يتواصل الفنان الحروفي غوري يوسف حسين مع المادة الخطية العربية، وفق رؤى جمالية ومفردات فنية ذات دلالات متنوعة. كما أن البؤر اللونية التي يتخذها مسلكا داخل الحروف، تؤطر المجال الجمالي، بإيقاعات تشكل فيها بعض الزخارف التراثية، وبعض الأشكال ركاما تراثيا دالا على ثقافة الفنان وتوجهه الفني، فهو يتميز بتجربته المائزة في مجال الحروفيات وفن الخط العربي، ليقدم منجزات حروفية غنية بالجماليات التي تتأسس عليها تركيبات الخط العربي.
وهي تجربة تنبثق من أسلوبه المميز، الذي يتناغم فيه الخط العربي بتجلياته المتعددة مع كل المفردات الفنية الهندية، والعناصر الجمالية، من إيقاعات وأشكال وحروفيات ونقاط وألوان، حيث يمزج المبدع بين أشكال الخط وأساليبه المتعددة في الوضع والتركيب، وهو المتضلع في فنيات الخط العربي، الشيء الذي يجعله يبتدع إحداثات وصيغ جمالية بأسلوبه التراثي الجميل. فأعماله في مجملها تحكمها الصيغ التقليدية للخط ويحكمها الالتزام بالضوابط والتقييدات الجمالية. وتعتبر عمليات التركيب الحروفي، وتركيب الأشكال المدمجة في الفضاء نسيجا كليا مقيدا في عمقه بالقواعد المتعارف عليها في الخط العربي، وهو ما يؤشر إلى أن الفنان غوري يوسف حسين يلتزم بتلك الضوابط وفي الآن نفسه يجدد وفق رؤاه الفنية والجمالية، ويجعل للحرف حرية لطيفة داخل الفضاء، فهو يطوع الحروف طبقا لشكل الفضاء، وتماشيا مع مختلف الأشكال، ويطوع اللون المناسب للشكل المناسب وللخدمة الحروفية المناسبة، ويشكل مساحة فنية من التناسق بين الأشكال والخطوط وبين المادة الخطية المعاصرة، بل إنه يجدد في المجال الخطي على قدر وافر من الإبداع، سواء تعلق الأمر بالاعتماد على الشكل الخطي القديم، أو الأشكال الخطية والحروفية الجديدة.

وبذلك يطرح أعماله ضمن سياق التعبير بالثنائيات، فيضع المادة الحروفية في مفارقة فنية، تفضي إلى توليفة تشكيلية، وهذا ينم عن تجربة المبدع وخبرته الواسعة في مجال الخط العربي وفنياته، وخبرته كذلك بالمجال الحروفي المعاصر، لذلك فهو يتجه نحو التعبير بخطوط ذات حركات وأشكال بأقل كمية، ليحقق بها البعد الفني للحرف وللشكل الجمالي، فهو يبدع وينوع في الشكل وفي التموقع داخل الفضاء، وهي مكونات تخصب الأسلوب الذي ينهجه الفنان بقدر ما تستدعيه أعماله الخطية.. إنه يرسم العلاقة بين جماليات الخط وجمالياته الفنية والتعبيرية.
وفي هذا المنحى نجد نوعا من التوازن الإبداعي، حيث يتبدى التوليف باديا بين مختلف العناصر المكونة لأعماله. وهو ما ينم عن قدرة المبدع على التعبير بالخط العربي واللون والشكل، لتتحقق تجربته في نسيج خطي وأسلوب دال على مرامي جمالية حابلة بالتعابير تؤثث المشهد الثقافي الهندي والعربي والعالمي، باعتبار الخط العربي أسمى قيمة جمالية، ترسم أنبل الصور الاجتماعية والروحية والثقافية.. وهو أيضا وسيلة رمزية تغذي اتجاهات المبدع الفكرية والثقافية والفنية، بقدر ما تشكله أعماله من تقنيات عالية، ومن غنى جمالي يتوغل أحيانا في حقب معينة من التاريخ العربي الإسلامي، ليصل بالصورة الخطية البصرية إلى قيمة فنية ذات أبعاد دلالية.
إن أعمال الفنان غوري يوسف حسين تظهر فيها اجتهادات نابعة من الثقافة المحلية المتشبعة بالمجال الخطي المحلي، والمؤثرات الجمالية للفن الهندي التي تصب في الثقافة الجديدة، ما ينتج عنه أسلوب بديع ينبض بأشكال إبداعية تروم الابتكار والتجديد.
كاتب مغربي