شهدت منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب توترا كبيرا بسبب خرق الطيران الروسي وقوات النظام والميليشيات الإيرانية، ولم تنجح تركيا بتنفيذ التزاماتها باتفاق موسكو.
شكل هدوء الجبهات وخطوط التماس أهم ملامح عام 2021 في سوريا، إلا ان ذلك لم يمنع النظام من فرض سيطرته على محافظة درعا جنوب سوريا بعد مفاوضات شاقة للغاية مع اللجنة المركزية في درعا، شارك الضباط الروس فيها بكثافة من أجل خلق واقع أمني جديد في جنوب سوريا، ينهي تجربة اتفاق التسوية بين فصائل الجبهة الجنوبية المعارضة والنظام السوري الذي جرى برعاية روسية صيف عام 2018. وأشرف رئيس إدارة المخابرات العامة «أمن الدولة» ومسؤول الملف الأمني عن جنوب سوريا، اللواء حسام لوقا على عملية المفاوضات وأصر على فرض شروط متمثلة بتسليم المطلوبين وكل السلاح الخفيف والثقيل وتفتيش كل المنازل المشتبه بها، إضافة إلى المقرات السابقة، ونشر حواجز الأمن والجيش داخل مدينة درعا وفقا للضرورة الأمنية ومقتضياتها. ووضع لوقا على لوائح العقوبات الأمريكية والأوروبية بسبب انتهاكاته بحق المدنيين واتهم بجرائم حرب باعتباره مسؤولا عن التهجير القسري في حي الوعر بمدينة حمص عام 2017 عندما كان يرأس فرع الأمن السياسي ومنه انتقل ليرأس شعبة الأمن السياسي في 2018 وفي 2020 عين الضابط الشركسي المقرب من موسكو رئيسا لإدارة المخابرات العامة «أمن الدولة» وينحدر لوقا من بلدة خناصر في ريف حلب الشرقي.
في الشمال السوري، شهدت منطقة «خفض التصعيد» الرابعة في إدلب توترا كبيرا بسبب خرق الطيران الروسي وقوات النظام والميليشيات الإيرانية، ولم تنجح تركيا بتنفيذ التزاماتها باتفاق موسكو 2020 وخصوصا المتعلقة بفتح طريق الترانزيت حلب- اللاذقية/M4 وإنشاء ممر أمني بعمق 6 كم شمال الطريق 6 كم جنوبه، وهو ما أوقف عمل الدوريات العسكرية الروسية التركية المشتركة على الطريق، خصوصا مع تكرر استهدافها من قبل جماعة جهادية مجهولة أطلقت على نفسها «كتائب خطاب الشيشاني».
على الضفة الأخرى من سيطرة فصائل المعارضة، وفي سابقة تعكس تغيرا في طبيعة التحالفات في منطقة النفوذ التركية في ريف حلب الشمالي، تحالف الضدان الممثلان بـ «الجبهة الشامية» وفرقة «السلطان مراد» وشكلا غرفة عمليات للتنسيق بينهما حملت اسم القيادة الموحدة «عزم» في تموز (يوليو). وأجبر التحالف باقي الفصائل على الانضمام إلى تلك الغرفة كونها مثلت القوة العسكرية والأمنية التي تعبر عنها «الجبهة الشامية» والرضا والدعم التركي ممثلا بفرقة «السلطان مراد» التركمانية ويقودها فهيم عيسى المقرب من أنقرة. وردت فرقة «الحمزة» وفرقة «المعتصم» (المدعومتان سابقا من برنامج التدريب التابع لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون») وفرقة «السلطان سليمان شاه» والفرقة العشرين وفصائل أخرى بتأسيس تحالف يحميهم باسم الجبهة «السورية للتحرير» لكن التحالف الأخير تعرض لهزات وانسحابات ما يرجح عدم استمراره.
في محور النظام، انفجر الخلاف داخل الحلقة الضيقة للنظام السوري، بعد ظهور رامي مخلوف، رجل الأعمال الأبرز في سوريا وابن خال بشار الأسد في تسجيل مصور نشره على حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» مطلع عام 2020 وهو قيد الإقامة الجبرية في مزرعته بمنطقة يعفور غرب دمشق، حسب ما تحققت «القدس العربي». واتهم أثرياء الحرب بسرقة شركة الاتصالات الخلوية التي يملكها «سيرتيل» وتجويع الناس وشرح الهدف من تطويق شركته وحصاره الاقتصادي. وعاود الظهور عدة مرات قبل ان يتوقف عن النشر في نهاية شهر حزيران (يونيو). وقامت أجهزة الأمن باعتقال عدد من مدراء الشركة وتهديدهم. واتضح من أحاديث مخلوف ان السبب المباشر هو نسبة الضرائب المفروضة على الشركة، وهي نفسها الضرائب التعسفية التي فرضت على أغلب تجار مدينتي حلب وحمص بشكل رئيسي والمتزامنة مع الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة صرف الليرة السورية وازياد العقوبات الأمريكية بعد قانون قيصر الأمريكي.
وفي أيار (مايو) فاز رئيس النظام السوري، بشار الأسد بولاية دستورية رابعة، بعد إصراره على موعد الانتخابات بدون تغير أو انتظار، ورفض العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة. وربح الأسد بنسبة 95 في المئة من الأصوات، أمام منافسين أحدهما يمثل أحد أحزاب السلطة التي يرأسها حزب البعث «الجبهة الوطنية التقدمية» هو عبد الله سلوم عبد الله وحصل على نسبة 1.5 في المئة من أصوات الناخبين، بينما حصل محمود احمد مرعي3.3 من الأصوات. وقال رئيس مجلس الشعب السوري، حمودة الصباغ، خلال مؤتمر صحافي على الهواء مباشرة إن نسبة المشاركة في التصويت بلغت 78.6 في المئة. وقاطعت المعارضة العملية الانتخابية ووصفتها بالمهزلة. كما سجلت نسب متدنية جدا للمنتخبين في دول اللجوء والشتات. ويقدر عدد السوريين في الشمال السوري بنحو 3.5 مليون وفي مناطق سيطرة «قسد» نحو مليونين وتركيا ولبنان والأردن والعراق نحو خمسة ملايين.
وفي وقت سابق من مطلع العام، وبعد تحديد موعد الانتخابات الرئاسية من قبل النظام السوري، رفض رئيس الائتلاف الوطني السابق، ورئيس حركة «سوريا الأم» الشيخ أحمد معاذ الخطيب المشاركة في الانتخابات ووصفها لعبة سياسية إقليمية ودولية لإعادة تعويم نظام الأسد وإكسابه الشرعية التي لم تكن له يوماً إلا بالحديد والنار، حسب تصريح لوكالة «ثقة» المعارضة، ودعى الشعب السوري في الداخل والخارج إلى مقاطعتها.
على مستوى مؤسسات المعارضة، تعرضت «هيئة التفاوض السورية» المعارضة إلى أكبر هزة منذ تشكيلها بوقف الدعم المالي السعودي عنها، والذي أبلغته الرياض بشكل مباشر إلى رئاسة الهيئة. وتسعى الرياض إلى تغيير المستقلين المنضوين في الهيئة بما يعدل ميزان القوى وعدد الأصوات داخل الهيئة لصالحها، بحيث تقلص من دور الائتلاف الوطني المعارض الذي تستضيفه تركيا في إسطنبول وتغطي نفقات أغلب العاملين فيه. ورغم مرور أكثر من سنة ونصف لم يحل الاستعصاء لصالح أحد، وفي سبيل الخروج من الأزمة دعا الائتلاف الوطني، رئيس هيئة التنسيق الوطنية، المحامي حسن عبد العظيم إلى إسطنبول لإجراء مفاوضات استمرت عدة أيام لمحاولة لملمة أطراف المعارضة، فضل الجانبان عدم نشر مضمون التفاهم الذي كلف عبد العظيم بنقله إلى الخارجية السعودية.
في جهة المعارضة، خسرت المعارضة السورية عددا من شخصياتها، أبرزهم المعارض ميشيل كيلو وعبد الحميد الأتاسي حيث توفيا في فرنسا، الأول بسبب فيروس كوفيد-19 والثاني بسبب المرض. وكان الرجلان من التيار الشيوعي المعارض لخالد بكداش الأمين العام للحزب منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، ورغم قرب كيلو من جناح المكتب السياسي الذي مثله رياض الترك، إلا انه بقي مستقلا وأقرب للمفكر الماركسي إلياس مرقص، وعمل إلى جانب الدكتور جمال الأتاسي لتشكيل التجمع الوطني الديمقراطي، أما عبد الحميد الأتاسي فهو من القيادة التاريخية لجناح المكتب السياسي حتى لحظة وفاته. كما توفي المعارض السوري عقاب يحيى، نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري بعد صراع مع مرض السرطان، دفن بإحدى مقابر مدينة إسطنبول رغم وصيته بدفنه في سوريا بمنطقة إعزاز وحال سوء الترتيب وعدم توفر الطيران بدون تحقيق وصيته.
ويعتبر إلغاء الأسد منصب مفتي الجمهورية وفق المرسوم 28 لعام 2021 الذي نص على إلغاء المادة رقم 35 من القانون الناظم لعمل وزارة الأوقاف التي يُسمى بموجبها المفتي العام للجمهوريةـ وشغر أحمد حسون منصب المفتي منذ وفاة الشيخ أحمد كفتارو عام 2004 وبقي كفتارو مفتيا عاما للجمهورية ورئيس مجلس الإفتاء الأعلى منذ 1964. وكان كفتارو أول رجل دين حلبي يصبح مفتيا لسوريا منذ تأسيس المنصب عام 1941 ورابع مفتي للجمهورية بعد شكري راغب الأسطواني وأبو اليسر عابدين وكفتارو.
ثارت ثائرة رجال الدين والمشايخ المعارضين بسبب إلغاء المنصب الذي اعتبر تحديا وتغييرا للهوية الدينية والثقافية السنية للبلد، وخصوصا المنضوين في المجلس الإسلامي السوري وقام المجلس بانتخاب الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً عاما للجمهورية، وهي خطوة لاقت استحسانا لدى الكثيرين حتى في مناطق سيطرة النظام السوري وفي دمشق تحديدا بسبب سمعة الرفاعي الجيدة في الوسط السني الدمشقي وأوساط جمهور المعارضة في الشمال السوري وتركيا واللجوء.
وفي نهايات العام الجاري، عقدت صيغة استأنا بين الأطراف الضامنة الثلاثة روسيا وتركيا وإيران اجتماعها الدوري رقم 17 في العاصمة الكازاخية بدون جديد على الإطلاق.