الموقف البريطاني من التصعيد الروسي

صادق الطائي
حجم الخط
0

منذ حوالي خمس عشرة سنة والأزمات تترى وتتصاعد بين لندن وموسكو على خلفية عدة ملفات، ويمكننا الإشارة في هذا المضمار إلى الاتهامات البريطانية الرسمية لموسكو باغتيال المعارض الروسي ألكسندر ليتفينينكو في لندن عام 2006 وقد كان ليتفينينكو ضابطا في جهاز أمن الدولة الروسي «إف إس بي» وأصبح لاحقا معارضًا شرسا للرئيس فلاديمير بوتين، وانتقل للعيش في بريطانيا حيث تم اغتياله بدس مادة البلوتونيوم المشعة في كوب شاي شربه بصحبة أحد عملاء المخابرات الروسية في لندن، وقد أصدرت محكمة بريطانية قرارها بإدانة الحكومة الروسية بوقوفها خلف عملية الاغتيال.
تلى ذلك أزمة آذار/مارس 2018 التي اندلعت إثر اتهام حكومة تريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، للحكومة الروسية بمحاولة اغتيال العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته في بريطانيا بهجوم بغاز الأعصاب، وقامت الحكومة البريطانية إثر ذلك بطرد 23 دبلوماسيا روسيا من لندن، في خطوة وصفت بأنها الأعنف دبلوماسيا منذ الحرب الباردة. فأتى رد موسكو أكثر عنفا، إذ طردت الحكومة الروسية خمسين دبلوماسيا بريطانيا من موسكو، مما تسبب بخلق أزمة بين الدولتين كادت ان تتحول إلى قطيعة تامة.
ومنذ 2014 وللأزمة الأوكرانية-الروسية تداعيات تُلقي بظلالها على العلاقات البريطانية الروسية، إذ دفع اشتعال الحرب بين كييف وموسكو والذي تمثل بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، ودعمها الانفصاليين في شرق أوكرانيا، إلى أن ترمي بريطانيا بثقلها إلى جانب التحالف الغربي الداعم لكييف عبر فرض مختلف العقوبات الاقتصادية على موسكو. ومن جانبها اعتبرت الحكومة الروسية الدعم الغربي لأوكرانيا تهديدا للأمن القومي الروسي عبر السعي لإدخال أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي، وبالتالي إقامة قواعد عسكرية غربية في حضن روسيا. وشدّد الرئيس بوتين على ذلك في خطاب رسمي بقوله إن هذا السلوك يشكل «تهديدا مباشرا لأمن روسيا» ودعا إلى عقد «مفاوضات من أجل إقرار اتفاقيات قانونية دولية واضحة من شأنها استبعاد أي تمدد إضافي لحلف شمال الأطلسي نحو الشرق».
لطالما مثلت أوكرانيا، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي كبرزخ فاصل بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، ساحة لنزاع الغرب مع روسيا، ومع خطوة أوكرانيا الأولى في التحرك باتجاه الارتماء في حضن الاتحاد الأوروبي، عندما أطاحت انتفاضة الشارع الأوكراني بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لموسكو عام 2014 ردت موسكو على ذلك بحزم، فاحتلت شبه جزيرة القرم، ودعمت الانفصاليين الذين سيطروا على مساحات شاسعة من الأراضي في منطقتي دونيتسك ولوغانسك شرق أوكرانيا، والتي تحولت إلى بؤرة توتر في منطقة البحر الأسود.
وكانت لندن قد اتخذت خطوة تصعيدية خطيرة في نيسان/ابريل 2021 إذ أشارت صحيفة «تايمز» إلى إن بريطانيا ستدخل على خط الأزمة بين روسيا وأوكرانيا وذلك عبر إرسالها مدمرة وفرقاطة إلى البحر الأسود في شهر آيار/مايو. ونقل التقرير عن مصدر في الأسطول البحري البريطاني إن «مدمرة مسلحة بصواريخ مضادة للطائرات وفرقاطة مضادة للغواصات ستغادران مجموعة مهام حاملة الطائرات البحرية الملكية في البحر الأبيض المتوسط وتتجه عبر مضيق البوسفور إلى البحر الأسود» وان إرسال بريطانيا لسفن حربية هو مبادرة هدفها التعبير عن دعم حلف الناتو لأوكرانيا في أزمتها مع روسيا.
كما شهد التعاون العسكري بين المملكة المتحدة وأوكرانيا تصاعدا ملحوظا في الأشهر القليلة الماضية، فقد وقع الطرفان في تشرين الأول/أكتوبر عام 2020 مذكرة لتعزيز التعاون في المجالين العسكري والتقني بمبلغ 1.25 مليون جنيه إسترليني. كذلك تم توقيع مذكرة تفاهم حول التعاون بين البلدين في تصميم وبناء سفن حربية على الأراضي الأوكرانية والبريطانية بالإضافة إلى بناء قاعدتين تابعتين للقوات البحرية الأوكرانية في شهر حزيران/يونيو 2021. كما وقع سفير أوكرانيا في لندن، فاديم بريستايكو، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 اتفاقية إطارية تقضي بتخصيص موارد مالية لبناء 8 زوارق حاملة للصواريخ، لحساب أوكرانيا، بحسب موقع «ZN.UA» الأوكراني، وبذلك تكون المملكة المتحدة ثاني أكبر دولة بعد سويسرا من حيث الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد الأوكراني، كما وتعتبر لندن ثالث أكبر مستثمر بعد قبرص وهولندا ومن حيث الاستثمار المباشر المتراكم في أوكرانيا.
بدوره، أشار وزير الخارجية الأوكراني دميتري كوليبا، يوم 8 كانون الأول/ديسمبر الجاري إلى أن «الاجتماع التحضيري لحوار الشراكة الاستراتيجية بين أوكرانيا وبريطانيا قد اختتم في لندن». وكتب على منصة تويتر «أنا ممتن للقرارات التي تثبت أن كييف ولندن حليفان مقربان، والموارد المخصصة ستكون لمشاريع في مجال البنية التحتية والرعاية الصحية والطاقة النظيفة».
التصريحات البريطانية الرسمية اتخذت طابعا أكثر جدية تجاه الأزمة الأخيرة، وذلك عبر التصريحات التي وردت في اجتماع الدول الصناعية لمجموعة السبع الكبار «G7» الذي عقد في مدينة ليفربول يوم السبت 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري، إذ حذرت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس من التهديد الروسي لأوكرانيا بقولها إن هذا الاجتماع سيكون «إظهارًا للوحدة بين الاقتصادات الكبرى ذات التفكير المماثل، وسنكون أقوياء تمامًا في موقفنا ضد العدوان على أوكرانيا». وشددت تروس على أن أي تحرك عسكري روسي ضد أوكرانيا سيكون خطأ استراتيجيًا «له عواقب وخيمة على موسكو».
وفي الجانب الاقتصادي دعت بريطانيا إلى عدم الاعتماد على روسيا، إذ صرحت وزيرة الخارجية البريطانية قائلة «على الدول الديمقراطية الحرة أن تفطم نفسها عن غاز روسيا وأموالها للحفاظ على استقلالها». وأوضحت أنها تريد العمل مع دول أخرى «للتأكد من أن الدول الديمقراطية الحرة قادرة على الحصول على بديل لإمدادات الغاز الروسية» في إشارة إلى خط أنابيب نورد ستريم 2 المثير للجدل، الذي ينقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا.
وفي خضم التوتر الروسي الأوكراني الأخير، يبدو أن التعاون بين لندن وكييف يحقق قفزات غير مسبوقة في إطار التعاون الاقتصادي والعسكري، إذ أكد الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي يوم 8 كانون الأول/ديسمبر الجاري على أن بريطانيا ستخصص أموالا إضافية لدعم بلاده تصل إلى مليار جنيه إسترليني، وقد غرد زيلينسكي على حسابه في منصة تويتر قائلا «أخبار سارة من لندن.. ستقدم المملكة المتحدة مبلغا إضافيا قدره مليار جنيه إسترليني لدعم أوكرانيا.. هذا استثمار جديد وتجارة وأمن.. وهو نتيجة لمحادثاتي مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون العام الماضي، سيزداد إجمالي الدعم البريطاني إلى 3.5 مليار جنيه إسترليني».
وقد شهدت الساحة الأوكرانية تصعيدا ملحوظا قبل أسابيع عندما أعلنت موسكو عن قيامها بحشد قوات عسكرية قوامها بين 75 و100 ألف عسكري على الحدود مع أوكرانيا بحجة مواجهة التهديد الذي تمثله الطائرات التركية المسيرة التي أدخلتها كييف للخدمة شرق البلاد لمواجهة قوات الانفصاليين. هذا التحشيد دفع بالقوى الغربية إلى تصعيد لهجتها تجاه موسكو، وقد دخلت بريطانيا على خط الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، موجهة عدة تحذيرات لموسكو من تجاوز الخطوط الحمراء ومن مغبة القيام بعملية عسكرية ضد أوكرانيا.
من جانبه، اتصل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون هاتفيا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الاثنين 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وطلب منه «خفض التوتر» مع أوكرانيا، محذراً من أن أي تدخل عسكري سيشكل «خطأ استراتيجيا». وجاء رد الرئيس الروسي بوتين على ذلك مؤكداً على أن سياسة كييف قد «خرقت اتفاق مينسك الموقع عام 2015 حول تسوية النزاع في منطقة دانباس، وأنها تطيل المفاوضات حول التسوية، فيما يقوم حلف الناتو في هذه الأثناء بنقل معداته العسكرية إلى المناطق القريبة من الحدود الروسية». كما أشار بوتين إلى أن أوكرانيا هي التي «تعمدت مفاقمة الوضع سواء باستخدام أسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة هجومية» على الحدود بين روسيا وأوكرانيا، وشدّد بوتين على أن ذلك يشكل «تهديدا مباشرا للأمن القومي الروسي» ودعا إلى القيام بـ «مفاوضات من أجل إقرار اتفاقيات دولية واضحة من شأنها استبعاد نشر أسلحة تهدد روسيا في الدول المجاورة لها».
وقالت الحكومة البريطانية في بيان رسمي صادر عن 10 داوننغ ستريت جاء فيه إن رئيس الوزراء بوريس جونسون أعرب خلال اتصاله الهاتفي بالرئيس الروسي»عن قلق المملكة المتحدة العميق بشأن تعزيز القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا، وكرر أهمية العمل عبر القنوات الدبلوماسية من أجل خفض التوتر». وأضاف البيان أن «جونسون شدد على تمسك المملكة المتحدة بوحدة وسيادة أوكرانيا، وحذر من أن أي عمل لزعزعة الاستقرار سيشكل خطأ استراتيجيا ستكون له عواقب وخيمة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية