القاهرة ـ «القدس العربي»: تشهد القاهرة حالياً زخماً تشكيلياً، يتوافق وموسم الشتاء، وهو أساس العروض التشكيلية في مصر، سواء على مستوى الفنانين أو قاعات العرض، بخلاف موسم الصيف، الذي يقل فيه هذا النشاط بشكل ملحوظ. وبالطبع يستعد الفنانون لهذا الموسم بأعمال جديدة تضيف إلى تجربتهم، أو تكرارات لأكثرهم، يصرون فقط على التواجد من خلالها ليس أكثر.
من ناحية أخرى قليلة هي التجارب التي تحاول التواصل مع الروح المصرية، من دون حالات الشطط أو التقليد الساذج لتجارب غربية غريبة، يحاول مدّعو الفن من خلالها استعراض مواهب النسخ والتقليد، وأحياناً السرقة من أعمال أخرى.
وبغض النظر عن هذا وذاك تتواجد تجارب فنية تعبّر عن همّ حقيقي، سواء على مستوى الفكرة أو التقنية، وتحاول التعبير عنه فنياً حتى يتماس مع المتلقي، ويعبّر في الوقت نفسه عن لحظات وحيوات وبيئات يستشعرها ويتواصل معها آنياً أو من خلال الذاكرة.
ومن قبيل هذه المعارض معرض الفنان مصطفى عبد الفتاح، وهو معرض استعادي لأعماله، ومعرض «طعم البيوت» للفنان أسامة ناشد، ومعرض «هنا القاهرة» للفنان عصام كمال. وجميع هذه المعارض لم تزل مقامة في غاليري «ضي» في القاهرة. وربما جمعت المصادفة هذه الأعمال على تباينها لتوضح مدى اهتمام أصحابها وانشغالهم ببيئة وحياة المصريين على اختلافهم. لنجد المدينة، والريف، والصحراء، وهي تصوّر حالة نفي لفكرة المجتمع المصري ككتلة واحدة يمكن الحديث عنه كمجموعة متوافقة من البشر، موهومة الحدود والتفاصيل والملامح!
المدينة
تأتي أعمال الفنان عصام كمال في معرضه المعنون بـ «هنا القاهرة» كمحاولة توثيقية للقطات من مدينة القاهرة، ليجمع بين القاهرة القديمة وبناياتها من جهة، وبين البشر العاديين، الذين يتشابهون وهذه البنايات المتهالكة. حجارة مُنهَكَة بفعل الزمن، تقابلها أجساد أكثر إنهاكاً بفعل الظروف الاقتصادية. لا يُفرق كمال هنا ما بين الناس والأماكن، خالقاً تناغماً بين مدينة تجاهد كي لا تنتهي.
كذلك لم يعد الأمر قاصراً على الاحتفال بشخوص وأماكن تراثية كما كان في السابق، أو كما يحدث الآن من قِبل بعض الفنانين، الذين يصرّون على السير في ركب البروباغندا ووسائل الإعلام، عن الأماكن اللطيفة صاحبة الإرث العريق، والمصري البسيط المُبتسم على الدوام ــ إبتسامة بلهاء في الغالب ــ راضٍ بحاله وحياته. وكلها ألعاب لإرضاء السلطة من جهة، أو أن الفنان لا يعرف هؤلاء إلا من خلال السياحة، بل قد يعرف السائحون أكثر منه، لكنه يُصر على تزييف الحقائق، وتصوير الآخرين وفق مخيلته الضحلة.
يحاول كمال الاقتراب من هؤلاء، أن يرسمهم كما هُم، بدون مواربة، مع الاحتفاظ بالحِس الجمالي، دون مباشرة التوثيق. ولذلك يستخدم تقنيات غربية بعض الشيء، من دون تقليد لفنانين كبار سابقين. ففي لوحاته تجد تقنية غربية بدون التورط في حِس إستشراقي سخيف ــ وهي اللعبة التي يمارسسها الكثير من الفنانين المصريين متوسطي أو عديمي الموهبة والوعي ــ فهناك أماكن ستغيب حتماً، ووجوه ستتوارى وأصحابها. هذه المدينة التي تختفي يحاول الفنان الاحتفاظ ببعض من ملامحها، ربما لن نجدها بعد وقت سوى في اللوحات أو الأعمال الأدبية.
روح المكان
الريف المصري، بعض من مشاهد ولقطات للحياة الساحلية، مراكب نيلية ترتسي الشاطئ، النخيل، البيوت والقباب، ممرات ضيقة، أسطح يعلوها جريد النخل، جلابيب وأماكن عبادة. هكذا يبدو عالم الفنان أسامة ناشد في معرضه «طعم البيوت» لتبدو البيوت هي ثيمة الأعمال، إلا أنها تكشف الكثير عن أهلها وحياتهم، فلم يقتصر العنوان على الطبيعة الصمّاء، بل امتد وأوحى بساكني هذه البيوت. من ناحية أخرى لا يستخدم الفنان سوى الأبيض والأسود ليرسم هذه البيئة وحيوات أصحابها. ومن خلال التنوع في الخطوط ــ رغم الاقتصار على لونين فقط ــ تتباين هذه الأماكن، ليس على مستوى التشكيل وحسب، ولكن من خلال الاختلافات بين خط قوي حاد، وخطوط أخرى منحنية تمثل الطرقات على سبيل المثال، إضافة إلى استعراض بعض المهن، كمهنة الصيد. ولكن فكرة العنصر البشري هنا تكاد تختفي، فالطبيعة بدورها تمثل الثقل الأكبر، والأكثر تأثيراً في اللوحة، وبالتالي على الشخوص، الذين لا يظهرون إلا بالكاد، لتتشكل العلاقات بين مركبٍ راسٍ وأشجار تتطاول فروعها حتى تلامس الماء، خالقة ظلالاً بأسودها القاتم، مقابل الخطوط الرمادية التي يتكوّن منها شكل المركب، هذا التباين يُعد أساساً لدراما اللوحة، بجانب علاقة خلفية ومقدمة التكوين. الملمح الآخر في أعمال أسامة ناشد أنه يجعل البطولة للمكان وتفاصيله، وما الناس إلا مخلوقات تعيش تحت سطوته، فيبدون صغاراً مقارنة بما يحيطهم، أو في عمق اللوحة، بما يوحي بمدى تأثير البيئة واحتوائها لهم. هناك سيطرة مطلقة على الأماكن التي تُشكّل ساكنيها على هواها.
عالم الريف والبدو
وفي الأخير يأتي المعرض الاستعادي للفنان مصطفى عبد الفتاح، الذي يستعرض من خلال أعماله عالمي الريف والبدو في مصر ــ بدو سيناء بالأخص ــ موضحاً تباين البيئات والشخوص، ذلك باستخدام أساليب وتقنيات مختلفة تطورت مع تطور تجربة الفنان الجمالية. لكن المُلاحظ أن هناك بعض السمات الثابتة التي يحرص الفنان عليها في اللوحات، بداية من حالة التناغم بين الإنسان والطبيعة التي تحيطه، بتكويناتها ومخلوقاتها من جبال وحقول وطيور وحيوانات، ثم حالات من طقوس هذه البيئات، كالاحتفاء بمولود جديد، أو وقت الحصاد، أو مجرد تصوير العمل في الحقل، وهذا التوافق في العمل بين الرجال والنساء. إضافة إلى محاولة التماس مع الفن المصري القديم، كحالة من حالات التواصل التي لم تنقطع، يظهر ذلك في الألوان، ثم تكوين أجساد النساء وتوزيعهن داخل إطار اللوحة، وكأنهن مرسومات فوق جدران المعابد المصرية، ولكن هذه المرّة يحملن جرارهن، ويسرن في طرقات القرى المتربة، في ثياب الفلاحات المعهودة، بدون نسيان أن ترافقهن في هذه الرحلة العديد من الحيوانات الأليفة، كالماعز والإوز والأبقار، وليختفي المعبد القديم لتحل محله في عمق اللوحة مأذنة الجامع الريفي.
ورغم أن هذه اللقطات توحي بأنها مأخوذة من وقائع حياتية، إلا أن الفنان عمل على الإيحاء بها، أكثر من كونها نقلاً عن مشاهد حقيقية، ويتبدى ذلك في التكوينات والألوان، لتصبح هذه الأشياء ــ عناصر اللوحة ــ في بعض الأحيان تناقض المنطق الحقيقي، مجسدة حالة أقرب إلى السوريالية، بعيداً عن الشطح السوريالي المعهود، فنجد تحويرات محسوبة للأجساد والحيوانات، التي تتراقص في ما يُشبه الدائرة، أو تطير في الهواء.
وفي الأخير، نجد أن البيئة والمكان هما أساسا هذه المعارض المختلفة، والتي من خلالها حاول أصحابها التعبير عن ملامح متباينة للحياة المصرية التي نظن معرفتها، لكنها معرفة موهومة إلى حدٍ كبير.