكرة نفسها. وهذه التركيبة المعقدة لفعل التفكير يعللها جيل دولوز بالخيال المعقد إذ لا تفكير من دون تشكك وعدم اقتناع ودحض ورفض وتمويه وهي مزايا الفكرة المتخيلة التي يمكنها أن تأتي بما هو مقبول وتجعل أمر الظفر بإجابة ما ممكنة، تجريبيا كان هذا الجواب أم ذاتيا. وليس وراء هذا القبول أو الرفض أي نزوع أخلاقي لأن تكون طبيعتنا المفكرة اختلافية أو توافقية.
والاعتراض والنقد والرفض هي أسس التفكير ومقومات إدامته ولا تفكير من دون وجود هذه المعوقات التي بها ينهض فعل التفسير وتتحقق فاعلية التحليل والتشخيص والتدليل. ولا فرق بين فكر علمي أو أدبي أو اجتماعي أو رياضي ما دام العامل المديم للتفكير واحد وهو الطبيعة البشرية نفسها.
من هنا عدَّ بعض الباحثين الثقافة هي الكلمة الأكثر اختصارا لكل الفاعليات الفكرية لهذه الطبيعة، وصارت الثقافة الأكثر تداولاً في علم الاجتماع بوصفها هي الحياة نفسها، ففيها تتداخل مختلف الموضوعات وتتنوع الاهتمامات كالتمركز الإثني والتنشئة الاجتماعية والأدوار الفردية والجماعية للأوضاع الاجتماعية والهوية والسمات العامة لتطور المجتمع الزراعي واللغة والشخصي والجنوسي والفوارق بين الجنسين والنسوية والذكورية والطفولة… الخ.
وأحد أهم معممات الفعل الاجتماعي لكي يكون ثقافيا هو هذا الترابط المنطقي بين الفكر وما يُفكر فيه من ناحية العلة والمعلول وعلاقة السبب بالنتيجة. ولا شيء يوصل إلى ما يضاد الثقافة مثل هذا البحث عن النتائج لا الأسباب.
ولا مناص من القول إن التجارب التنموية في ميدان البحث العلمي في الغرب ما كانت قد عقدت لواءها على التمثيل العياني والتطبيق الفعلي إنما العكس استندت بشكل كبير إلى التجريد النظري والتفكير التحليلي باستعمال أساليب الملاحظة والتسجيل والتجريب والتحليل والافتراض. أما مسألة التمثيل فكانت تأتي تباعا أو عرضا وقد لا تأتي أصلا بينما يغدو الأمر عندنا مختلفا؛ فطبيعة مجتمعاتنا «النامية» لا تسمح بإجراء أبحاث نظرية حقيقية من دون إيلاء البعد العملي اهتماما معينا نظرا لما في هذه المجتمعات من واقع مترد وعويص لا مجال للتنظير له من دون الوقوف العملي على صورة من صوره ثم التأمل فيها فكريا، وذلك بحثا عن افتراض أو نظر أو مفهوم في حمأة الصراع بين القيم والتقاليد والتفريق بين ما هو أخلاقي وإنساني ومن ثم لا يُفكر في الفكرة إلا كحدس يدرس بشحنات من النظر تشحذ الفكر وتعمل على كشف خفايا الحياة.
ولا يعني هذا أن التفكير الشرقي هو أدنى من التفكير الغربي لكنه قانون النمو الذي فيه المجتمعات متفاوتة ومن ثم يتفاوت إدراك الباحث في قضاياها ومسائلها. وليس ثمة انفصال بين بحث عتيد نصْفه فكر ونصْفه تمثيل عن بحث كله تفكير سوى أن الأول تعمقت فيه المشاعر الإدراكية للقاعدة المُفكر فيها، فغدت أكثر انطواء على اكتشاف ما هو لصيق بهذه القاعدة فلا يتعداها إلى رحابة الحياة والإنسان.
إن الارتباط الفكري بماهية التمثيل يعني ارتكان المعرفة في جوهرها إلى نهائية الخصوصية الخاصة وليس التعميم العام بقواعد وأساليب لا نهائية، فنكون نحن الباحثين غير متكلمين في تشابهات واختلافات أو صدق وأكاذيب أو تساؤل وجواب أو حقيقة وباطل إلا الأساس فيها محدد بشكل دينامي خفي، عليه يتم بناء أفكار جديدة تدرس وتنمط وتقولب بشكل مغاير لما هو معتاد. وعادة ما يكون هذا النوع من التفكير مقوما بالتمثيل ومن دونه لا وجود لتفكير يصلح لأن نناقشه أو نبني عليه. أي أن التفكير فعل ذهني استغراقي يتوغل في المثال المطروح أمامه، ومضاده اللاتفكير الذي هو حالة قلق وتوهان وسخف بلا موجبات.
وإذا كان التفكير هو التجميع، فعندها يغدو اللاتفكير هو التشتيت. وكما أن الطبيب لا يستطيع العمل من دون مشرط حاد فكذلك لا يستطيع التفكير التمثيلي العمل من دون مثال صادم وعام!
وما دام التأمل والدقة يتعمقان داخل الذات ويزيلان منها شوائب التشويش، فإن القواعد والقوانين والفرضيات ستكون ممكنة التحقق والإثبات كقوة تعبيرية فيها اللغة هي أداة التفكير الأولى والأخيرة؛ وهذا الاتفاق هو الذي جعل التفكير لا نهائيا في الغرب لا يعرف صحة أو غلطا بينما هو عندنا مقرون دوما بالصحة والخطأ ولا مجال أمامنا إلا أن نوافق أو نعترض. وهذا بالطبع لا يضيّق ميدان التفكير حسب، بل يجعل عملية التفكير نفسها متهيبة لا يُقدم عليها إلا من علم في نفسه الشجاعة للمواجهة والمضارعة والمقارعة.
إننا لا نقول إن التمثيل شر على التفكير أو هو خطر لا بد منه، إنما نقول إن التفكير يظل هو الأساس سواء بالتمثيل أو بدونه. إن التفكير هو المقولات والتعاليم والقواعد وهو الإرادة والإبداع والجريان واللاانتهاء. إنه الوسيلة التي بها نبصر ونستبصر فنصور ونتصور بمنظورية زمانية مكانية مرئية أو غير مرئية محسوسة وغير محسوسة عابرة أو استدراكية، أصبنا في ذلك أم لم نصب. والفحوى من التفكير ليست إصابة المقتل بطعنة، بل هي الزحزحة والإرباك التي فيها يتحرك الراكد ويتخلخل الثابت ويزال الغبار عن الجاثي والبائد.
ومن يطالع كتابات بعض مفكرينا فسيجد أن فاعلية التفكير لديهم لا تقترن بالتجريد إلا لكي تدعم التمثيل حتى لا مجال للفكر أن ينساح في التأمل إلا هو مشدود بضرب الأمثلة التي تحجم مسار التفكير وتجعله مقيدا عند الظاهرة الممثل بها والمعروضة للبحث. وبالشكل الذي يجعل عملية البحث مغلَّبة على عملية التفكر. وصحيح أن ميدان البحث الاجتماعي يقتضي التفكير قبل كل شيء وأن الارتفاع به فكريا أفضل بالتأكيد من الارتكان فيه بحثيا عند مواضعات المثال/الظاهرة لكن هذا الانشداد للتطبيق قد يمنع الفكر من أن يسوح حرا بلا تقييد.
وعلى الرغم من ذلك، فإن للتفكير البحثي التطبيقي لفتات لا تنفك أن تكون صادمة أكثر من التفكير التجريدي. وهذا ما أعطى لكتابات بعض أعلامنا صدى وانتشاراً صارت بسببه كتبهم الأكثر رواجا بين القراء على اختلاف مستوياتهم وقدراتهم، وصاروا يبزون في شهرتهم غيرهم من الباحثين والمفكرين التجريديين.
ولا شك في أن العقل الجمعي العربي يرى أن الشجاعة تكمن في أنك تفكر وتمثل معا، وأقل من ذلك شجاعة أنك تفكر فلا تمثل كما أن الشهرة هي في أن تؤشر على الخامل فتجعله فاعلا، وأقل من ذلك شهرة انك تؤشر لكن من دون أدنى قصدية في أن تجعل هذا المؤشَر عليه فاعلا أصلا.
وما بين النظرية/ التطبيق يغدو فكرنا تمثيليا غير تجريدي، لأن هناك عملا يرافقه ويُمثل له، وبالشكل الذي يكون فيه الذهن متقولبا وهو يتصيد الظواهر الاجتماعية ويفكر فيها على وفق خلفيات ومرجعيات بعضها غربي معاصر وبعضها الآخر عربي قديم، وغايته الظفر بالصحة في الفاعليتين: الفكرية (التنظير) والتمثيلية (التشخيص والمعالجة).
والصحة والصواب والصدق معايير منطقية عفت عليها الدراسات الفلسفية التي لا تعترف بنقطة وصول افتراضية بينما لم يتجاوزها ميدان البحث العلمي الذي فيه لكل مجال مبحوث نقطة انتهاء بها تضع الدراسة أوزارها وتقول كلمتها النهائية.
*كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية