المثقف العربي والتلهي المعرفي

نحن نتلهى بالمعرفة، نمارسها وكأننا نكتفي بكونها لذة أو مغامرة، أو شبقا وجوديا أو نرجسيا، لإثبات الذات المرآوية، وعلى نحوٍ يجعلنا لا نستسيغ التخطيط لتلك المعرفة، أو لتحويلها إلى فعل يدخل في المواجهة، وفي استراتيجيات الاجتماع والسياسة والتعليم، أو في برامج التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي نظام المرور والعلاقات العامة، وفي تقانات الاستهلاك.
التلهي المعرفي لا علاقة له بإنتاج الهيمنة، كونه يكتفي بوضع المعرفة في سياق كمالي واستعراضي، أو حتى هامشي، وليس في سياقٍ له نظامه، وآلياته، ويتعالق مع الوجود من خلال إدراك أهمية تلك الهيمنة، وجدوى فعلها، لاسيما وأن كثيرا من «السلطات» دأبت على تطويع المعرفة واستثمارها، فضلا عن تكريسها في تغذية السيطرة، عبر مركزيات النظام الاجتماعي والنظام الديني، والنظام التعليمي، وعزلها عن «الجمهور» العمومي، لتحجيم إصابته بأعراض ما يسمى بعدوى «القيم الثورية» التي قد يُنتظَم بها عبر الأيديولوجيا، أو أن تلك الأيديولوجيا تطوعها – أيضا- لتكون خطابا ضديا، للسيطرة، ولأنسنة آليات التطويع المعرفي، الذي يمكن تحويله إلى سلطة مجاورة، أو حتى إلى هيمنة، تُكرّس ظواهر ضبطها وقمعها وسجونها، الجماعات المستبدة، إذ وجدت في سلطة المعرفة أو في تطويعها قوة فعالة لفرض المركزية السياسية والأيديولوجية والحزبية، ولوضع الهيمنة في سياق إجرائي للتقنّع، ولتمثيل صور متضخمة للمثقف الاستعراضي، أو الترويج لما سمّاه هومي باب بـ»النغولة الثقافية» تلك التي تتجاور فيها النقائض، أو تتلاقح وتقبل بالأداء الانتهازي لمثقف المخزن والحكومة والحزب والجماعة.
صناعة «الفكر المعارض» كما سمّاه إدوارد سعيد يمكن أن يثير أسئلة حول العلاقة الملتبسة والمتقاطعة مع فكرة التلهي، بوصفها محاولة في التفريغ، والتسليع، وفي وضع المثقف إزاء مواجهة الحاجة والتغيير، والتعاطي مع حقائق «المختلف الثقافي» بما فيه المختلف اللغوي والجندري والهوياتي، وبعيدا عن ذاكرته التي علُقت بيوتوبيا فكرة الجماعة النقية، والأمة المركزية، وسرديات اليمين واليسار، وإجناسيات الخطاب الافتراضية، التي يتداولها الثوري والشيوعي والرجعي والقومي والديني..
هذه الأسئلة تبدو مفارقة بمعطياتها، لكنها قابلة للتأطير، وعلى نحوٍ يجعل البحث عن «المثقف الثوري» وحتى «المثقف العضوي» مبررا، ليس لمواجهة مركزية «مابعد الكولونيالية» و»صورة المثقف التابع» بل لمواجهة استحقاقات التحوّل، وحاجات الحريات والحقوق، ولدمج الثقافة بالتنمية والثورة، أي إخراج المثقف خارج التلهي، ليكون أداة فاعلة وموجّهة للتغيير، أو لتعظيم فعل المعارضة السياسية، والنظر إلى الواقع من زوايا متعددة، يتشاطر فيها عبر الوعي والمسؤولية، وعبر الاندفاع باتجاه البحث عن وظائف جديدة له، أقصد وظيفة المشاركة، والتواصل، والتجدد، وبما يجعله أكثر تأثيرا في مواجهة مؤسسات الهيمنة، بما فيها مؤسسات الحكومة، أو مؤسسات الجماعات الدينية، ليس بقصد المطالبة بالعلمنة، بل بوعي الحاجة إلى مفاهيم التغيير والإصلاح بوصفها التمثلات الواقعية والنقدية للفكر المعارض، والقرينة بجدوى معرفة موجهات الصراع، على مستوى النظر إلى القوى الاجتماعية والسياسية، أو على مستوى تحديد قدرتها في توسيع مديات الاستثمار المعرفي، وتوظيفه كشكلٍ من أشكال توظيف القوة الفاعلة، وشرعنتها في سياق التغيير والمواجهة.
الحكومات ليست بريئة، لكنها بحكم مركزيتها تشرعن العنف القانوني، والعنف التربوي، وصولا إلى فرضية العنف المعرفي، إذ ستكون تلك المعرفة جزءا من النظام، وجزءا من أدلجتها وقوننتها للمعرفة واللغة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والخدمات العامة، وحين يسعى المثقف للمغايرة، فإنه سيصطدم حتما بالقوة، قوة الحكومة والجماعة، وربما سيجد نفسه بعيدا عن حيازة أي رأسمال ثقافي فعال وحر، لمواجهة احتكارات السلطة الواسعة للخطاب والنظام والاجتماع..

خطيئة المثقف والهابيتوس الثقافي

شغف كارل ماركس بفكرة تغيير العالم، وعمد إلى تقعيد هذا الشغف على أسسٍ نظرية، وعلى فهم مادي جدلي للعالم، اشتبك فيه المثالي الهيغلي مع المادي الفيورباخي، وعلى نحوٍ وضع الأفكار على الأرض، وأباح استعمالها لأغراض الثورة والتغيير، ولهدف مواجهة الرأسمالية والنظام الطبقي البشع، وصولا إلى إباحة استعمال المعرفة ذاتها لتكون سندا ودعما وتعظيما لمشروع التغيير، ما جعل الماركسية أكثر الفلسفات الأرضية استعمالا إلى اليوم في قضايا الثورة والتغيير، بعد عصرنتها وإزاحة كثيرٍ من قشورها اليابسة، ونزع عنها ذاكرة أشباحها على طريقة التوسير.

صناعة «الفكر المعارض» كما سمّاه إدوارد سعيد يمكن أن يثير أسئلة حول العلاقة الملتبسة والمتقاطعة مع فكرة التلهي، بوصفها محاولة في التفريغ، والتسليع، وفي وضع المثقف إزاء مواجهة الحاجة والتغيير، والتعاطي مع حقائق «المختلف الثقافي» بما فيه المختلف اللغوي والجندري والهوياتي.

لكن الخروج عن الاستعمال الماركسي، إلى أفاق يختلط فيها القومي والليبرالي والاشتراكي الديمقراطي، كما تقول أدبيات الأحزاب البورجوازية في أوروبا، وضع القوى التي نجحت في حراكها الثوري والسياسي أمام معطيات تتشابه فيها مع الحكومات القديمة، أي السعي لإنتاج السلطة، والسيطرة على المعرفة والقانون لكي يتكرّس نظامها، ولكي تضع استثمارها الثوري والفكري في خدمة الاستثمار السياسي والطبقي، ولأنّ أغلب هذه القوى بلا تاريخ، فإنها تموضعت في ممارسات واستعدادات سرعان ما تتعرض إلى انقلابات عسكرية، وبدعم من المخابرات الدولية، أو تفشل في الانتخابات، أو تظل خاضعة إلى عقوبات دولية وأمريكية بشكل خاص، وهو ما ينعكس سلبا على منظوماتها التنموية والاقتصادية، وإدارتها لملفات السياسة والحقوق والثقافة والأمن المجتمعي، وعبر مجموعة من الفعاليات المضغوطة والراديكالية، منها ما يدخل في مجال الاجتماع والتربية، ومنها ما يدخل في الأيديولوجيا، وفي مؤسسات الأحزاب العقائدية، والجماعات الدينية، وهذه بالضرورة مؤسسات منضبطة، وخاضعة إلى مركزيات صارمة، ما جعلها تصطنع لها نوعا من الهابيتوس المتعالي، الحافظ لرمزيات المكان والنظام والرأسمال والطبقة والسلطة، وتحت شعارات تتغذى من الحنين الرومانسي، أو من المعرفة الثورية التي لا تستعملها تماما، وأحسب أن البيئة السياسية العربية هي أكثر البيئات تعرّضا لمثل هذه الصدمات، لكنّ عقدتها تكمن في «تدوير السلطة» إذ أسهم هذا التدوير في إنتاج حكومات مستبدة ومركزية عسكرية، تمارس عنفها السياسي والثقافي على طريقة ماكس فيبر، ما جعل المثقف العربي أكثر ضحاياها رعبا، فهو المثقف المفلس، والثوري في آن معا، والمثقف الحالم والواهم والمطرود، والمنفي، في وقت عمدت تلك الحكومات إلى تسويغ صناعة المؤسسات المركزية، التي تُدير الثقافة والخدمات العامة كجزءٍ من إدارتها للنظام، وكجزء من حمايته من أوهام المثقف الماركسي الحالم بالتغيير، والمتمرد على «النغولة الثقافية» أو من المثقف الديني الذي يحلم بمؤسسات استعلائية وبشعوبية المواطن/ المؤمن الطائع.
خطيئة المثقف العربي ليست بعيدة عن تضخم هذه الصناعة، ولا حتى عن تاريخ الأحزاب العقائدية، فهو ضحيتها المثالية، وأنموذجها في الترويع والإخضاع، وبمشاريعها الزائفة، لاسيما مشاريع «الجبهات الوطنية» التي يندفع إليها بحكم نزقه الثوري، لكن متغيرات أحداث ما بعد 2003 في العراق، وفشل مشروع الربيع العربي، جعله يدرك متأخرا فشل تلك المشاريع، وليعيش عبرها هوسا بالضياع، والمتاهة، وبصعوبة تعاطيه مع سوء إدارة ثنائية المعرفة والسياسة، إذ لا يعرف كيفية تحويل المعرفة إلى سلطة، ولا ممارسة السياسة بوصفها معرفة، لاسيما وأنّ السياسة العربية تشبعت بالقسوة والعفونة والطاعة، وباستهلاك الشعارات الدوغمائية الكثيرة، فضلا عن أن كثيرا من «صور المثقف» ظلت غائمة وشبحية، تعيش اغترابها العميق والنكوصي، وربما استلبت عديدا منهم عبر مماهاة الأنموذج السائد في مركزيات السلطة والحزب والجمهور، الذي تحركة الأدلجات الشعبية والدينية.
ما أشار إليه بورديو حول مفهوم المثقف الملتزم، لا يعني بالضرورة حيازته للقوة المضادة والعاقلة، وللاهتمام بـ»سوسيولوجيا التربية والفن والثقافة» بل يعني حاجته إلى امتلاك أدواته النقدية في مواجهة السلطة، وفي صياغة خطاب معارض، وإلى تجاوز عقدة التلهي بالمعرفة، ليكون ناقدا لها، وإلى التعاطي معها بوصفها مجالا لمقاربة ما هو مفهومي في الإشكاليات الكبرى، وإلى تأطير الوعي والتفكير بالتغيير، وإلى النظر إلى مفاهيم الحرية والليبرالية والعلمنة، من منطلق الحاجة إلى بيئات مناسبة تتقبل تداول تلك المفاهيم الصعبة، لاسيما وأننا محكومون بمهيمنات عميقة، وبأنماط مغلقة، وبسياسات تمارس مركزيتها عبر شرعنة العنف المادي، والعنف الرمزي، أو عبر إخضاع الفعل الثقافي الأهلي والرسمي إلى سطوة ملكية الرأسمال السياسي. وهذا ما يجعل مفهوم الهابيتوس خاضعا إلى موجهات السلطة، لكي تتحكم بوجوده وآلياته ومظاهره، لأنه ليس بعيدا عن البنية كما سماها شتراوس، ولا عن الحقل كما سماه بورديو، وكلا التوصيفين يدخلان في سياق خلق الاستعدادات الخاصة بالتمكين، وبالوظائف، التي تدرك خطورتها أي سلطة مركزية كانت، دنيوية أو دينية، وهذا ما يجعل ترك الفرد لفرادته ولحريته ولوظائفه من الأمور الصعبة، حتى لا يتحول إلى الفرد النافر، الخارج عن الطاعة، ولا الهابيتوس يتحول إلى بيئة قابلة للتمرد على نسق الحكم، ومخاتلة ضبط النظام الاجتماعي والتربوي والثقافي، كما يقول خلدون النقيب، الذي يعني أيضا ضبط أدوات المعرفة لتكون عنصرا فاعلا في مراقبة بيئة الهابيتوس الفردي والجماعي، وتعريضها لمؤثرات «التلهي» وعبر منصات، ووسائل إعلام، لسدّ الذرائع، ولإشباع الذات النرجسية، أو لتشتيت الذهن، أو للعزل عن مقاربة العلل العميقة في بيئات مجتمعاتنا العربية، التي تعيش عشوائيات الحكم والاقتصاد والسياسة والتدين والعنف..

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية