في دولة تعيش في نكران للواقع –احتلال وسيطرة عسكرية على شعب آخر منذ أكثر من نصف قرن- فإن قولاً عابراً كالذي أعلنه وزير الأمن الداخلي عومر بار-ليف، يُستقبل بتقزز ويثير خلافاً عاماً. فما الذي قاله؟ كان بار-ليف التقى، الإثنين، نائبة وزير الخارجية الأمريكي فكتوريا نولند، وقالت له إن وزارة خارجية الولايات المتحدة تتابع عنف المستوطنين. أجابها بار-ليف بأن إسرائيل “ترى بعين الخطورة” عنف المستوطنين، وأشار إلى أنه يعمل مع وزارة الدفاع للقضاء على الظاهرة.
الأمر الوحيد الذي يخطئ الحقيقة في أقواله هو أن إسرائيل “ترى بعين الخطورة” عنف المستوطنين. حتى الآن استخفت حكومات إسرائيل بعنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين وأباحت دمهم وملكهم وأرضهم. ولكن ليس لهذا خرج زبد ممثلي المستوطنين في الحكومة، بمن فيهم الواقف على رأسها.
وزيرة الداخلية آييلت شكيد، كانت أول من لاحظ فرصة خوض حملة سياسية على ظهر بار-ليف. فقد هاجمت على التويتر: “تشوشت، المستوطنين ملح الأرض، مواصلو الطلائع من السهل والجبل. العنف الذي ينبغي أن يصدمك هو عشرات حالات رشق الحجارة والزجاجات الحارقة على اليهود، والتي تقع كل يوم – فقط لأنهم يهود”.
شكيد تكذب. المستوطنون ليسوا مواصلي درب الطلائع، والعنف تجاههم في “المناطق” [الضفة الغربية] ليس “لأنهم يهود فقط”. إن محاولة وصف النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني كجزء من اللاسامية، في ظل تجاهل الاحتلال، والمستوطنات، والسيطرة العسكرية، والعنف المستشري… إنما هو إعادة كتابة تلاعبية للتاريخ.
كما أن وزير الخدمات الدينية، متان كهانا، عرض الحقيقة ككذب. “محزن أن نرى رجل أمن غني التجربة والسنين يقبل رواية كاذبة ومشوهة بهذا القدر”، طالباً من بار-ليف التراجع. التراجع عن ماذا بالضبط، عن الحقيقة، لكن لماذا نلوم وزيراً في حكومة يقف على رأسها نفتالي بينيت، يبدي ولاء للاستيطان وليس للحقيقة: “ثمة ظواهر هامشية في كل جمهور، ولكن محظور علينا أن نعمم على جمهور كامل”، قال.
غير أن التنكر للحقيقة لن يخفيها: ففي العام 2021 وثقت 135 حادثة رشق حجارة نحو الفلسطينيين مقابل 90 في 2019، و 250 حالة عنف أخرى، مقابل 100 في 2019. كما طرأ ارتفاع في عدد حالات العنف ضد قوات الأمن: من 50 في 2019 إلى 60 في السنة الأخيرة. ينبغي معالجة هذه الظاهرة بشدة، دون أن ننسى الصورة الكبرى: مشروع الاستيطان من بدايته مشروع غير قانوني، وكل إنجازاته يعدّ خرقاً للقانون، وسرقة للأرض وجهوداً لطرد السكان الفلسطينيين من المنطقة، بكل سبيل.
بقلم: أسرة التحرير
هآرتس 16/12/2021