صحافي مختص: الأمن والقضاء الإسرائيليان تعاونا على تسليح زعماء يخرقون حقوق الإنسان

حجم الخط
1

قبل نحو أربع سنوات ونصف، كشفتُ عن شكوك في سلوك غير قانوني لشركة “إيروناوتكس”، وهي شركة طائرات بدون طيار في “يفنه”، وعن عدد من الشخصيات الرئيسية فيها. وحسب المعلومات، ثمة عاملون في الشركة أمروا بالقيام بعملية ما رغم معرفتهم أنهم يتجاوزون بذلك قانون التصدير الأمني. كل ذلك من أجل تلبية رغبة دولة أجنبية. الشركة نفت ذلك. وعقب النشر، اضطر نير بن موشه، المسؤول عن الأمن في جهاز الأمن، وشرطة إسرائيل، إلى فتح تحقيق. وقد فعلوا ذلك بعدم رغبة، وكأنه تملكهم الشيطان.

منذ تأسيس الشركة قبل نحو ربع قرن من قبل آفي ليئومي، تغيرت ملكيتها عدة مرات، حتى استقرت على “رفائيل”. ورغم أن اسمها مرتبط بصفقات سلاح إشكالية بمئات ملايين الدولارات في نيجيريا والهند، التي وصل صداها إلى المحاكم، إلا أنها بقيت دائماً حبيبة جهاز الأمن ومن تخرجوا من هذا الجهاز. من بين العاملين السابقين فيها: عمري شارون، وايتي أشكنازي (ابن غابي أشكنازي)، ورئيس “الشاباك” السابق يعقوب بيري الذي كان مستشاراً خارجياً لها. ومن بين الرؤساء فيها: قائد سلاح الجو السابق ايتان بن الياهو، وقائد سلاح البحرية السابق يديديا يعاري.

على الفور، بعد ما نشرته في “معاريف” عن شكوك ضد “إيروناوتكس”، سارعت شرطة إسرائيل والمسؤول عن الأمن في جهاز الأمن إلى الطلب من محكمة الصلح في “ريشون لتسيون” منع النشر عن الموضوع. استجاب القاضيان عميت مخلس ودان افنون، للطلب بإرادتهما، وأمرا بإصدار أمر منع النشر. وبعد ذلك، رفضا الالتماس الذي قدمته لإلغاء الأمر، الذي قدمه المحامي العاد مين، المستشار القانوني في جمعية “هتسلحا”.

كان أمر المنع شاملاً، وطال المنع نشر ما نشرته سابقاً، رغم أنه يمكن إيجاد المعلومات حتى الآن، بما في ذلك اسم الدولة التي وقعت الحادثة فيها، في متناول كل من يضغط على لوحة المفاتيح في مواقع وسائل الإعلام الأجنبية، و”ويكيبيديا”، والشبكات الاجتماعية. ورغم ذلك، كان القضاة مستعدين للعمل كإضافات في هذا مسرح اللامعقول الذي يوجهه جهاز الأمن والشرطة، وذلك ليس للمرة الأولى. ناهيك عن القول بأن جميع الجلسات عقدت في غرف مغلقة، وبعضها بحضور طرف واحد، بعد إخراجنا (أنا ومين) من قاعة المحكمة.

ومما ساهم في تخويف القضاة تدخل الموساد في القضية وتقديم رأيه، الذي حذر فيه بأن أي نشر سيضر بالمصالح الأمنية الإسرائيلية. وإذا لم يكن هذا كافياً، فإن وزير الدفاع في تلك الدولة، التي تعتبر الذخر الاستراتيجي الأهم لإسرائيل، زار البلاد في حينه وحذر من أن التعاون الاستخباري – العسكري والأمني معها سيتضرر إذا استمر النشر. وسائل الإعلام في تلك الدولة، التي يترأسها ديكتاتور فاسد، قامت بشتمي ووصفتني بأنني عميل لدولة أخرى في مواجهة عسكرية معها. قبل بضعة أيام، قدمت نيابة الدولة لوائح اتهام ضد “إيروناوكس” وثلاث شخصيات رفيعة فيها، وبهذا صادقت على صحة التقرير الأصلي من آب 2017. ولكن مع رضاي بأنني ساعدت في مكافحة الاشتباه بالفساد وساهمت في ديمقراطية إسرائيل، فإن خيبة أملي من سلوك جهاز الأمن وجهاز القضاء تزايدت عند تغطية هذه القضية.

أنا صحافي منذ 47 سنة، منها 38 سنة مختصاً في تغطية شؤون الاستخبارات والأمن. وعملت في جزء كبير من هذه الفترة إلى جانب الكتابة في المجال القانوني في عشرات محاولات رفع أوامر منع النشر عن قضايا أمنية. في أواخر سنوات حياتي، أُدرك بأن الوضع آخذ في التدهور. جهاز المناعة للقضاة وقدرته على مواجهة جهاز الأمن آخذة في الضعف.

راكمتُ تجربة من الالتماسات التي قدمتها لجميع الهيئات القضائية في إسرائيل، مثل محكمة الصلح والمحكمة المركزية والمحكمة العليا. وقد مثلت أمام قضاة “ليبراليين”، من بينهم اهارون براك، وايلا روكتسيا، ومني مزوز، ويورام دنتسغر، وعدنا أربيل، واوري شاهم، واستر حيوت، وأمام قضاة محافظين أيضاً من بينهم دافيد مينتس، ونوعام سولبرغ، واليكس شتاين. لا يوجد بينهم أي فروقات في كل ما يتعلق بشؤون الأمن. جميعهم يقفون بصمت عند سماع كلمة “أمن”. وجميعهم قضاة لجهاز الأمن. هم مستعدون لتطهير أي ظلم يرتكبه جهاز الأمن، وإبعاد أي استئناف أو طلب لوسائل إعلام أو محامين أو نشطاء حقوق إنسان أو أي شخص يحب العدالة، بسرعة وبدون نقاش معمق ومن خلال إظهار مزاج قضائي مستخف ومتغطرس.

في السنوات الأخيرة وافق القضاة وبرروا قرارات وزارة الدفاع والموساد تسليح زعماء يخرقون حقوق الإنسان ودكتاتوريين في دول مثل أذربيجان والفلبين وبورما وجنوب السودان والسعودية، ومنع نشر وثائق من أرشيف الدولة عن مذابح واغتصاب وطرد في حرب التحرير، وعن قتل أسرى في الحروب، أو عن عمليات استخبارية شارك فيها تجار مخدرات. بالطبع، كل ذلك تم باسم الأمن الوطني. ولكن الاسم في الحقيقة هذا يتم حمله عبثاً للتغطية على إخفاقات أو لإخفاء أفعال غير قانونية، يخجل منها جهاز الأمن.

الـ “ديب ستيت” أو الدولة العميقة، أي الدولة المخبأة تحت الأرض، هو مفهوم من مجال العلوم السياسية. وهو مفهوم يصف وضعاً تتكون فيه مجموعة سرية من شبكات خفية للقوى، تعمل بصورة مستقلة خارج القيادة السياسية المنتخبة في الدولة وتحاول الدفع بأجندتها أو أهدافها.

برز هذا المفهوم وحصل على الشرعية في عهد ولاية ترامب في أمريكا. بدأ يستخدمه أوساط اليمين المتطرف هناك وفي إسرائيل، وأخذوا ينشرون نظريات تآمرية كاذبة بهدف ضرب دوائر اليسار والليبرالية وإضعاف القضاء والإعلام والمس بالديمقراطية.

وهذا المفهوم الذي تحوم حوله الشكوك يناسب جهاز الأمن الإسرائيلي، الذي يعمل مثل دولة داخل دولة، ويعمل كل ما يخطر بباله من دون رقابة برلمانية ناجعة، وبتعاون وثيق ودعم من جهاز القضاء. حركة الكماشة المندمجة هذه تنهك القلائل الذين ما زالوا مستعدين للنضال من أجل العدالة وحقوق الإنسان والأخلاق وضد المظالم. أشعر بأن قوتي أنهكت، وأنني أحارب مثل دون كيشوت ضد طواحين الهواء. لقد نفدت شهيتي للعودة وتقديم التماسات في المحاكم. ربما أحاول مرة أخرى.

بقلميوسي ميلمان

 هآرتس 3/1/2022

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية