حديثي هنا ليس وراءه أيّ نظرية فكرية، لكنّ وراءه خبرة طويلة وأحداثا عاصرتها. أفكر أحيانا أنا الذي حصلت في بداية حياتي على دبلوم الصنائع قسم الكهرباء، ولولا حبي للأدب ما درست الثانوي العام لأدخل كلية الآداب. أفكر هل لو ظللت على حالي بعيدا عن الأدب، وفتحت دكانا لبيع الأدوات الكهربائية، هل كنت سأرى حولي عالما مفعما بالأحاديث والنميمة والغضب من كل من يمرون على الدكان. بالطبع لا. أقصي ما كان يمكن أن يحدث هو أن يتحدث صاحب دكان آخر في السر عن بضاعتي بالسوء أو غلاء أسعارها، ولن ينقل لي هذا الحديث أحد.
ربما يكون سبب المقال الآن هو ما كتبته الكاتبة صافيناز كاظم عن بهاء طاهر الذي أجمع على محبته الجميع، وكيف كان موته في رأيها نهاية كابوس جيلهم، وكيف كانت الجوائز الأدبية التي حصل عليها كلها من تخطيطه. لم أعلق، قلت في نفسي ربما شيء خاص وقع بينهما يوما وابتعدت عن التعليق. لكنّ الأمر جعلني أتلفت حولي.. هذا أمر شائع للأسف بين كثير من الكتاب وبعضهم. الأزمة تأتي لأننا وقد دخلنا حقل الثقافة، اتسع العالم حولنا وصارت فيه عوامل كثيرة تؤثر في حركة المثقف. عوامل سياسية وعوامل بنت الجماعة نفسها.. جماعة المثقفين.
وبعيدا عن متوسطي الموهبة، فالموهوبون لا يعيشون حياة ثقافية آمنة دائما. كثيرا ما يكون ثمن الموهبة غاليا، سجنا أو إهمالا أو منعا من النشر أو غِيرة وحقدا من بعض الآخرين، لكن المثقف الحقيقي يجد أن في ذلك تحديا يمكنه الانتصار عليه، حين يقتنع أن ما يكتبه ليس موجها للقراء من أبناء مجاله ولا من السلطة، لكن للقارئ البعيد. جلستك على مقهى مثل «البستان» أو «ريش» أو غيرها بين زملائك لا تعني أن من حولك هم عالمك كله، فعالمك متسع مهما كانت أعداد النسخ التي بيعت من كتابك قليلة، ومقالاتك إن لم يتسع لها وطنك، تتسع لها صحف عربية في بلاد أخرى، ومن ثم فلك قراء أيضا هناك، حتى لو لم تقابلهم. يوما ما كتبت كيف كنت أتغلب على أيّ حصار بإرسال أعمالي القصصية إلى صفحات أدبية يشرف عليها شاعر أو كاتبة، أو صفحات في العالم العربي. هناك فرص كثيرة للكتّاب رغم أيّ غيرة وحصار، لكن هناك دائما حالة من عدم الرضا بين المثقفين عن زملائهم أو عن بعضهم، يمكن أن تتسع لمقولات تتهم كاتبا أنه «أمنجي» بينما هو ليس ملحقا بأيّ عمل، وكل ما في الأمر أنه يجلس صامتا بين الكتاب. سمعت ذلك كثيرا جدا منذ وفدت إلى القاهرة في السبعينيات من القرن الماضي، أو مقولات تتهم جيلا كاملا بالسوء، ويمكن أن تقف عند سببها الحقيقي، وهو سوء العلاقة الشخصية مع أحدهم، أو محاربة أحدهم لك لا لسبب إلا الغيرة. هناك سوء فهم لكلمة مثقف، فهي تعني أن صاحبها لا يمكن أن يكون سيئا. كيف لمن يكتب عن الحق والخير الجمال أن يكون سيئا حقا؟ من هنا تأتي الأزمة والإحساس ببشاعة الفعل السيئ، لكن الحقيقة أن المثقفين في النهاية بشر فيهم الصالح والطالح على المستوي الشخصي، لقد رأيت في شبابي مثقفين محاربين من أجل الحرية الشخصية، والمساواة بين الرجل والمرأة، تقترب منهم الفتيات المعجبات بهذا الحديث، اللاتي يحاربن من أجله، فتنشأ قصص حب لا نعرف أنها زائفة وشكلية إلا بعد أن يقضي منها الشخص وطره، ويتركها تدخل في أزمة نفسية كبيرة تبتعد فيها عن الدنيا ويصيبها المرض أو تنتحر.
كنت اسأل نفسي لماذا يفعل هذا الشخص ذلك وهناك نساء في الطرقات تردن الجنس فقط لا قصة الحب؟ لماذا لا بد أن يسبق الحصول على الجنس وهْم الحب، ونحن ما زلنا في بلاد لا نفهم الحب فيها إلا بأن ينتهي بالزواج، هل كان ذلك يعود للثقافة أم يعود للسلوك الشخصي ابن التربية المنزلية والمدرسية والحياة من حوله؟ رأيت من بعض الكتاب كراهية غريبة لي، لأني يوما ما انتقدت أعمالا أدبية لهم فراحوا يسدون عليّ طرق النشر، وحكيت كثيرا عما فعلوه دون أسماء في كتابي عن الأيام الحلوة فقط، وكيف بلغ بهم الأمر أن بحثوا عن طرق يدفعون بي فيها إلى السجن، لكن لم ينجحوا. لم أعاتب أحدا، ولم أشغل نفسي غير بالبحث عن طرق أخرى للنشر وكنت أنجح.
كتاب الستينيات أقاموا سورا حولهم لا يدخله غيرهم، وداخل السور السيئ منهم إبداعيا مع الجيد، وصارت كلمة الستينيات تعني العظمة، لكني لم أقل أبدا أنهم جيل سيئ الكتابة.
في النقد الأدبي مثلا لم يكتب ناقد من نقاد الستينيات عني مقالا غير عبد الرحمن أبو عوف. لم أعاتب أحدا فهم أحرار في ما يكتبون، كما أنا حر في ما أكتب ولم أذكر أحدهم بسوء. كان هناك غيرهم، يكتب عني من كبار النقاد والمفكرين مثل علي الراعي وشكري عياد وأحمد عباس صالح وصلاح فضل، وأجيال أحدث يطول ذكر أسمائها فضلا عن نقاد عرب كثيرين. ظللت محبا لمن لم يكتب عني ولم أهاجمه لأيّ سبب يخصني أو يخص غيري حتى لا يتصور أنى «زعلان» من إهماله لأعمالي. ظللت التقي بهم بشوشا محبا استمع إليهم في شغف. رفعت لنفسي شعار العالم واسع فسيح الأرجاء.
كتاب الستينيات أقاموا سورا حولهم لا يدخله غيرهم، وداخل السور السيئ منهم إبداعيا مع الجيد، وصارت كلمة الستينيات تعني العظمة، لكني لم أقل أبدا أنهم جيل سيئ الكتابة. كلمة جيل تجمع بين أفراده، بينما هناك منهم من رأيت منه إبداعا عظيما وسلوكا أعظم، حتى لو بالصمت عما حوله من مشاحنات، ووجود شخص أو اثنين يضمرون لك العداء لا يعني أن تذم جيلا كاملا. في كل زمن وكل جيل هناك السيئ والجميل. ارتحت إلى من سموني معهم كتاب السبعينيات، ليس لذلك، لكن لأني لم أرَ منهم غيرة أو حربا، وبلغ حبي لبعضهم السماء مثل المنسي قنديل ومحمد المخزنجي وعبده جبير وسعيد الكفراوي وسلوى بكر ومحمود الورداني. لا أعرف بين هذه الأسماء من ضيع وقته في قطع طريق أحد. بعيدا عن التربية والتعليم والحياة عموما في الطفولة والصبا وأثرها، فهناك طبعا من هم مجبولون على الشر، وهؤلاء في كل الأجيال، المهم كيف لا تضيع وقتك في حرب معها. أنظر حولي الآن فأرى كثيرا من الأجيال الجديدة حائرين مهتمين جدا بالهجوم على بعضهم ولو من غير أسماء، فيتحدثون عن الشللية والمنفعة المتبادلة، وبعضهم يتمني موت الكبار الذين يموتون كل يوم! أرى ذلك ولا أهتم بحكم العمر وما أنتجت من أعمال.
أقدم نصيحتي دائما لمن يشعر بالغبن أن لا يشغل نفسه إلا بما يكتبه ويجوّد فيه فهو الجمال الحقيقي، أو يفعل كما كنت أفعل حين أعود من الخارج بعد سماع نميمة تكفي العمر كله، وكيف كنت أعود فأستحم، ومع الماء الساقط من الدُش على جسدي يجري إلى فتحة البانيو، ينزل كل ما سمعته، وأخرج أوسع في العالم بالقراءة، أو الكتابة وسماع الموسيقى الكلاسيك. يوما ما كان هناك من يجمعنا أو يجمع أكثرنا حين كنا مشغولين بالسياسة، لكن الآن أكثر الأدباء لا يولون السياسة اهتماما، ربما لذلك ينتبهون إلى بعضهم ويبحثون عن الرضا الضائع. أقول ذلك لأكثر من سبب، ليس أقلها من أتاح له فيسبوك ليشتم كل المثقفين باعتباره هو الذي لا يخطئ، أو يسجل على يوتيوب أحاديث لا يرحم فيها أحدا. أشفق على من هم مثل ذلك لأنهم دون أن يدروا يخسرون كل الناس، بينما لو تفرغوا لكتابة ما هم موهوبون فيه من الإبداع سيشعرون بالرضا الضائع. وحده الإبداع سبب للرضا، وكل ما حوله قبض ريح. حتى الجوائز التي تثير غضب أو حقد أو حسد الكثيرين، تأخذها مجاري الحياة التي ترتفع فيه الأسعارفي بلادنا إلى حد الخراء!! ومعذرة على التعبير.
كاتب مصري