بيروت – «القدس العربي»: أقوال كثيرة صيغت بحق الملح بينها الإيجابي والسلبي. دخل الأمثال الشعبية منذ وجدت البشرية. نحبه ونستسيغ مذاقه، ولا نستلذ الطعام من دونه. فيما يوصي الطب الحديث بإبعاده عن طعام الأطفال حفاظاً على الكليتين في مرحلة النمو. فئة من البشر تبقى ممنوعة منه خاصة من يعانون من أمراض ضغط الدم والكلى.
إذا كان «الخبز والملح» عاملين يوطدان علاقة البشر فيما بينهم، مضافاً إليها مقولة إن «الخبز والملح لا يتقاتلان» لطرحنا فكرة توزيعه على نطاق واسع لننعم بقليل من السلام على هذه الكرة. وعندما تلألأ الملح كما حبات الكريستال في معرض بيروتي حمل عنوان «يا أهل الدار» حفّز لطرح السؤال على منتجه حافظ جريج الآتي من أنفا في الشمال، والمشهورة بملاحاتها منذ فجر التاريخ.
لماذا كل هذا الإشعاع في الملح الذي تنتجه؟ رداً على السؤال يعود حافظ جريج إلى كتب المؤرخين ويقول: حسب مؤرخ ألماني ورد ذكر الملح بأشكال متنوعة بدءاً من حقبة الفينيقيين وصولاً إلى الاستقلال. لهذا هو إنتاج تراثي. قبل سنة 1975 كان الإنتاج يكفي الاستهلاك المحلي. كانت الحاجة لـ50 ألف طن، وانتاج انفا وحدها كان 35 ألف طن، وما تبقى يتوزع على طول الشاطئ اللبناني وصولاً إلى الناقورة. إثر انتهاء الحرب الأهلية تراجعت نسبة الإنتاج المحلّي، وزادت نسبة الاستهلاك، فكان الاستيراد من سوريا ومصر. وبما أن أنفا هي عاصمة الملح عبر التاريخ فهي تنتج ملحاً أبيض ناصعاً يشبه ثلج لبنان. وهذا الإنتاج يساوي فقط 10 في المئة مما كانت تنتجه سنة 1975. فكثيرون هجروا المهنة.
نسأل حافظ جريج عن محاصصات الشاطئ اللبناني وإن كانت شهوة الفاسدين وصلت إلى ملاّحات الشمال لتحويلها إلى مرافق سياحية غير شرعية؟ يقول: كما سبق القول فالملح صناعة متجذِّرة في التاريخ منذ الفينيقيين. وفي عهد الاستقلال طلبت المراجع المعنية سنة 1952 تصريحاً بعدد الأمتار التي يستثمرها كل منتج للملح بهدف دفع الرسوم السنوية. وهكذا نمتلك إيصالاً بأننا مستثمرون. صحيح نحن نستثمر ملكاً عاماً، لكن الملاّحات على ساحل انفا مع اجرانها محفورة في الصخر منذ بدء التاريخ. إنها آثار، والآثار ليست تعديات. والملاحات لا تقطع النظر عن الشواطئ البحرية ولا تلوثه. ولا تمنع الوصول إلى البحر كما المشاريع البحرية. إذاً الملاّحات هي جزء من البحر وشكلت حزام أمان بوجه أي مشروع يريد التقدم إلى البحر. وقد حافظت على رأس الناطور كمنطقة ذات نظام بيئي خاص، وتُصنّف عالمياً بمنطقة رطبة. ورداً على سؤالك الأول عن سبب إشعاع الملح، فنحن قد نكون الوحيدين في العالم ننتج الملح من على الصخر. ملح العالم إما يأتي من المستنقعات، أو من على التراب، وتالياً يميل لونه إلى الرمادي.
حافظ جريج ينتج عدّة أنواع من الملح يعرّفنا إليها: إن كمية مجففة تماماً من مياه البحر تعطي ملح الطعام ممزوجاً بالملح المر والملح الثقيل، وهما غير صالحين للطعام. لهذا نعرف بأن ملح البحر يحتاج للتكرير، في حين يختلف العمل التقليدي في انتاج الملح في ساحل الكورة – أنفا. نأتي بماء البحر إلى الملاحات، وكل مئة ليتر ماء تنتج 3 كيلو ملح، وهو عمل غير اقتصادي. ومن خلال الخبرة العملية تبين أن التبخر الأول والثاني والثالث للماء، يعطي كمية أكبر من الملح وفي خلال فترة زمنية أقل. يبدأ موسم الملح من حزيران/ يونيو وينتهي في تشرين الأول/ أكتوبر، وعندها تتبخر المياه بواسطة حركة الهواء وحرارة الشمس. ومع الهواء الغربي يتكون الملح الخشن. ومع الهواء الشرقي تتكون زهرة الملح على وجه كافة الأجران، وتظهر في مشهد جميل جداً، عائمة على وجه الماء وهشّة للغاية، وصافية ونقية.
لماذا الزهرة صافية ونقية أكثر من الملح الخشن؟ يشرح جريج: كما سبق القول إنه مع الهواء الغربي يتكون الملح الثقيل الخشن في قعر الجرن وهو لا يدخل الصناعات الغذائية. يُكنس بكل امانة لتأمين جودة الملح، ويُعاد إلى البحر. وبعد أيام ثلاثة يلد ملح الطعام الذي يشبه حبة الحمص أو العدس حسب قوة الهواء. نجمعه مع قليل من الماء، فلا يصح أن يجف إلى نهايته فذلك سيؤدي لاحتوائه على الملح المر. يُجمع هذا الملح أكواماً هرمية في الأجران في منظر ابيض جميل، يُصفّى من المياه، ومن ثمّ يوضع في أكياس قماش، أو في سلال القصب، ويرفع على الواح خشبية إلى حين افراغه كلياً من المياه. هذا هو التكرير أو التحرير اليدوي الطبيعي لملح الطعام من الملح المر والثقيل، ويبقى من 1 إلى 2 في المئة فقط وليست مضرة للصحة. ملح الزهرة أصفى وأنقى لأنها تطفو على سطح الماء ولا تتضمن ملحاً لا مراً ولا ثقيلاً.
وعن استعمالاتها؟ يقول جريج: تُطلب في الصيدلة، وقناعاً للوجه، وتدخل صناعة بعض مواد التجميل، فالملح هو أم الحضارات.
وكيف تفسر إذاً نصيحة الابتعاد عن «الأبيضين الملح والسكر»؟ هو مثل صحيح ضمن حدود يقول جريج. ويتابع: حتى العسل فإن أكثرنا منه سيكون مضراً. من سيبالغ في تمليح الطعام سيسبب الضرر لنفسه. الملح لا يتسبب بضغط الدم، لكنه يفاقمه لدى المريض. دم الإنسان ودموعه وعرقه جميعها تتضمن الملح، لأنه يشكّل مادة اساسية في توازن الجسم.
حافظ جريج الملاح منذ الطفولة، درس الحقوق والتربية، وكتب المقالة في بعض الصحف المحلية، وكتبت القصة القصيرة والشعر. حالياً بات الفيسبوك يشكل تواصله الواسع مع الآخرين.