يتطلب تناول استقالة رئيس الوزراء السوداني السابق عبدالله حمدوك، والسيناريوهات المتوقعة بعدها تقديم لمحة للسياق الذي جرت فيه الاستقالة. لذلك لابد من البدء من التظاهرات التي شهدتها العاصمة السودانية الخرطوم في ايلول/سبتمبر 2013 والتي قمعتها سلطات الرئيس المخلوع عمر احمد حسن البشير بوحشية مما أدى إلى سقوط 170 قتيلا ثم تجددت التظاهرات أولاً، في كل من الدمازين وعطبرة احتجاجاً على قرار الرئيس السابق برفع الدعم عن الخبز وارتفاغ الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية، ثم انتقالها إلى العاصمة القوميّة (الخرطوم والخرطوم بحري وام درمان) حيث تتوجت بالاعتصام أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة. وفي نيسان/ابريل اجتمع مدير جهاز المخابرات صلاح قوش ببعض قادة المعارضة ثم أعلن جهازي الأمن والجيش (اللجنة الامنيّة) خلع البشير وتسليم السلطة للقائد العام للجيش عوض ابنعوف ثم أزيح ليحل مكانه المفتش العام للجيش عبد الفتاح البرهان في 12 نيسان/ابريل 2019.
العلاقة الممتدة بين البرهان وحميدتي
في 3 حزيران/يونيو جرت المحاولة الثانية لقمع حركة الشعب إذ حاولت قوات عسكرية فض الاعتصام الذي ظل قائماً منذ نيسان/ابريل أمام مقر القيادة العامة للجيش وقد شكّل البرهان المجلس العسكري الانتقالي من 10 أعضاء، هم قيادات الأسلحة المختلفة للجيش السوداني بالإضافة إلى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان (حميدتي). لكن التظاهرات عادت بشكل أقوى في الثلاثين من حزيران/يونيو ذكرى انقلاب البشير على السلطة المنتخبة عام 1989. مما اضطر البرهان ورهطه بالقبول بوثيقة دستوريّة تنص على اقتسام السلطة بين العسكريين والمدنيين في مجلس سيادة تمتد ولايته لـ 39 شهرا يستهل قيادته العسكريون لمدة 21 شهرا يليه فترة قيادة مدنية تمتد لـ 18 شهراً، وكان ذلك بمثابة تنازل من العسكريين للمدنيين أملته إرادة الشارع لكن العسكريين اشترطوا رئيسا ونائبا للرئيس منهم بدلا من رئيس لهم ونائب مدني. حافظ الرهان وحميدتي على تحالفهما الذي تأسس على خلفية تعاونهما المشترك بقمع الحركات المسلحة في دارفور والذي امتد لتحالفات إقليمية من مظاهرها توريط قوات سودانيّة في حرب اليمن.
مفهوم السيادة لدى العسكريين
تقلد البرهان منصب رئيس مجلس السيادة، الذي تقاسم عضويته العسكريون والمدنيون (5 للعسكريين و6 للمدنيين) وتم ذلك في نفس الوقت الذي تولى فيه د. عبدالله حمدوك رئاسة مجلس الوزراء وتعامل العسكريون وكأن مجلس السيادة يعني سيادته على مجلس الوزراء، وقد دخل البرهان من خلال ثغرة ان الشركة أعطت العسكريين حصة وزارية تتمثل في وزارتي الداخلية والدفاع وبالتالي صارت الوزارتان خارج الإشراف المباشر لرئيس الوزراء. وظل البرهان وحميدتي وعسكرهم يتحدثون عن قصور حكومي لا يعتبران انهما مسؤولان عنه.
ولم يكتف البرهان بالسيطرة على مجلس السيادة ووزارتي الدفاع والداخلية وإنما أبرم اتفاقا مع الحركات المسلّحة (فصائل الجبهة الثورية) بعد ان كانت هذه الفصائل ضمن مكونات نداء السودان الذي يعتبر جزءا من قوى إعلان الحرية والتغيير. وبموجب الاتفاق «اتفاق سلام جوبا» الذي أبرمه حميدتي مع الحركات المسلحة حصلت الحركات على حصّة في السلطة والثروة، كما ان نصوص الاتفاق نفسه صارت لها قوة تفوق قوة نصوص الوثيقة الدستورية في حالة تعارضهما.
عزز العسكريون موقفهم باتفاق جوبا الذي منح الحركات المسلحة (مكاسب) تخاف من فقدانها إذا فقد العسكريون سطوتهم، وبالمقابل تضاءلت أهمية المكون المدني لدى العسكريين فلم يعد يعني لهم أكثر من مجرد مورد اقتصادي من المجتمع الدولي. وبلغ الأمر بهم درجة فض التحالف مع المدنيين باعتقالهم بشكل مذل رغم انهم كانوا وزراء، وذلك في انقلاب 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021 الذي لم تسبقه سوى خطابات فضفاضة ومعممة من د. عبدالله حمدوك عن مبادرات خجولة، وعبر عبارات عن وجود أزمة كبيرة يصفها بانها «أسوأ وأخطر أزمة تهدد الانتقال وتنذر بشر مستطير» وخريطة طريق، و «خليّة أزمة» لإجراء حوار بين كافة مكونات الحكم وقوى الثورة. وبمحاذاة ذلك كله كانت معارضة الانقلاب قد جعلت الثورة أشد زخما وقوة من مراحلها السابقة وحين عاد حمدوك محمولا بضغط (المجتمع الدولي) ووقع على (الاتفاق السياسي) مع البرهان قلّص قامته (المدنيّة) ليصير موظفا لدى البرهان؛ أما (الاتفاق السياسي) الذي عدّل الوثيقة الدستورية من طرف واحد لكي يحذف منها كل ما أراد، مثل الإشارة إلى (تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989) أو إلى (التحقيق في مذبحة فض اعتصام القيادة العامة) وغيرها ولم يمنح حمدوك سوى الحق في اختيار حكومة «كفاءات مهنية مستقلة».
صمت كصمت الحملان
وإذا كان حمدوك قد شدّد في خطابه عند قبوله الاتفاق السياسي، على ان سبب توقيعه يعود إلى انه يريد «حقن دماء السودانيين» فإنه قد عرف تماماً بان ذلك هدف بعيد المنال مع الفريق عبدالفتاح البرهان. وقد عبّر محمد ناجي الأصم، أحد رموز الثورة واتحاد المهنيين الذي قاد الثورة في بدايتها، حين كتب ونقلت عنه عدّة مواقع من بينها موقع «الرائد نت» يوم 3 كانون الثاني/يناير قوله تعليقا على الاتفاق السياسي «كان هذا الاتفاق أيضاً مؤشراً على عدم ادراكه (ويعني به ادراك حمدوك) لوحشية هذا الجنرال الذي جلس بجانبه وهو يوقع الوثيقة (الاتفاق السياسي)» وأضاف «إن الطريق الوحيد الذي كان من الممكن ان يفسح مجالاً ليطبّق حمدوك خريطة ميثاق الـ 21 من تشرين الثاني/نوفمبر هي ان نصمت وننحني لنسلم رقابنا للبرهان وحاشيته فنقبل برئاستهم للفترة الانتقاليّة وإشرافهم على كل مؤسسات الدولة ومفوضياتها وعملياتها الانتخابيّة المقبلة ناهيك عن استمرارهم في نهب الموارد وسفك الدماء». وفي ذات الوقت، بين عودة د. حمدوك إلى منصب رئيس للوزراء واستقالته، أصدر رئيس مجلس السيادة، عبدالفتاح البرهان، أمر طوارئ نشرته صفحة المخابرات العامة بتويتر يقضي بإعادة سلطات جهاز الأمن والمخابرات التي سحبت منه. وينص الأمر على منح القوات النظاميّة وجهاز المخابرات «سلطات اعتقال الأشخاص، والتفتيش، والرقابة على الممتلكات والمنشآت، والحجز على الأموال وغيرها» كما اشتمل الأمر على «عدم اتخاذ أيّ إجراءات في مواجهة أفراد القوات النظاميّة التي تتولى تنفيذ قانون الطوارئ». ويبدو ان صراعا قد نشأ بين البرهان وحمدوك حول التعيينات التي أصدرها حمدوك على امتداد عامين قبل الانقلاب الأخير والتي ألغاها البرهان خلال فترة عزله لحمدوك عن منصبه والتعيينات البديلة لها التي أجراها البرهان؛ فخطاب استقالة حمدوك لا يقدم تفسيرا سوى حديث عن التباعد والانقسام بين الشريكين وان قبوله للتكليف بمنصب رئيس الوزراء كان «على أرضيّة وثيقة دستوريّة وتوافق سياسي بين المكونين المدني والعسكري وهو ما قمت بالتبشير به كنموذج سوداني متفرّد، إلاّ انّه لم يصمد بنفس الدرجة من الالتزام والتناغم التي بدء بها».
ولم يتجاهل د. حمدوك المشكلة العالقة بعده فقدم وصية في خطاب الاستقالة بقوله «ان الكلمة المفتاحيّة نحو الحل لهذه المعضلة المستمرة منذ أكثر من ستة عقود من تاريخ الوطن هي الركون إلى الحوار في مائدة مستديرة تمثل فيها كل فعاليات المجتمع السوداني والدولة: للتوافق على ميثاق وطني ولرسم خريطة طريق، لإكمال التحوّل الوطني الديمقراطي لخلاص الوطن على هدي الوثيقة الدستوريّة».
ومع ان د. حمدوك ترك لنا وصيته بحل المعضلة المعلقة إلا انه بعد مغادرته البلاد سيكون حرا في ان يقدّم للرأي العام إجابات واضحة وصريحة حول عدد من الأسئلة التالية:
-هل طلب من وزراء الحركات المسلحة الاستقالة كي يستطيع تكوين حكومة كفاءات مستقلة لا تخضع للمحاصصة السياسيّة؟
-هل القوانين التي سنها البرهان والتي يستعيد بها جهاز الأمن سلطاته القديمة هي التي أجهضت مسعاه لحقن دماء السودانيين؟
-هل فشل في ان يحقق للبرهان رغبته في جلب المساعدات المالية من المجتمع الدولي؟
الخلاصة
هناك بيان من الاتحاد الأوروبي ودول الترويكا (النرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية) يقول فيه: «لن يدعم الاتحاد الأوروبي ودول الترويكا رئيس وزراء أو حكومة معينة دون مشاركة مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة المدنيين». وهناك أيضا تظاهرات ضخمة يوم 6 كانون الثاني/يناير اجتاحت كل المدن السودانية الرئيسية أظهرت قوة لجان المقاومة كما أظهرت وحشية قوات الأمن التي أقدمت على دهس المتظاهرين في مدينة أمدرمان.
الواضح ان البرهان لا يريد حكومة مدنية فعليّة، وإنما حكومة تشبه مجلسه العسكري الانتقالي الأول بجنرالاته الـ 10 أو رئيس وزراء مدني يمتثل له ولأوامره (وفقا للتراتبية العسكريّة) لكن بالمقابل هناك شارع مستعد للتضحية وقوى سياسية تتفاوض للوصول إلى برنامج الحد الأدنى لتوحيدها.