مقتدى الصدر أمام احتمالين أحلاهما مرّ ومخاوف من تحوّله عنواناً للغضب الآتي

رلى موفق
حجم الخط
1

يقولُ أحد السياسيين العراقيين إن الفوزَ الذي حققه التيار الصدري في الانتخابات البرلمانية بتصدره النتائج (73 مقعداً من أصل 329 مقعداً) هو أعلى ما يمكن أن يُحصِّله الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وأنه يعلم علم اليقين أنه لا يستطيع الحفاظ على هذا الموقع إنْ لم يُقدِّم للناس إنجازاً ملموساً، وأنه إذا فشل سيكون عنواناً للغضب، ولا سيما أن الرجل خَبِر بدقة التحركات الاحتجاجية، التي كان جزءاً منها، قبل أن ينقضَّ عليها، ويُدرك تماماً أن عوامل تفَّجر الشارع قائمة.
الوضع مُعقد، ذلك أن الصدر أمام خيارين أحلاهما مُـرّ: إما تشكيل «حكومة توافقية» ما يعني – وفق القاموس السياسي – «حكومة محاصصة» على شاكلة الحكومات السابقة، لن تُفضي إلا إلى ما هو أسوأ على مستوى الخدمات والوضع الاقتصادي والبطالة والفساد، وعندها لن تقفَ الناسُ مكتوفة الأيدي؛ وإما تشكيل حكومة أغلبية كما يُريدها، ما سيُدخله عندها في خلافات وصراعات على المناصب والمكاسب والمصالح على مستوى قمة السلطة، فاذا لم يتبنَ برنامجاً إصلاحياً واضحاً يضع في مقدمته مطالب الناس وحاجاتها، فإنه سيلاقي عندها مواجهتين، مِن الشَّارع، ومِن الخصوم المتصارعين على السلطة. غير أن رؤية الناس لبرنامج ونجاحات في التنفيذ سيُشكّل له السدَّ المنيع في وجه كل محاولات الالتفاف عليه وإفشاله.
يُدرك الصدر أنه لا يستطيع أن يتفرَّدَ وحيداً بالحكم على مستوى «البيت الشيعي». وفق عارفيه، هو لن ينحو في الاتجاه الذي يدفع الأحزاب والفصائل الشيعية إلى التكتل ضده، بل هو ذاهب إلى اختراق قوى «الإطار التنسيقي» الذي ضمَّ الخاسرين والمعترضين على نتائج الانتخابات. رافِعَةُ تلك القوى هي رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، الذي حل ثالثاً بفوزه بـ34 مقعداً، ويطمحُ إلى قلب الطاولة على الصدر في حال عدم موافقة الأخير على السير في حكومة محاصصة.
لصيقون بـ«محور إيران» يعتبرون أن المالكي هو الرجل الموثوق من قبل إيران وصمَّام الأمان لها ولأذرعها. يُقرُّون بأن ظروفه صعبة. وجلَّ ما لديه لا يعدو كونه فرصة عابرة شديدة السرعة، إنْ التقطها في التوقيت المناسب قد يَعبرُ إلى رئاسة الوزراء، لكنها فرصة محفوفة بالمخاطر؛ فالذهاب إلى تشكيل أكبر كتلة في البرلمان لقطع الطريق على الصدر، لا يعني فقط دفع الأخير إلى صفوف المعارضة في البرلمان، بل فتح الباب أمام تأزيم المشهد العراقي وجرّ البلاد إلى الانفجار. تلك الخطوة، يقول هؤلاء، لا يمكن أن تتمَّ سوى بقرار من طهران، التي تحظى أيضاً بنفوذ ضمن المكوّن الكردي عبر الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني، والمكون السُّني عبر رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي الذي خاض الانتخابات بـ«تحالف تقدم» وحل ثانياً (38 مقعداً).
هذا «السيناريو» هو وصفة انتحار إيرانية، برأي متابعين عراقيين. فطهران، من جهة، متيقنة من أن هناك موقفاً عراقياً شعبياً ضدها. فمزاج الشارع الشيعي ليس في صالحها، وقد عاقبَ هذا الشارع الأحزاب والفصائل الملتحقة بها، كما أن مزاج الشارع السُّني مُعاد لها، فيما الحالة الكردية لها خصوصيتها. وهي من جهة ثانية، لن تُخاطر بخسارة كل أوراقها من خلال إخراج التصادم إلى العلن. وبالتالي، ستلجأ إلى لعبة تدوير الزوايا، بما يجعلها تحافظُ على قدر معقول من الامتيازات والمصالح. وهذا أمر يفهمه الصدر ويُراهن عليه، ذلك أن أي معارضة علنية له ستُؤجج الموقف في وجهها، شعبياً ورسمياً، وستُراكم من خسائرها.
ما يُجمع عليه المتابعون أن العراق أمام فرصة حقيقية للخروج من التخندق الطائفي. يقولُ سياسي عراقي مُعارض لنظام صدام حسين إن النظام السابق كان نظاماً ديكتاتورياً قمعياً، لكنه لم يكن بالمعنى العميق نظاماً طائفياً، وإن العراقيين على مستوى الناس يتمسّكون بوحدة العراق ودولة المواطنة، رغم النزعات الطائفية والمذهبية التي جرى العمل على زرعها بعد سقوط النظام. والفرصة تكمن في حكومة أغلبية سياسية تضمُّ ممثلين عن المكوّنات العراقية وأقلية برلمانية من كل المكونات تُراقب وتُحاسب.
لكن هؤلاء يُحذِّرون من محاولة استنساخ «تحالف سنّي موحّد» على غرار التحالف الكردي عند التفاوض مع المركز على الحصص والمكاسب. فمع الكلام عن اتفاق بين «تقدّم» بزعامة الحلبوسي، و«عزم» بزعامة خميس خنجر، وعن وحدة الكرد، يجري الضغط بشكل غير مباشر على الصدر ووضعه في خانة أنه يُفكّك الوحدة الشيعية، وأنه يذهب إلى الحكومة ليكون الطرف الشيعي الضعيف في وجه وحدة الآخرين. وهو أمر غير حقيقي، والوحدة المزعومة هي وحدة مصطنعة، ذلك أن الاختلافات والتباينات الداخلية، سواء بين السُّنة أو بين الأكراد كثيرة، ولن تؤول محاولات التوحّد على أسس طائفية إلا إلى تكريس التركيبة الطائفية والنظام الطائفي، الذي سيكون الجميع فيه خاسرون، وفي مقدمهم السُّنة.
تصديقُ المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات وتقبُّل الأطراف الخاسرة، طوى صفحة الانتخابات، وفتح الباب أمام رسم المسار المقبل للعملية السياسية. السُّنة والأكراد سينتظرون ما ستُسفر عنه محادثات «البيت الشيعي». في المعلومات أن قبول الصدر لـ«تحالف ما» مع المالكي أمر أقرب إلى المستحيل راهناً. يمكنه إيجاد أرضية مشتركة مع «تحالف الفتح» بزعامة هادي العامري، وحتى مع «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلى رغم الخلافات التي بين الرجلين، ويمكنه ضم آخرين من «الإطار التنسيقي»، بما يُوفّر له مروحة من الدعم داخل «البيت الشيعي» في مقابل خروج المالكي من جنّة السلطة.
غير أنه من الصعب، مع تعقيدات الواقع العراقي، الجزم بمآلات الأمور والمدى الزمني الذي يمكن أن تأخذه عملية تأليف الحكومة، وعلى مَن سترسو رئاسة الوزراء. ثمّة مَن يؤكد أن رئيس الحكومة المنتهية صلاحياته مصطفى الكاظمي لا يزال كلمة السر الأمريكية، لكن هناك رأياً عراقياً آخر بأن العامل الأمريكي اليوم أضعف من العامل الإيراني، وأن التفاهم بين الصدر وجزء من «الإطار التنسيقي» سيُطيح بورقة الكاظمي غير المقبول من تلك القوى.
الأكيد أن أحداً غير قادر على القول إن العراق على مشارف الحلول؛ فالأزمات متشعبة وعناوينها لا تقتصر على تلبية حاجات الناس، فيما الصراع الدائر على أرضه لا يزال مستعراً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية