القاهرة ـ «القدس العربي»: اقيم في القاهرة «الصالون الأول للفن المعاصر» في قصر الفنون التابع لدار الأوبرا المصرية، في 3 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وجاء الصالون في دورته الأولى خاصاً بفن «التجهيز في الفراغ» وعنوان فرعي لهذه الأعمال «ما بعد الفكرة» فكل دورة من الدورات المُقبلة ستُخصَص لشكل مختلف من أشكال الفنون التشكيلية. ونأتي لمعضلة «التجهيز في الفراغ» والتي أصبحت تمثل كل شيء وأي شيء من الممكن الإدعاء بأنه فن. وتحت هذه الفِعلة تتوالى المآسي التي لا تنتهي. بداية من المفهوم نفسه، ووصولاً إلى العمل الذي يمكن أن نطلق عليه مجازاً بـ «العمل الفني» طالما أنه تم قبوله وبالتالي عرضه في معرض عام بموافقة الدولة، والمتمثلة في وزارة الثقافة المصرية ولجانها التي تمنح وتمنع على هواها. والسؤال الآن .. هل تنتمي هذه الأعمال بالفعل إلى فن التجهيز في الفراغ، والذي أصبح لاستسهاله ومجانيته أشبه بالتخاريف ليس أكثر؟ وبالطبع ليست كل الأعمال في المعرض تنتمي لهذا السخف، إلا أن أغلبيتها يمكن أن نطلق عليه، فراغاً في التجهيز.
الرؤية الثاقبة للفنان الجاهز
من الممكن أن يكون هذا العنوان لبيان فني ثوري، قد يُتحفنا به البعض في ما بعد. ما دمنا نتحدث عن معرض يختص بالـ»ما بعديات». لذا نطالع بداية بيانات بعض الفنانين المشاركين بالمعرض، والذين يشرحون فكرة عملهم للغلابة من المتلقين والمتورطين بالزيارة.
نبدأ بالفنان عادل ثروت، والذي جاء بعمل بعنوان «الأسباط التسعة. منزل 18 الدرب الأحمر» وهو منزل عائلة الفنان نفسه، والذي يقدم رؤيته قائلاً «تتحور فكرة العمل عن عائلة الفنان نفسه. وللتعبير عن هذا المفهوم بصرياً يعتمد الفنان على السرد البصري للصور الفوتوغرافية، كوسيط تعبيري وخاصة صور العائلة بمفهومها الأيقوني، والتي تميزت بحضورها داخل الشعور الجمعي كجزء من الذاكرة الجمعية، تفرض نفسها على المتلقي، بوصفها وحدة شاملة تحفز الفعل التأويلي». وقد صدق بكونها تفرض نفسها على المتلقي، ناهيك بأن العمل نفسه يعرض منه ثروت أجزاء في كل مناسبة، ولكنه أنعم علينا هذا العام بالعمل كاملاً ــ والله أعلم ــ من ناحية أخرى لا ينتمي العمل بالأساس إلى مفهوم التجهيز في الفراغ، فهو عمل جداري لا أكثر ولا أقل. وهو الأمر نفسه في عمل الفنان عماد أبو زيد، والذي يبحث عن معنى الحياة، في عمل بعنوان «أفكار مشوّشة» فيقول بدوره «أحاول تجميع عناصر من أشكال وعلامات في صياغات تشكيلية لإضفاء معنى بصري آخر، توحي بالتأثيرات المختلفة من الطبيعة والحنين إلى الماضي والتراث، ولكنها تعبر عن حالة التشويش بين الأفكار المتراكبة والمتقاطعة، إنه تراث ثقيل يمتلئ بالكنوز والأساطير، وهو ما يوفر فرصة للتفكير والبحث في قضايا لمعنى الحياة». هذه العبارات رحمة ونور على روح المتلقي، مقارنة بعمل الفنان وائل درويش، والمعنون بـ«الزمان والوجود» إذ يُنظّر ويقول «وإذا اعتبرنا أن الوجود إفتراض استدلالي على موجوداته التي تدخل بعلاقات بينية، والموجودات مكونات مستقلة فيزيائية أو خيالية يمكن إدراكها بمعزل عن عدم إدراكنا ماهية الوجود والزمن، يكون المقصود هنا الإنسان، الذي يشكل وعي الموجود بذاته، وهو الذي يخلع على الوجود معناه الاستدلالي، وليس معناه الإدراكي. والوجود الذي لا ندرك ماهيته تكون ذاتيته متداخلة في موجوداته الأنطولوجية المدركة».
رؤية الفنان المستقبلي
صِنف آخر من الفنانين رأى أن يوظف فنه في سبيل المستقبل، والمستقبل هنا يقتصر على الفنان نفسه، من دون الحركة المستقبلية المعروفة في الفن لا سمح الله، بمعنى أنه يحاول أن يضمن مستقبله، فنرى الفنان محمود مرعي يعنون عمله بـ «إيفين غيفين» وهو اسم السفينة التي ظلت عالقة في قناة السويس عدة أيام حتى أتم لها الله النجاة، ويقول «هذا العمل توثيقاً وتخليداً في تاريخ مصرنا الحديثة إنقاذ السفينة الجانحة إيفين غيفين». ولا يتورع الفنان ويقارن بين إنقاذ السفينة وبين حفر قناة السويس وعبور خط بارليف وفكرة خراطيم المياه ــ أهو كُله مَيّه ــ وتحيا مصر تحيا مصر تحيا مصر. ومن مقام الحديث عن المستقبل بشكل آخر، يأتي عمل بعنوان «مزاد» للفنان محمد عبلة، وهو عبارة عن عدة معروضات قديمة، مع لافتة تحمل مواصفاتها وأسعارها، ويتوسط المكان صندوق زجاجي على الزائر أن يقترح مبلغاً في ورقة بيضاء ويضعها بالصندوق، فربما يرسو عليه المزاد ــ عرض تفاعلي تشاركي تقدمي وحدوي ــ وهنا تتم المقارنة ما بين القيمة الفعلية للشيء وقيمته كسلعة معروضة، فالرجل يحارب تسليع التاريخ والقيمة والذاكرة. لكن عبلة، ألا ترى أنك تاجر شاطر، وتفعل كما فعل التجار حسب مقولة «سقّع وبيع» لنكتشف أن كلمة «المزاد» التي اختارها عبلة عنواناً لما قدّمه، تنطبق عليه بالأساس، فالرجل بالفعل كتجار المزادات، راشق في كُله.
أعمال لافتة
بالطبع لا يمكن التعميم، ولا يمكن أن يقتصر الأمر على ما سبق من ترهات وسخافات وتكرارات مللناها. هناك بالفعل عدة أعمال لافتة، بداية من فكرتها وكيفية تنفيذها، ومن دون ادعاءات وتفلسف أجوف. ويأتي على رأس هذه الأعمال «مدينة الملائكة» للفنان مصطفى البنا، و«عالم السيدة عيشة» للفنانة سماء يحيى. ففي ملائكة البنا، الذي ذيّل العنوان بعبارة «أهل مصر كأنهم قد فرغوا من الحساب» نرى مجسمات للقطاع العريض من الشعب المصري ــ وإن كانت أشبه باللوحة ــ مجسمات هشة كحياة أصحابها، بائع الفاكهة المتجوّل مُجتلسا الرصيف، كنّاس الشارع، الفلاحة التي تحمل طفلها فوق رأسها مع تجارتها البسيطة، بائع العيش «الخبز» وهو يقود دراجته ويحمل قفص العيش فوق رأسه، وكأنه يقدم عرضاً بهلوانياً كل يوم، وهكذا شخوص نراهم ليل نهار، وهم بالفعل الملائكة الذين فرغوا من الحساب، وقد تمت محاسبتهم في الدنيا بما فيه الكفاية، أهل مصر.
أما الفنانة سماء يحيى فتتخذ من عالم «السيدة عائشة» ومسجدها في مصر الإسلامية مكاناً تعيد صياغته وفق رؤيتها، وتقدمه من خلال ما يشبه اللقطات، كشذرات من المكان، شموع النذور على سبيل المثال، سجادة صلاة، أخشاب مُجسدة لزوار المسجد، والكثير من تفاصيل المكان وناسه، ولك أن تستحضر الشخوص وعالمها، وعلاقتهم ببعضهم البعض. مشردون ومجاذيب، وأبناء سبيل، من دون نسيان اللصوص والبلطجية، وكما تقول يحيى «في عالم السيدة عيشة كل شخص وكل شيء له مكان». إضافة إلى ذلك تأتي أعمال مُبتكرة، نذكر منها، أعمال كل من الفنانين محمد شكري، وسيدة خليل، وأحمد عسقلاني.