يرى الترومبيت من الآلات الأكثر إنسانية فهي ثائرة وحنونة والبيانو منحه حرية الاكتشاف
بيروت ـ «القدس العربي»: أقفل لاعب الترومبيت والمؤلف الموسيقي اللبناني ابراهيم معلوف آخر صفحات كتاب العام 2021 مسجلاً فيها إنجازات جديدة وجميلة. فإلى حفلاته الكثيرة والناجحة شاهدنا فيديو كليب «يا له من عالم جميل». عمل تمّ إنجازه موضوعاً وتصويراً وفق تقنية عالية. وفيه عبّر معلوف عبر الموسيقى والصورة عن حُلُم جميل يراوده كما يراودنا أيضاً. إنها لحظات صفاء وهدوء كما الصورة التي ظهرت فيها بطلته الطفلة وسط بحر هادئ، وكوخ يعلو قارباً قديماً. ربط الفيديو كليب هذه الرحلة البحرية والحُلُم بزيارة لمتحف فنون تشكيلية. إلى ذلك أيضاً صدر لمعلوف بالفرنسية كتابه الأول «فلسفة الإرتجال الصغيرة». ابراهيم فنان لبناني فرنسي حقق لنفسه مكانة كبيرة وسط فنانين كثر ينتمون للجيل نفسه. نجح في تخطي كافة حملات التنّمر التي واجهته. وكسر رهانات الكثير من المنافسين الذي تأبطوا تهمة «الإرهاب» للصقها بكل منتمٍ إلى أصول عربية. قدرته على المواجهة معتمداً سياسة اللامبالاة أغضبت كل من صوّب السهام عليه. وهو يتابع المسيرة بثبات ونجاح وقوة.
عن بعد هذا الحوار الذي تخلله الكثير من الضحك العالي مع ابراهيم معلوف:
○ أشعر آلة الترومبيت وكأنها وجدت لتُعبّر عن الحرية والثورة كما الجاز تماماً. هل من مبرر لهذه المشاعر أو الإستنتاج برأيك؟
•لا أدري لماذا ينظر كثير من الناس إلى آلة الترومبيت بهذه الطريقة. بالنسبة لي الترومبيت هي آلة جبّارة تعبّر عن الحرية لكون صوتها مرتفع جداً. وبالوقت نفسه يمكنها أن تكون رقيقة وناعمة جداً، ولهذا الترومبيت بالنسبة لي هي الأكثر إنسانية من بين كافة الآلات التي تمّ اختراعها. ولهذا أحبّ لعب الترومبيت لكونها تمتلك قدرة التعبير عبر اصوات قوية وأخرى ناعمة. ولهذا أيضاً يمكنها التعبير عن الحرية والثورة، وفي الوقت نفسه عن الحنان والحب.
○ ألم يخطر لك اختيار آلة موسيقية غير آلة والدك؟
•ألعب على البيانو، فوالدتي تعزف هذه الآلة. وتعلّمت معظم ما يجب اتقانه على آلة الترومبيت من والدي، والكثير مما يجب معرفته عن الموسيقى. ومع ذلك يبقى البيانو السبب الحقيقي لكوني اليوم موسيقياً. منحني البيانو حرية الإبتكار والتجريب والإكتشاف وتالياً التأليف. الترومبيت آلة موسيقية صعبة جداً. ومن حُسن حظي وجود والدي إلى جانبي، وهو الذي علّمني جيداً. أردد على الدوام أن السبب الرئيسي لكوني موسيقيا هو أنني محظوظ بوجود هذين الإنسانين في حياتي، فقد تعلّمت منهما الكثير. علّمني والدي عزف الترومبيت بأسلوب جاد. وأتاحت لي والدتي من الجهة الأخرى فرصة الإختراع والإبتكار على آلة البيانو. وعبر هذين الأسلوبين من التعليم أتقنت لعب الموسيقى. «قالها بفرح غامر وضحكة عالية».
○ مطالعة أرشيفك تقول أن والدك كان صارماً في تربيتكم. كم كان صارماً في فرض الموسيقى التي عليكم سماعها؟
•صحيح كان والدي جاداً في أسلوب تعليمنا للترومبيت، لكننا كنا نتمتع بحق سماع أي من أنواع الموسيقى في منزلنا. منها الموسيقى العربية والأجنبية، وكان لدينا تلفزيون وكانت لنا حرية سماع موسيقى الهيب هوب والبوب وغير ذلك. كما كانت والدتي تسمع الموسيقى الإسبانية والجنوب أمريكية واليونانية. وهكذا نشأنا في أجواء منفتحة على كافة أنواع الموسيقى من الكلاسيك إلى العربي والجاز والهيب هوب والأوبرا وسواها.
○ بما أنك تعلمت ربع الصوت الذي يجيده والدك عبر الترومبيت نسألك عن أجمل الموسيقى العربية التي ترغب بلعبها عبر آلتك؟
•بفضل والدي وابتكاره لربع الصوت على آلة الترومبيت أجيد لعب كافة أنواع الموسيقى عبرها. أحب لعب موسيقى أغنيات أم كلثوم، وأعشق مواءمة تلك الموسيقى من خلال فرقتي للجاز وعبر آلة الترومبيت. قمنا بذلك مرتين وعبر جولة واسعة جداً جداً، وبرفقة فرقة خماسية، لعبنا أم كلثوم وكان ذلك جميلاً جداً مع موسيقيين عظماء. تنفيذ هذه الموسيقى كان يلّح في خاطري، ولقد نجحنا. وفي البومي الثاني أعدت توزيع موسيقى أغنية كتبها زياد الرحباني لفيروز. أحب استعمال الترومبيت كي أعزف كافة أنواع الموسيقى وأن أضمنها المقامات الشرقية، والطرب الذي يميز الموسيقى العربية.
○ كيف لعازف الترومبيت أن يقدم حفله وحيداً ولساعة؟ كيف له التنفس كما يجب؟
•نقدم حفلات لأكثر من ساعة، وقد تمتد لأربع في بعض الحفلات وهذا بالطبع متعب جداً للجسد. هو متعب للتنفس، وله انعكاسات سلبية كبيرة على القلب، وسيء على الصحة بشكل عام. لعب الترومبيت لزمن طويل يستلزم أن يكون العازف بحالة صحية وجسدية جيدة جداً. ولهذا عليَ الانتباه جيداً لكل ما يؤثر سلباً على صحتي الجسدية. تفترض الترومبيت بمن يلعبها أن يتمتع بحالة صحية وجسدية ممتازة.
○ ما هو أطول وقت أمضيته عازفاً وحيداً على المسرح؟
•أطول حفلاتي امتدت لأربع ساعات ونصف في «أرينا بيرسي» في فرنسا. وهي من أكبر الحفلات وضمّت بحدود 20 ألف مشاهد. كان ذلك سنة 2016 وأظنه كان ضرباً من الجنون.
○ هل كتبت موسيقى لبنانية عربية؟ وهل وجدت تلك الموسيقى طريقها للناس؟
•تتضمن الموسيقى التي أكتبها كافة أنواع الموسيقى التي تركت أثرها على حياتي. ومن المؤكد أن أثر الموسيقى اللبنانية والعربية على نفسي كبير جداً، وهذا ظاهر في موسيقاي. يعرف الراغبون بحضور حفلاتي أن موسيقاي تتشكل من مزيج من كافة أنواع الموسيقى. ومن يسمعون الموسيقى التي أكتبها يدركون مدى تأثير الموسيقى العربية في تكويني الفني. هم يحبون ما أقدمه، ويدركون جيداً بأني لست فقط بصدد لعب موسيقى ممتزجة بالموسيقى العربية، إنما يعرفون تماماً أن تلك الموسيقى هي وليدة ثقافات متعددة عاشها وتأثر بها مؤلفها.
○ ماذا عن شغفك بكتابة الموسيقى التصويرية للأفلام؟ وهل ستكتب يوماً موسيقى لفيلم لبناني؟
•أحب كثيراً العمل مع كتّاب ومؤلفين سينمائيين لبنانيين. كما أحب كثيراً تأليف الموسيقى التصويرية للأفلام، وأصنّفه نشاطاً مهنياً مثيراً لإهتمامي. يختلف التأليف للسينما عن أي عمل آخر قمت به في حياتي المهنية. والسبب أني لست بصدد الكتابة التأليفية التي تعبّر عني، بل أني في تعاون مع فنانين آخرين لديهم أشياء أخرى يقولونها. هناك النص السينمائي، والمخرج والممثلون ولكل منهم أمر يعنيه ويعبّر عنه. المشاركة في العمل السينمائي تجمع بين الأنغام والألحان، التسجيل في الأستوديو وزيارة مكان التصوير. كل ذلك يمدّني بالوحي فيما خص الكتابة التصويرية للموسيقى، كما أنه يمدني بالوحي فيما يتعلق بعملي الموسيقي الخاص. فنحن حينها نكون حيال عالم آخر كلياً، يشكل طريقة مختلفة لكيفية رؤيتنا للموسيقى. كتابة الموسيقى التصويرية للأفلام أمر مثير للإهتمام بالنسبة للفنان، واختبارها يمد المؤلف بأساليب جديدة لابتكار الموسيقى.
○ هل تشعر بأنك أصبحت فرنسياً؟ هل أتاح لك الفرنسيون الإندماج بدون تنمّر لأنك لبناني وعربي؟
•أشعر بأني لبناني وعربي مئة في المئة. وأشعر أيضاً أني مئة في المئة فرنسي وغربي. وهذا لا يشكل تناقضاً، بل هو أمر واقعي لأني نشأت بين الحضارتين. عشت القسم الأكبر من حياتي في فرنسا وليس في لبنان. لكني هنا في فرنسا كبرت وسط عائلة لبنانية وعلى قيم ومبادئ لبنانية. أنا مندمج كلياً بالمجتمع الفرنسي والغربي، إنما كوني عربيا في فرنسا وفي هذا الزمن بالتحديد فهذا أمر معقد. وهو كذلك على صعيد العالم أجمع. فأنت تعرفين أن سمعة العرب في أيامنا هذه ليست جيدة «ويضحك» والسبب وصمة الإرهاب، التي تسبب بها بعض الإرهابيين الذين «جنّنوا» كثيرين. وهكذا بات العربي الآن مصدر تهديد، بسبب قلة قليلة جداً من العرب. وهذا واقع ليس بسهل. بعضنا يعاني في سبيل أن يصدّق الآخرون إنسانيتنا، وكي يؤمنون ويثقون بنا. وعندما يكون أحدنا مشهوراً ومعروفاً فهو يتكبّد المزيد من المعاناة، فحينها سيكون اعداؤه ومنافسوه أكثر. وبخاصة مع أولئك الذين يظهرون قدراً كبيراً من اللامبالاة حيال التنمُّر، وأنهم بشر لا يُقهرون، وهذا ما يتمّ اللجوء إليه على وسائل التواصل الاجتماعي.
«يضحك» ويتابع: أعتقد بأني قوي بالرغم من كل شيء، وأهتم بأن لا تتأثر موسيقاي بكل ذلك.
○ الموسيقى لغة موحِّدة للناس جميعهم. متى ستحكم الموسيقى العالم ونرتاح من الأسلحة والموت خاصة في عالمنا العربي؟
•بعد أن يضحك ملياً يقول: لو كان للموسيقى والفن بشكل عام قدرة تولي مقاليد الحكم في العالم لصارت الأمور أكثر سهولة. قد يكون ما سأقوله لك مثالياً إلى حد ما، لكني مؤمن بعمق أننا لو علّمنا أطفالنا والأجيال المقبلة مزيداً من الموسيقى والفن، فحينها ستكون مشاعرهم الإيجابية حيال الآخر أكبر بكثير. أن تكون فناناً فأنت تمتلك قدرة عيش مشاعر وأحاسيس الآخر، والمصاعب التي يمرّ بها. أما حين يكون الإنسان بعيداً عن أي من الفنون كما السينما والموسيقى وغيرها، فحينها ستختلف علاقتهم بالآخر. أن نعلّم أطفالنا الفن والابتكار الفني، فهذا سيؤدي إلى مزيد من المجتمعات التي تتفهم بعضها البعض.
○ ما هو مشروعك الجديد أو المقبل؟
•أحدث الإنجازات الفنية صدور فيديو كليب بعنوان «يا له من عالم جميل» يتناول الإبداع والأحلام وهو متوفر على يوتيوب. واليوم بالتحديد صدر كتابي الأول بالفرنسية وعنوانه «فلسفة الإرتجال الصغيرة». وهو يتناول تعليم الإرتجال للأجيال الجديدة ليتمكنوا من التواصل وفهم بعضهم. إنه المبدأ الذي تمّ شرحه ملياً في الرد على السؤال السابق. كما أننا على مواعيد مع حفلات كبيرة، وتعاون مع فنانين آخرين من أجل الألبوم المقبل. وأكتب موسيقى تصويرية. المشاريع كثيرة.