مهرجان بغداد الدولي للمسرح بنسخته الثانية: الأماني ما بين الانبهار والافتقار

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

على الرغم من ان ظاهرة المهرجانات المسرحية المحلية في العراق لم تتوقف طيلة الخمسين عاما الماضية، إلا ان وجود مهرجانات مسرحية ذات طابع عربي أو دولي في العراق بقيت شبه غائبة، ولم تكن واردة في تقاليد الحياة المسرحية في البلد، مع ان كل الظروف كانت مؤاتية لان تكون حاضرة في مقدمتها توفر الأموال، والعناصر البشرية من ذوي الخبرة المهنية والاكاديمية، ومع ذلك لم يكن هناك إصرار لدى المسرحيين لان يتحقق الأمر، كما لو انهم لم يجدوا انفسهم مؤهلين لان يتقدموا بخطوة إلى الأمام ويخرجوا بنشاطهم التنظيمي إلى مستوى دولي، مع ان نضج المسار التاريخي للحركة المسرحية في العراق طيلة العقود الماضية منذ خمسينات القرن الماضي كان يشير إلى ريادته في البحث عن آفاق جديدة بعيدا عن الإطار الطبيعي والواقعي الذي بدأ به في الربع الأول من القرن العشرين.
وبينما المسرحيون في دول عربية مجاورة كما هو الحال في الأردن على سبيل المثال لم تكن التجربة المسرحية لديهم قد وصلت إلى مرحلة تنافس أو توازي ما تمخضت عنه حركة المسرح في العراق من أسماء وملامح، إلا انها بدت قاطعة شوطا مهما في إقامة مهرجانات مسرحية دولية، ربما تعود أسباب ذلك الإحجام لدى العراقيين المسرحيين إلى العامل السياسي، بمعنى ان الظروف التي كانت ترسم المناخ العام للبلاد دمغته بطابع خاص يتسم بغياب حرية التعبير عن الآراء التي تختلف وتتقاطع مع قناعات النظام الذي كان قائما آنذاك، فكان للعامل السياسي دوره المهيمن في ان لا يقود من يعمل في المسرح إلى التفكير بعيدا عن الأطر التي كان يحددها النظام السياسي في كافة مفاصل الحياة ومنها المسرح، فما كان عليهم إلا ان يحصروا تفكيرهم بما هو متاح لهم في إقامة مهرجانات محلية يكتبون فيها سيرتهم المسرحية بحساسية عالية التشفير، مؤجلين بذلك حلمهم في ان يكون في جعتهم مهرجان مسرحي دولي.
أن أي متابع للحركة المسرحية في العراق خلال العقود الأربعة الأخيرة يدرك جيدا ان المهرجانات المحلية كانت على قدر كبير من الأهمية، سواء من حيث المستوى الفني للعروض أو من حيث التنظيم، فقد توفرت في العديد من عروض «منتدى المسرح» تجارب كانت على قدر كبير من الاهتمام في البحث عن أساليب وأشكال جديدة في تقديم الخطاب المسرحي، وكان جانبا حيويا من دوافع هذا الهاجس مراوغة سلطة الرقيب الرسمي وقطع أي فرصة أمامه للتشكيك بوطنية العاملين ومن ثم مصادرة العرض، وسبق ايقاف عدد من العروض المسرحية ومساءلة العاملين فيها من قبل الجهات الأمنية، كما هو الحال في «انهض ايها القرمطي هذا عصرك» و«الكوميديا الإنسانية» و «دائرة الفحم البغدادية».
المسرح كان وما يزال ميدانا لمواجهة الواقع الإنساني فنيا وجماليا، ومن خلاله يمكن إيقاظ الوعي لدى المتلقي ازاء ما يحيط به من تعقيد حياتي، ولا خلاف في انه من أكثر الفنون قدرة على ان يحفز الجدل لدى الجمهور، لانه قائم في جوهره على ضرورة ان يكون الصراع قائما في نسيج العلاقات داخل عناصر العرض، ومن هنا كان للأنظمة والسلطات العراقية حساسية سلبية ازاءه، خاصة وان هناك علاقة مباشرة بين العرض المسرحي والجمهور، وبناء على ذلك نصل إلى فهم البيئة الأمنية المتشددة التي كانت تحيط بالمسرحيين.

المسرح بعد العام 2003

بعد العام 2003 كان من المؤمل ان تنتهي القطيعة التي حكمت العلاقة ما بين المسرحيين وفكرة إقامة مهرجان دولي مسرحي عراقي، بعد ان تفككت هيكلية الرقابة الرسمية التي كانت قائمة قبل هذا التاريخ، إلاّ ان تشظي الوضع السياسي وما نتج عنه من تداعيات اتسمت بالعنف الطائفي، اوقف مشاريع الحالمين المسرحيين في ان يخرجوا من نطاق عزلتهم المحلية، رغم ان المشاركات الخارجية بعروض مسرحية لم تتوقف، إلاّ ان مسألة إقامة مهرجان مسرحي عراقي دولي تأخرت كثيرا بسبب هشاشة الوضع الأمني العراقي، وغياب أي ستراتيجية لدى النظام السياسي الجديد لايجاد مناخ ثقافي قادر على ان يتيح للعاملين في المسرح الانتقال إلى عتبة جديدة من العمل والتنظيم الإداري لإقامة مهرجان دولي يصحح خلل العلاقة ما بين حيوية الإنتاج المسرحي المحلي وعزلته عن العالم الخارجي.

مسرحيون يدلون بملاحظاتهم

يأتي مهرجان بغداد الدولي المسرحي بدورته الثانية والذي تم انعقاده تحت شعار «لأن المسرح يضيء الحياة» للفترة من 20-26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021 بمثابة محاولة جادة لكسر العزلة عن المسرح العراقي دوليا، ولكن هذا لم يمنع من ان تطرح حوله آراء مختلفة. بهذا الشأن يرى المخرج والكاتب المسرحي كاظم نصار بأن «المهرجان يأتي بعد وباء كورونا وظروف البلاد، وقضية ترميم العلاقة مع المتلقي احتاجت إلى وقت كاف ومع ذلك فالمهرجان فرصة لتذوق فاكهة عروضية افتقدناها في بغداد، وخاصة العروض الأجنبية مثل ألمانيا وإيطاليا منذ آخر مهرجان دولي اقيم قبل سنوات، والمتلقي بحاجة إلى تراكم عروض لكي تعود العلاقة معه من جديد، حينذاك سيفرز الصالح من الطالح والمتطور أسلوبيا مع من يراوح مكانه» ويضيف «المهرجان علامة صحة وعافية ونحتاج إلى ترسيخه سنويا وسنظل نطور من خياراته واكتساب خبرة مضافة، وأظن ان حجم العروض العراقية الجديدة غير موجود وهذا بسبب ظرف العراق، وكان يمكن تعزيز العروض العراقية بشكل أكبر، كذلك هناك اجتهادات عند لجنة التحكيم لم تكن في محلها ويسري الأمر على لجنة المشاهدة» يذكر بان المهرجان شاركت فيه عروض من العراق ومصر وسوريا وتونس وعمان والأردن وايطاليا وبولندا وألمانيا.

هل من تجارب جديدة؟

السؤال الذي يطرح هنا إلى أي مدى عكس المهرجان تطلعات المسرحيين العراقيين في ان يكتشفوا تجارب جديدة بناء على ما جاء فيه عروض؟ وعن هذا يجيب الكاتب والمخرج المسرحي بيات مرعي «لا شك ان المسرح العراقي الملتزم كان ولا يزال يسجل له مكانة متميزة على الصعيد العربي والإقليمي، إلاّ أن حضور مهرجان كبير مثل مهرجان بغداد الدولي للمسرح الثاني في هكذا وقت حرج من ظروف البلد وبمشاركة عروض مسرحية لدول عربية وعالمية متقدمة في هذا المجال، له وقع كبير على إدامة التميز للمسرح العراقي، وقد كشفت عروض المهرجان أن المسرح العراقي وما يقدمه من تجارب تتنافس بقوة مع تلك العروض الوافدة من دول متقدمة مثال العرض الألماني والإيطالي وغيرها من العروض العربية كالمغرب وتونس، ونستطيع القول أن الإضافات الجديدة والحديثة كانت متبادلة إلى حد ما بين العروض العراقية والوافدة».
وحول سؤال طرحناه حول امكانية اعتماد عروض المهرجان باعتبارها مجسا لفهم طبيعة العلاقة التي تحكم الفن المسرحي بالحياة والواقع الإنساني خاصة في منطقتنا العربية؟ أجابنا مرعي إن «المسرح في كل زمان ومكان رسالة حقيقية مباشرة تترك الأثر العميق حيث ما شوهدت، وان قوة ومدى عمق التجربة المسرحية ونضجها متأتي من البيئة التي تولد فيها تلك العروض والظروف المحيطة بها والملابسات المركبة التي تشعها البيئة بكل أشكالها السلبية والإيجابية، لذا نستطيع القول إن العروض في غالبيتها تعكس واقعها على اختلاف توجهاتها الفنية تأليفاً وإخراجاً ورؤى ولا يمكن قطع ذلك الحبل السري بين طرفي المعادلة، وان اختلفت مذاهب العروض لكنها تبقى تنشد الهدف الذي استوحي من الواقع الإنساني».
أما عن المستوى الفني للعروض المسرحية التي شاركت في المهرجان فيرى الكاتب والأكاديمي في كلية الفنون الجميلة بجامعة صلاح الدين د. منصور نعمان بأن «هناك مبالغة كبيرة في تقييمها، خاصة التي جاءت من خارج العراق وفي مقدمتها الأجنبية، وهذا يشمل العراقية أيضا، والملاحظ عليها انها اتسمت في بنائها الفني بالتشظي وأحيانا بالمباشرة واستخدام مفردات لفظية لاستدرار تعاطف الجمهور مثل مفردة ابو غريب، إشارة إلى السجن الشهير في بغداد وسط حوار باللغة الإيطالية، ومالفت انتباهي ان هناك تهشيما للشكل الفني بحجة ما بعد الحداثة لكني أرى في العروض التي شاهدتها ان الشكل افتقر إلى الجمال وبحاجة إلى نضج أعمق، والغريب انها نالت عبارات الاعجاب حتى ان البعض صرح بانه سيغير تعريفه لمفهوم العرض المسرحي وكأن الذي كان يعمل عليه طيلة عمره لم يكن حقيقيا! بمعنى ان هناك هشاشة في التلقي، واننا ما زلنا في مرحلة الانبهار بكل ما يصلنا من الخارج رغم الدراسات الأكاديمية المتكدسة لدينا» لكن نعمان يستدرك ويقول إن «المهرجان مع ذلك كان فرصة مهمة لمشاهدة عروض مسرحية بهذا العدد، رغم ما وجدته في ان الذائقة الجمالية تميل إلى التعتيم وإلى ضيق في الأفق، وهذا ما لاحظته في الجلسات النقدية التي ساد في عدد منها كلمات المديح المبالغ بها وكأننا أمام تحف ومعجزات فنية! « وعن أسباب ذلك يرى منصور بانها «تعود إلى هشاشة التلقي للتجربة المسرحية ومن هنا لم أجد غرابة في ان لا ينال عرض سلطنة عُمان (مدق الحناء) إعجاب الجمهور، ولم ينل جائزة، وهذا يدعو إلى التساؤل عن العقل التحكيمي الذي وقف وراء تقييم العروض ومنحها الجوائز والمسألة بتقديري أجدها لا تخرج عن دائرة القدح والمدح، وربما كان للأسماء المسرحية المعروفة وبعض الدول المشاركة دور مسبق في تحديد النتائج وليس المستوى الفني» ثم يستدرك «إذا ما استمر التقييم بهذا الشكل سينعكس سلبا على قيمة وأهمية المهرجان مستقبلا، لأن التربية الفنية بدأت بسياقات أخرى، وستساهم بالتالي بصناعة جيل لا يفقه من الأمر إلا المجاملات».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية