الفيلم البرازيلي «7 سجناء»: براءة الإنسان يمسخها القمع وفساد السلطة

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

منذ بداية خمسينات القرن الماضي نشط في البرازيل مجموعة من السينمائيين كانوا يميلون وبقوة إلى اقتفاء أثر الواقعية الإيطالية والموجة الفرنسية الجديدة التي جاءت بعدها بزمن قليل، فكانت محاولاتهم أكثر ارتباطا بالواقع، ومنسجمة من حيث منهج العمل مع مقولة كلوبر روشا أحد أعمدة الموجة الفرنسية الجديدة: «كاميرا في اليد، فكرة في الرأس» بمعنى أنهم وضعوا مسؤولية إنتاج فيلم جيد على عاتق المخرج الذي لابد من ان يكون صاحب رؤى قبل ان يقدم على أي عمل، ولا فرق هنا من حيث المبدأ ما بين العمل في السينما والنضال في الحياة السياسية من أجل التغيير. فالمراهنة إذن على أولوية الأفكار التي ينبغي على الفيلم ان يطرحها. تلك كانت البداية لصناعة أفلام برازيلية تحظى بتقدير من قبل الجمهور، لأنها تطرح في خطابها الفني مضامين ثورية تستجيب لتطلعات الشرائح الاجتماعية المسحوقة، فبدا هذا المسار من الأفلام، ملبيا لفكرة الالتزام الذي ينبغي ان تعبر عنه الفنون وفي مقدمتها السينما لانها الأكثر قدرة على التأثير بالجمهور، وعلى الرغم من ان هذه الموجة كانت تعيش فترة ازدهارها خلال حقبة الستينات والسبعينات، وتراجعها في ما بعد، إلاَّ انها ما تزال تشغل اهتمام السينمائيين في هذا البلد نظرا لان قضايا مثل الفقر والقمع والاستغلال والتفاوت الطبقي ما زالت تشكل حلقات جوهرية تعصف بالمجتمع البرازيلي، يضاف إليها ما استجد مثل قضية الإتجار بالبشر التي تناولها «7 سجناء». وهنا لابد من الإشارة إلى ان مخرج الفيلم الكسندر موراتو (مواليد 1988) درس السينما في الولايات المتحدة الأمريكية وأثناء دراسته التقى بالمخرج الأمريكي الإيراني رامين بهراني، وعمل معه مساعدا في أحد مشاريعه السينمائية، ويعد موراتو من الجيل السينمائي الشاب الذي حافظ على الاهتمام بعناصر هذه السينما التي تتصدى بأبسط الامكانات لموضوعات إنسانية تحمل أبعادا اجتماعية وسياسية وفلسفية، ونال فلمه الأول «سقراط» العديد من الجوائز.
فيلم «7 سجناء» إنتاج نتفلكس2021 يحيلنا إلى حقيقة التعامل الوحشي الذي يختفي خلف قضية الإتجار بالبشر، في مناطق كثيرة من العالم، وفي مقدمتها البلدان البرازيل، التي تدور فيها أحداث هذا الفيلم، وجاءت حبكتة مصاغة على قدر عال من النضج بالشكل الذي أظهرت تفاصيل شديدة القسوة عما يتعرض له البشر، خاصة الشباب الذين تدفعهم الظروف الاقتصادية البائسة إلى ان يغامروا بحياتهم من أجل ان يحققوا أحلامهم بحياة مرفهة، كما هو الحال عند الشخصية المحورية ماتيوس 18عاما.
من اللقطات الأولى تتابع الكاميرا ماتيوس وهو يمضي أيامه الشقية في الريف بين أفراد عائلته الفقيرة، ولم يكن لديه طموح سوى أن يدرس في الكلية ليصبح مهندسًا، ولأجل ذلك يقرر السفر إلى العاصمة ساوباولو بعد ان حصل على عمل عبر أحد الوسطاء مع ثلاثة شبان آخرين، إيزيكيل (فيتور جوليان) وإيزيك (لوكاس أورانميان) وصموئيل (برونو روشا) كانوا يتشابهون معه في الفقر، فينطلق بهم باص الوسيط من الريف نحو العاصمة، وما أن يصلوا حتى يجدوا أنفسهم في مرآب كبير لتجميع الخردة، وشيئا فشيئا يكتشفون بأن الوسيط قد خدعهم، وانهم قد سقطوا في تجربة أشد مرارة من أوضاعهم في الريف، فبدا وجودهم في المكان الجديد وكأنهم سجناء، عندما لاحظوا الجدران العالية للمرآب محاطة بأسلاك شائكة، والغرفة المخصصة لمبيتهم تفتقد لأبسط الاحتياجات الإنسانية، فيترسخ لديهم الشعور بانهم قد وقعوا في محنة أكبر من التي هربوا منها، خاصة بعد ان وجدوا صاحب العمل لوكا(رودريجو سانتورو) يحمل مسدسًا، ويقفل عليهم باب المرآب بشكل دائم ليمنعهم من الخروج إلى المدينة بعد ان ينتهوا من عملهم يوميا، وازاء حالة الاحتجاج التي عبر عنها ماتيوس لجأ لوكا إلى ان ينتزع منهم بطاقاتهم الشخصية وهواتفهم حتى يقطع أي صلة لهم بالعالم الخارجي، فشعروا بالهزيمة أمام جبروته، ولم يكن أمامهم من خيار سوى ان يستمروا بالعمل الشاق إلى ان تحين الساعة التي يستطيعون فيها الهرب من المكان الذي تم احتجازهم فيه، هذا ما توصل إليه ماتيوس، الذي تميز عن زملائه بالذكاء والقوة واقنعهم به، لكن جميع محاولاتهم بالهروب باءت بالفشل.
القوس العاطفي لحبكة الفيلم يأخذ منعطفا دراميا حادا عندما يبدأ ماتيوس بالانخراط في عالم لوكا القذر، بعد ان خيّره ما بين ان يصطف إلى جانب زملائه وبين أن يصبح مساعدا له فيتمكن من تحقيق أحلامه بالثراء، فينجح بالتالي في ان يستميله إلى جانبه، ليصبح جزءا من أدواته.
نحن أمام صورة أزلية للصراع الأخلاقي الذي يواجهه الإنسان، في لحظة فاصلة قد تمر على حياته، حيث تمتحن فيها مبادئه وقيمه التي تربى عليها وآمن بها، فإذا به يقف متأرجحا بين الظلمة والنور، وبين ان يكون ظالما أو يبقى مظلوما، وفي هذا السياق الدرامي ينجح السيناريو في رصد التحولات النفسية المركبة في شخصية ماتيوس، فبعد ان كان متمردا على بشاعة الاستغلال، فإذا به ينجرف إلى الضفة الأخرى، منحازا إلى الحل الفردي، متخليا عن شخصية الشاب الطيب الشجاع ليستحيل إلى نسخة شبيهة من لوكا، وقد تجسد ذلك في واحد من أكثر المشاهد تأثيرا في الفيلم عندما يطارد ماتيوس أحد زملائه في شوارع المدينة لمّا وجده ينجح في الهرب من المرآب، وما أن يتمكن منه لم يتردد في خنقه حتى كاد ان يفارق الحياة، فيعيده مقيدا إلى نفس المكان الذي كان يحلم هو نفسه بالخلاص منه.
بعد مشهد المطاردة يكون ماتيوس قد اجتاز مرحلة البراءة ليسقط في عتمة عالم متوحش، لا يتردد فيه الإنسان من ان يسحق كل شيء أمامه لأجل ان يبقى على قيد الأمل في ان يحظى بحياة الثراء التي جاء من أجلها، ولهذا يدفع ماتيوس بأفراد من عصابة لوكا لتسجيل فيديو وهُم يهددون بقتل والدة أحد زملائه في العمل إذا ما حاول الهرب، ولما وصل إلى هذه اللحظة الفاصلة، لم يعد معنيا بمشاعر الاحتقار التي أخذ زملاؤه يواجهونه بها، فالمهم بالنسبة إليه انه كسب ثقة لوكا، وتمكن من الحصول على فرصة الدخول إلى عالمه الذي يعج بالأثرياء ورجالات السياسة، وبات يعتمد عليه في كل الاعمال التي ينجزها حتى انه أدخله إلى بيته وعرّفه على والدته وزوجته وجلس إلى جانبهم وتناول معهم الطعام كما لو انه واحد منهم.

سيكولوجية القمع والتمرد

نحن أمام شريط سينمائي يرصد بإدارة تصوير ذكية، كيف تتحول سيكولجية الإنسان المتمرد على القهر تحت آلة القمع والإرهاب إلى شخصية تقف على النقيض منها، تدفعه إلى ذلك خشيته على عائلته من ان تقع تحت آلة التهديد من قبل سلطة غاشمة، يمثلها لوكا صاحب العمل، المرتبط بعلاقة شراكة مع رجالات السياسة، وبناء على هذه الضغوط يتحول الشاب الطيب ماتيوس إلى وحش، مستظلا بشخصية المجرم لوكا، دفاعا عن مصالحه الذاتية التي جاء من أجلها.
الفيلم بهذه الدلالات يتطرق بلغة موحية إلى واقع عام يسود معظم البلدان التي ينوء فيها الفرد تحت أنظمة تكرس واقعا مزريا، وتحرص على إدامته بأدواتها القمعية، ليستحيل البشر بفعل الخوف منها، إلى كائنات ممسوخة، لديها الاستعداد ان تسحق بعضها، حتى تنعم بفرصة حياة خالية من الفقر والبؤس الذي تغرق فيهما.
ويرتقي خطاب الفيلم إلى مستوى ناضج من التعبير السينمائي في استبطانه دواخل الشخصيات بلقطات قريبة التقطت ما ينعكس على وجوهها من دلالات الانسحاق تحت آلة العبودية، ليقدم لنا حكاية بشر باحثين عن حياة أفضل، وما تنتهي به مغامرتهم إلى السقوط في قبضة نظام يكرس الفساد، بفعل التواطؤ بين حلقاته المتعددة، ابتدأ من تجار الخردة وانتهاء برجال السلطة.
حبكة الفيلم

أهمية الفيلم الفنية، تتجلى في تقديم حبكة سينمائية واقعية، عن الظروف البائسة التي تضع البشر في حالة من الاختبار القاسي، تكون فيها مشاعرهم وقناعاتهم في حالة امتحان بين ان يستمروا على إنسانيتهم التي فطروا عليها أو أن يتحولوا إلى كائنات تمارس العنف بنفس الصورة التي كان يُمارسها عليهم أسيادهم. هذه المعالجة جاءت وفق رؤية استحضر فيها سيناريو الفيلم بشفافية عالية، ثناية الشر والخير، بعيدا عن التنميط الجاهز في تناول الشخصيات. فكانت ساحة الخردة ميدانا لتعرية البنية الاجتماعية المعبأة بحطام من المشاعر الإنسانية، إذا ما خضع البشر لسلطة تسلبهم أحلامهم، وتحيلها إلى أشلاء، حال الخردة التي يتاجر بها لوكا.
من اللحظات المؤثرة دراميا، اللقطة التي ينظر فيها ماتيوس مع زملائه من خلف الأسلاك الشائكة التي تحيط بهم في ساحة الخردة إلى ناطحات السحاب، فكانت نظرتهم اختزالا مكثفا للحلم الجميل الذي جاءوا من أجله وبدل ان يرتقوا إليه، سقطوا أشلاءً مثل الخردة التي يعملون فيها.
وإذا ما تعلق الأمر بالممثلين، فإن الممثل كريستيان ماليروس الذي أدى شخصية ماتيوس، وجه أنظارنا إلى ما يمتلكه من موهبة غزيرة في أدواته التعبيرية، حتى يحيلنا إلى كثافة التحولات النفسية التي رافقت الشخصية في مسارها الدرامي المعقد، كما نجح الممثل رودريغو سانتورو في دور لوكا بقدر كبير من الاقناع والتأثير، من غير ان يبدو عليه انه كان يبذل مجهودا، وبدون شك فإن إدارة المخرج لفريق التمثيل وخاصة الشباب الصغار، تميزت بقدرته على ان يحتفظوا بعفوية أدائهم للشخصيات بينما هي تعيش مشاعر متداخلة ما بين التمرد والقلق والخوف والشعور بالعجز والإحباط. وسبق للفيلم ان ترشح لجائزة النقاد في مهرجان فينسيا بنسخته الأخيرة هذا العام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية