من الاستعارات التي تستعمل في الكلام اليومي استعارة الوجه ورقة. هي استعارة يراد منها فكرة مهمة هي أن الوجوه يمكن أن يُكتب عليها ما يمكن أن يقرأ، مثلما تكتب على الأوراق خطوط تفكك عند القراءة شيفراتها وتفهم أفكارها. المدرسىة تعلمك فك شيفرات الحروف في لغاتها المختلفة ومدرسة الحياة تعلمك كيف تفك شيفرات الوجوه.
الحياة مدرسة هي استعارة أخرى عالمة، يراد من خلالها إسقاط تجربتنا في الحياة على تجربتنا في المدرسة، وأي تجربة في المدرسة غير تجربة التعلم والتعليم. بعض الاستعارات تتحكم في استعمالاتك لها فهي تجعلك تختار من التجربة المستعارة عناصر وتترك أخرى. في المدرسة دروس وكذلك في الحياة أيضا، في المدرسة نجاح وفشل، وفي الحياة أيضا، في المدرسة واجبات عويصة عليك أن تحلها وإلا عاقبتك المدرسة بنواميسها، وكذلك الحياة، المدرسة من يأخذ بيدك ليعلمك، لكنك قد لا تصل إلى أن تنجح عملية التعلم لصعوبة الدرس، أي لمشكل في الإدراك والاستيعاب لديك، أو لمشكل في التوصيل والتبليغ عند المعلم.
لا أحد يستطيع أن يبين بدقة متى تصبح الاستعارة موضوعا متداولا في الكلام، لكن ما يهمنا في استعارتي الحياة مدرسة، والوجه ورقة، أنهما استعارتان تعيشان معا، ولا يمكن أن تفهم الواحدة منهما من غير أن تحيل على الأخرى. الحياة والوجه هما ميدانَا الاستعارة الأساسيان اللذان لأجلهما نستعير لكي نفهمها تجارب أخرى أقل تعقيدا، هما تجربة المدرسة من ناحية، وتجربة الوجه من ناحية أخرى. هل فهم الحياة وفهم الوجوه صعب إلى هذا الحد حتى نقيسهما على تجارب أقل صعوبة؟
الحياة التي نحياها شيء والتي ندركها شيء آخر؛ لا نريد أن ندخل في ضرب من التعقيد الذي قد يبلبل علينا الفهم البسيط الذي نريد، إنما مرادنا أنك وأنت تقرأ هذا المقال الآن، أو أنت تشرب قهوتك منذ حين، أو أنت تطل من الشرفة في العمل انتظارا لقدوم شخص مهم قد تبرم معه صفقة تجارية مهمة.. وأنت تفعل شيئا من هذا القبيل أنت تحيا أي أنت تنخرط في حلقة من حلقات الحياة أو تؤدي دورا من الأدوار عليك أن تؤديه وأنت تحيا. أن تحيا ليس أن تعيش، فإن تأكل وتشرب وتتداوى وتحب وتكره هذا جزء من أن تعيش، وأن تنجو في كل مرة من الموت بأعجوبة أو بالعلم أو حتى بالسحر، فذلك يعني أنك نجوت هروبا إلى العيش. الحياة ليست أن تعيش هي أن تمارس دورك الذي عليك أن تمارسه، باعتبارك عضوا في المجتمع الحي. أن تعيش شيء وأن تفكر في الكيفية التي بها تعيش أمر آخر: نحن لا نفكر في كيفية العيش إلا في الحالات التي يكون فيها وجودنا مهددا بما يربك العيش، كالحرب أو المرض أو غيرهما. أن تفكر في العيش لا يجعلك ذلك عميقا ولا سطحيا لا فيلسوفا ولا عالما هو يجعلك براغماتيا لا غير. لكن أن تفكر في الحياة أمر آخر ومسألة تتطلب من العمق والتجربة زادا مهما كي تجيب على أسئلة الحياة. لا أحد يستطيع أن يطرح أسئلة جيدة عن الحياة إلا إذا كان يمتلك قدرة على التجرد من حالات كثيرة أهمها التفكير البراغماتي في أن يعيش. من أسئلة العيش: كيف أوفر لنفسي حاجات العيش، الأكل والمرقد وكثيرا من أسباب الرفاه التي تجعل العيش أبعد عن الأيدي التي به تعبث. الباحثون عن الرفاه في العالم هم أكثر الناس بحثا عن دائرة من العيش تكون أبعد من منازل الموت. من أسئلة الحياة: لماذا ونحن نعيش نبحث عن الرفاه؟ هذا سؤال حول الحياة موضوعه العيش في الحياة. وحدها أسئلة الحياة يمكن أن تحيط بأسئلة المعيش، لكن من جانب آخر من الرفاه هو الرفاه الفكري، الذي ليس من متطلبات العيش، بل هو من متطلبات الحياة. الذين يبحثون عن العيش لا تقلهم أسئلة الحياة فيكفي أن يجد أسباب العيش حتى ينشغل عن مشاكل الحياة. من يفكرون في أن الحياة مدرسة هم قوم يفكرون في الحياة بأدوات بسيطة هي أدوات المدرسة المتاحة للعموم. الذين يفكرون في أن الحياة مسرح مثلا، هم قوم يفكرون في الحياة بأدوات أقل بساطة، وأذهب في التجريد، والذين يفكرون في أن الحياة ملهاة مثلا أو مأساة هم أذهب في التخصيص والعمق، وهم أقل عمقا ممن يفكرون في أن الحياة معادلة رياضية صعبة. لكن هذه الاستعارات جميعا، وإن كانت بعيدة من جهة التجريد والعمق والفنية من استعارة الحياة مدرسة، ينبغي أن نعترف بأنها استعارات خلقتها المدرسة والمواد التي تلقيناها فيها، إذ كثير منا لا يعرف لا المسرح ولا المأساة ولا الملهاة ولا المعادلة الرياضية الصعبة، إلا بعد الذهاب إلى المدرسة.
الحياة التي نحياها شيء والتي ندركها شيء آخر؛ لا نريد أن ندخل في ضرب من التعقيد الذي قد يبلبل علينا الفهم البسيط الذي نريد، إنما مرادنا أنك وأنت تقرأ هذا المقال الآن، أو أنت تشرب قهوتك منذ حين، أو أنت تطل من الشرفة في العمل انتظارا لقدوم شخص مهم قد تبرم معه صفقة تجارية مهمة..
المدرسة إذن تعلمك كيف تفكر في الحياة، إما بأدواتها أو بموادها أو بتجاربها. إلا أن المدرسة لا تعلمك لا العيش ولا التساؤل عن الكيفية التي بها تعيش ليس هذا من شأن المدرسة؛ حين تأتي إلى المدرسة أنت على قيد العيش، ولا تمثل المدرسة خطرا يهدد العيش. وكما أن المدرسة لا تهب العيش فإنها لا تفتكه، فليست المدرسة لا غابة فيها وحوش ولا هي جنان الخليفة ينبت فيها من كل زوجين حبا وثمرا.
في المدرسة نتعلم القراءة والكتابة، لكن هذا ليس كافيا للحياة. في الحياة حروف أخرى مبهمة لا تعلمنا المدرسة كيف نفك شيفراتها، لكن أسباب الوجود معا في الحياة يجعلنا نبحث عن تجارب أخرى قبل المدرسة وبعدها، خلفها أو بين يديها كي نتعلمها.
من هذه الحروف قراءة الوجوه التي تعترضنا في الحياة. منا قراء جيدون للوجوه ومنا قراء تستغفلهم الوجوه، لأنها تحوي حروفا لا يتقنون فك رموزها، أو أنهم لا يمكن أن يفهموها الفهم الحقيقي، أو أن من الوجوه ما يمكن أن تقول شيئا وتخدع قارئها حتى توقعه عمدا في التأويل الخاطئ. نحن نكذب بالكلام ونكذب بالوجوه لكن يبدو أننا نتقن الكذب باللغة، أكثر مما نتقن الكذب بالعلامات. لا أحد أجرى استفتاء في الموضوع، لأن ذلك لا يهدد العيش وإن كان يهدد عمق الحياة. الفشل في أن تقرأ ولا تفهم درجة لكن الفشل الأكبر في أن تقرأ قراءة صحيحة نصا موهما بدلالة تسير عكس الحقيقة، عكس نواميس الحياة. الوجوه التي تقول هي وجوه تقول وتصدق أو تخادع؛ لكن الوجوه المسطحة هي الوجوه التي لا تقول شيئا: هي مسطحة ومعروضة للقراءة لكن لا أسطر فيها لتقرأ أكانت ظاهرة أم خفية. تعترضك بلا لغة تسألها فلا تجيبك وتسترشدها فلا ترشدك، تستبكيها فلا تبكي وتستضحكها فلا تضحك، عينها غائرة فلا سؤال فيها ولا جواب ووجنتها لا تحمر فتفهم شيئا كالخجل أو الخوف أو الاضطراب، ولونها لا هو أصفر فيوحي لك بالمرض ولا أبيض فيوحي لك بتأثر بالعرق؛ الشفتان في تلكم الوجوه لا تتحرك لا تستدير عند الضمة ولا تنفرج عند الفتحة، لا تسترق الألفاظ ولا تجرب القول لا تبتسم ولا تكشر همها أن تكون كما هي بلا تعبير. أجلس في القطار وأمامي وجه كهذا الوجه الذي وصفت ويجلس في الكرسي المقابل طفل صغير انصرفتُ إليه أبتسم فيبتسم بعد تردد، وحين لمح وجها أمامه بلا معنى انخرط في البكاء. فهمت أن الطفل فهم ما لم أستطع أن أقرأه: كانت أمه تسكته وتسأل الوجه الذي أبكاه بربك ماذا فعلت له؟
انصرفت أعاتب نفسي عن جهلي بقراءة الوجوه التي اعتقدت أنها تقرأ بسهولة.. وتعاطفا مع الصبي صنفتها في خانة الوجوه التي تهدد الحياة الآمنة أو الحياة المتطلعة إلى أن تكون آمنة.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية