لندن ـ «القدس العربي»: على النقيض من توقعات أغلب أهل الأرض، بأن عام 2021 سيكون عام سحق العدو الخفي «كوفيد – 19»، تفاجأ الجميع بالواقع الصادم، بتكرار مشاهد عام 2020، التي تفوح منها رائحة سكرات الموت والذعر من الغد، بتلك القفزات المرعبة في الحالات الإيجابية، التي أخذت في طريقها نجوما ومدربين وموظفي أندية كرة القدم، ومنخرطين في الرياضة بوجه عام، وتجلى ذلك في وصول أعداد المصابين إلى نسبة تلامس فترات التفشي العظمى في الموجة الأولى، الأمر الذي خلط أوراق منظومة اللعبة بأكملها، وتسبب في عودة التخبط، بصورة شبه كربونية لبدايات أطول فترة توقف إجباري في تاريخ معشوقة الملايين، عقب إعلان فيروس كورونا جائحة عالمية من قبل منظمة الصحة.
ناقوس خطر
قرعت طبول الحذر والترقب من اجتياح متحور «أوميكرون» في الدوري الإنكليزي الممتاز، وبالتحديد بعد تحول أكثر من فريق إلى بؤرة تفشي للوباء، منها في البداية توتنهام ومانشستر يونايتد وواتفورد، ما تسبب في عودة ظاهرة التأجيلات إلى أجل غير مسمى، كما اضطرت رابطة البريميرليغ الى تأجيل مباريات الفرق الموبوءة (برايتون × توتنهام)، و(برينتفورد × مان يونايتد) و(بيرنلي × واتفورد) في الجولتين السادسة عشرة والسابعة عشرة للدوري، قبل أن يتأذى الجميع في مهد كرة القدم في النصف الثاني لديسمبر / كانون الأول، تأثرا بالتعديلات الإجبارية على بروتوكولات الوقاية والحضور الجماهيري من جانب، ولإصرار الرابطة على ضغط مباريات الفرق من جانب آخر، لا سيما بعد اعتماد قانون إلزام المدربين على خوض فرقهم المباريات، حتى لو كان عدد المتاحين في القائمة 14 لاعبا فقط بجانب الإبقاء على قانون استخدام ثلاثة تغييرات فقط، ما أثار غضب المدربين، خصوصا الأجانب الذين وضعت الظروف في مواقف لا يُحسدون عليها.
يأتي في المقدمة الألماني توماس توخيل مدرب تشلسي، بعدما أجبر على استدعاء أكثر من 10 مراهقين من أكاديمية البلوز، بعد تفشي «أوميكرون» في غرفة خلع ملابس «ستامفورد بريدج»، تزامنا مع رفض طلب النادي اللندني بتأجيل مباراته مع ولفرهامبتون، التي خاضها في النهاية بقائمة مكونة من 14 لاعبا، واتهم بعدها بالمقامرة بصحة اللاعبين. وبالمثل عبر الإيطالي أنطونيو كونتي مدرب توتنهام، في وقت سابق عن استيائه مما وصفه «تجاهل» شكوى ومخاوف مدربي جُل فرق البريميرليغ حول جدول المباريات المزدحم في فترة الاحتفال بعيد الميلاد ورأس السنة الجديدة، التي تشهد موجة جديدة من حالات الإصابة بكورونا المتحور، حتى أنه اعتبر اجتماع رابطة البريميرليغ «مضيعة للوقت»، رغم أنه كان محظوظا بتأجيل مباراتي برايتون وليستر سيتي، قبل أن تتسع دائرة التأجيلات الى 15 مباراة كاملة عشية جولة «البوكسينغ داي»، وسط صرخات تتعالى من مدربين أجانب آخرين، أحدهم وهو بيب غوارديولا، استخدم أسلوبه «الفلسفي» في تمرير رسائله، بتحريض اللاعبين في المستقبل، على التوقف في فترة عيد الميلاد، كما يستمتع كل البشر بأوقاتهم مع أسرهم وعائلاتهم في هذه الفترة المقدسة في العام.
مشاهد جديدة
مع اجتياح فيروس كورونا لأندية إنكليزية وأوروبية في الآونة الأخيرة، تعالت حملات التشكيك والطعن في البيانات الرسمية الصادرة عن اتحادات الدوريات الأوروبية الكبرى بشأن أرقام اللاعبين المطعمين بلقاح كورونا، ذاك الملف الذي فجرته صحيفة «نيويورك تايمز»، بالحصول على مستندات ووثائق، تُفيد بأن العديد من نجوم الصفوة في الدوري الإنكليزي الممتاز، يمتنعون عن تلقي اللقاح، على عكس ما نشره الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم عن وصول ما مجموعه 84 % من اللاعبين والموظفين في رحلة التطعيم، وسبقهم الاتحاد الإسباني للعبة بتغطية بلغت 95 %، وبالمثل في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا بنسبة مقاربة، وفقا للمصادر التي رفضت الإفصاح عن هويتها للصحيفة الأمريكية، فإن بعض المترددين في أخذ اللقاح، خائفون من مواجهة مصير كريستيان إريكسن وسيرخيو أغويرو، بحدوث مضاعفات على القلب، كما تروج الشائعات المحدثة دوما في الصحف والإعلام الجديد، والبعض الآخر يخشى من أسطورة تأثر عدد الحيوانات المنوية وانخفاض الفحولة عموما، استنادا إلى مسح أجرته صحيفة «تايمز» على لاعبين لم يتم الكشف عنهم.
وما يعزز صحة هذه الافتراضية، أن بعض المباريات التي تم تأجيلها في الموجة الأخيرة، لم تكن بسبب الحالات الإيجابية فقط، بل أيضا لخضوع غير الملقحين للعزل الذاتي، كما يقتضي القانون البريطاني، بعد تحديدهم على أنهم على اتصال وثيق بحالة مؤكدة، ولأن القانون لا يعطي الأندية حق إلزام أو إجبار اللاعبين على تلقي اللقاح المضاد لفيروس كورونا، للتخلص من هذا الصداع حتى إعلان نهاية الجائحة، بدأت الإدارة في البحث عن حلول أخرى خارج الصندوق، منها ما هو متداول على نطاق واسع في الآونة الأخيرة، بأن إدارات الأندية ستلزم اللاعبين ببند رئيسي في العقد، بتلقي كل لقاحات فيروس كورونا، أو تقديم ما يُثبت حصوله عليها، وذلك بأثر فوري من صفقات ميركاتو الشتوي في يناير / كانون الثاني الجاري، وأيضا مع اللاعبين الذين يناقشون عقودهم الجديدة، ما يعني أننا قد نسمع أو نشاهد نوعية جديدة من الانتقالات، برحيل لاعب من ناديه أو تعثر مفاوضات ذهابه لمكان جديد، لأسباب تتعلق بلقاح كورونا ومتحوراته التي لا تنتهي.
اللقاح والموت المفاجئ
لاحظ عشاق كرة القدم، ارتفاع ظاهرة موت اللاعبين المفاجئ داخل المستطيل الأخضر، بفقدان ما لا يقل عن 5 أو 6 أسماء على الهواء مباشرة في نهاية العام المنقضي، آخرهم فاجعة العماني مخلد الرقادي والجزائري سفيان لوكار، وهذا ما فتح الباب على مصراعيه للقيل والقال حول علاقة لقاح كورونا بهذه الحالات، الى جانب حالات الاختناق التي تضاعفت نسبتها بين اللاعبين في الآونة الأخيرة، حتى أن الكثير من المؤسسات الصحافية العالمية، تتعمد أحيانا استخدام المصطلحات الصفراء في العناوين بشأن مضاعفات اللقاح على صحة اللاعبين، وذلك بطبيعة الحال للحصول على أعلى نسبة مشاهدة وقراءة، لكن بإلقاء نظرة على مضمون ما ترتكز عليه التحقيقات الصحافية من آراء طبية، سنلاحظ أنها تستبعد وجود أي علاقة بين اللقاح والأزمات القلبية، التي أودت بحياة عشرات الرياضيين في آخر 12 شهراً، مثل البروفيسور سانجي شارما، رئيس لجنة إجماع خبراء أمراض القلب في الاتحاد الإنكليزي، الذي وصف الأزمات القلبية المفاجئة، بـ«العارض»، الذي يُصيب لاعبا من كل خمسين ألفاً، من دون تأثير، أو على الأقل ما يُثبت طبيا حتى وقت هذه الكلمات، أن للقاح كورونا مضاعفات خطيرة على صحة اللاعبين، تأييدا لشهادة مختصين بحجم جون رين، الرئيس التنفيذي لوكالة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية البريطانية، والبروفيسور جيفري موريس، مدير الإحصاء الحيوي في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، وآخرون استبعدوا أن يكون اللقاح سبب هذه الظاهرة إلى أن يثبت العكس، حتى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، نأى بنفسه عن أسباب ما يتردد في صفحات «السوشيال ميديا»، أن 108 رياضيين من المسجلين في لوائح الفيفا، لقوا مصرعهم هذا العام، تأثرا بمضاعفات لقاح كورونا، ليبقى تعاظم هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة، واحداً من أسوأ المشاهد، التي ستبقى عالقة في الأذهان عن زمن أول جائحة في القرن الجديد.
مصير مجهول
نعرف أن ألمانيا، التي كانت سباقة في وضع خارطة طريق التعايش مع كورونا، بعد نجاح تجربتهم الرائدة لإعادة الحياة إلى ملاعب كرة القدم، ونتذكر كيف سارت إنكلترا وإسبانيا وإيطاليا والبقية على خطى الألمان، بإتباع وإضافة بعض التعديلات على الإجراءات الاحترازية الجديدة لمنع انتقال العدوى بين اللاعبين والموظفين، أيضا كانت في طليعة من رفعوا الراية البيضاء قبل هجمة «أوميكرون»، بإعطاء المرسوم باستكمال آخر مباريات البوندسليغا وباقي المباريات الأوروبية وراء أبواب موصدة حتى نهاية العطلة الشتوية على أقل تقدير، على عكس إنكلترا، التي أبقت على التقاليد الكلاسيكية القديمة، باستكمال مباريات عيدي الميلاد ورأس السنة، التي تجلب أعلى نسب مشاهدة وعائدات دخل طوال العام، فكانت النتيجة ما تردد مؤخرا، أن السلطات قد لا تكتفي برفع قيود حضور المباريات في الملعب التي يزيد عددها على 10 آلاف مشجع، بفرض الكمامة الطبية داخل الملعب وتقديم ما يُثبت سلبية مسحته أو حصوله على أكثر من جرعة للقاح، حيث ستكون الخطوة الاحترازية القادمة، هو العودة إلى المربع صفر، بخوض المباريات بدون جماهير، أو بنسبة رمزية منهم في المدرجات، وهذا سيتوقف على قرار الحكومة البريطانية ورئيسها بوريس جونسون، بعد عودة الأرقام القياسية في حالات المصابين بالفيروس في المملكة المتحدة، وهو السيناريو المنتظر في مباريات الليغا، رغم أنها في العادة لم تعد تشهد الكثافة الجماهيرية المعتادة، خاصة بعد اختفاء نوعية «الميغا ستار» من ريال مدريد وبرشلونة.
لكن بشكل رسمي، قد تُفرض المزيد من القيود الاحترازية في المرحلة المقبلة، بعد تطابق الحقيقة مع الاشاعات التي تتحدث من حين الى آخر، عن تمنع شريحة لا بأس بها من اللاعبين في الريال والبارسا على تلقى اللقاح، والدليل على ذلك، تحول كلا الناديين إلى بؤرة لتفشي الوباء، بدأها الميرينغي في مبارياته الأخيرة في عام 2021، حين أجبر المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي على خوض مباراتي قادش وأتلتيك بلباو، من دون أكثر من نصف قوامه الرئيسي، بعد تسجيل 7 حالات ايجابية بكورونا في غضون أسبوع. وحتى بعد عودة اللاعبين إلى التمارين عقب انتهاء عطلة عيد الميلاد، لم تسر الأمور كما خطط لها ميستر كارليتو، على أن يساهم وقت الإجازة في تعافي اللاعبين من الفيروس، أو على الأقل تنزاح الغمة وتتوقف العدوى، لكن الواقع جاء صادما، بتسجيل موجة جديدة من الحالات، وبالمثل في معسكر البلو غرانا، بتحديث شبه مستمر للحالات الإيجابية بعد اكتشاف حالتي العائد مؤخرا داني ألفيش والفرنسي لينغليه، قبل ان ينضم اليهما ما لا يقل عن سبعة لاعبين مصابين، بعد إعلان النادي الكتالوني عن ثلاث حالات جديدة تتعلق بالامريكي سيرجينيو ديست والبرازيلي فيليب كوتينيو والمغربي عبدالصمد الزلزولي، قبل أيام من مباراته ضد مضيفه ريال مايوركا المقررة اليوم الاحد. وكان برشلونة أعلن سابقا عن إصابة الفرنسيين عثمان ديمبيلي وصامويل أومتيتي وجوردي ألبا وغافي أيضاً. كما أعلن أتلتيكو مدريد بطل الدوري الاسباني عن اصابة مدربه الارجنتيني دييغو سيميوني ونجمه الفرنسي أنطوان غريزمان وجناحه البرتغالي جواو فيليكس بين خمسة مصابين، بالاضافة الى العشرات من الحالات بين أندية الليغا. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ستبقي ألمانيا على قرار منع عودة الجماهير إلى المدرجات بعد استكمال النشاط؟ وبالتبعية ستسير باقي الدوريات الكبرى على نفس النهج، هذا ما ستكشف عنه الأيام والأسابيع القليلة المقبلة.
بينما في عالم مواز، ستكون دولة الكاميرون على موعد مع تحد معقد، عندما تبدأ في استضافة أفراد ومشجعين 24 بعثة من الدولة المشاركة في بطولة كأس أمم أفريقيا، التي ستنطلق صافرة بدايتها يوم الأحد المقبل، والأمر لا يتعلق فقط بتعميق الشروخ والمشاكل بين الأندية الأوروبية والاتحاد الأفريقي، لإصرار الجهة الأخيرة على لعب البطولة في هذا التوقيت من العام، بدلا من الانتظار الى فصل الصيف، كما تفعل أوروبا والأمريكيتين، بل أيضا لصعوبة المهمة على الكاميرون، التي ستكون مطالبة بمحاكاة النماذج المجمعة الأخيرة التي أقيمت بحضور جماهيري، وبإمكانات وبنية تحتية تبعد بسنين ضوئية عن أوروبا وأثرياء الخليج، أما في منطقتنا العربية، فحتى الآن، تبدو الأمور على ما يرام، بتسجيل حالات تعد على أصابع اليدين في الدوريات المحلية من المحيط إلى الخليج، باستثناء ما حدث مع الفتح السعودي، بتسجيل 6 حالات في الأسبوع الأخير من 2021، وبعض الحالات التي تربص المنتخب الجزائري في قطر، استعدادا لحملة الدفاع عن لقب «الكان». نأمل بأن ينتهي هذا الكابوس الى الأبد بعد الموجة الحالية في أوروبا، وألا تكون مؤشراً لانتكاسة ثانية بعد الاستفاقة الخجولة من صدمة توابع أضرار توقف الموجة الأولى.