من الممكن لأيّ كان اليوم أن يشاهد فيلما من أفلام الرعب. سيكتشف من يشاهده أنّ مخرجي هذه الأفلام استطاعوا بما توفّر لهم من إمكانات أن ينقلوا الرعب إلى الشاشة، ويجعلوا الخوف في الصور. ليس من اليسير أن تنقل مشاهد من حالة عاديّة إلى حالة الهلع والخوف، وأن يستثير الفيلم المتفرج حدّ الخوف، وأن يكون الخوف لديه عنصر فرجة وترفيه، فذلك من أصعب أعمال السينمائيّين، من مخرجين وتقنيين وممثلين.
أن يؤثّر الخيال المخيف في الأفلام، أو في النصوص القصصية، في أذهان المشاهدين أو القراء فيخافون، فذلك مثير للانتباه، وإن كان كثير من الدارسين اليوم، يقارنون بين أن تثير الكلمات المكتوبة والمقروءة الخوف، وأن تثيرها المشاهد السينمائية، التي تتعامل فيها أشكال مختلفة وتأثيرات سمعية بصرية، في خلق هذا الشعور، ويعتبرون أنّ إثارة اللغة وحدها، المشاعر نفسها فيه قدرة جبارة تتقاسمها في الأفلام مثلا، الصورة والصوت والإضاءة والكلمات.
لا شكّ في أنّ اللغة التي تثير العاطفة خوفا أو ارتياحا، حزنا أو غبطة، هي نفسها من جهة الأبنية والعلاقات الإعرابية، لكنّها من جهة التوليف وإكساء الأبنية النحوية بعبارات معجمية ذات أشكال مختلفة مختلفة؛ ففي قولنا على سبيل المثال: (انفتح الباب) يسند فعل الفتح إلى فاعله، الذي هو في أصله مفعول في المعنى، إذ لا ينفتح الباب بنفسه، بل بقوة فاعلة، فالفعل أسند بفعل ما يسمّى بالانعكاس إلى ما ينبغي أن يكون مفعولا، لكن حين تقول (فُتح البابُ) فأنت قد أسندت الفعل إلى مجهول، وهناك أسباب للجهل بالفاعل من بينها، أنّك لا تعرف ما الذي فتحه واللعب على المجهول، يمكن أن يكون من أسباب بناء التخويف في سياق زرع اللغة للرعب، البناء للمجهول مثلا طريقة نحوية من طرق بناء اللغة للخوف، لكن في سياق بناء وضعية مرعبة.
ففي اللغة علاقات وأبنية تسمح للرعب أن يبنى، ففي بناء الفعل إلى المفعول (انفتح الباب أو فتح الباب) تحدث الأشياء من غير ظهور فاعل يحدثها. ففي مقطع من المقاطع يكون الجو هادئا هدوءا يبعث الريبة، ثمّ فجأة ينفتح الباب الذي لا يمكن أن ينفتح من تلقاء نفسه، فيكون ذلك عنصرا من عناصر بناء الخوف في وضعية ملائمة لبنائه.
ما نريد أن نؤكّده في هذا السياق، أنّ ما يبني الرعب في النصوص ليست العناصر اللغوية المتاحة، التي توظف بشكل لغوي مهمّ، بل بناء سياق عرفاني مخالف للسياق العرفاني المألوف. السياق العرفاني هو الطريقة التي يعالج بها الذهن الأحداث أو المواقف في سياقات مختلفة؛ وذهب المنظرون إلى القول إنّ أشكال الذكاء متعددة وتشمل، على الأقل، الذكاء اللغوي والمنطقي الرياضي والمكاني والموسيقي والحركية الجسدية، والذكاء الشخصي وغيرها. هذه الأشكال من الذكاء تتفاعل في ما بينها مراعية العالم الباطن، والعالم الخارج، وتجربة هذا التفاعل تجعل المرء في وضعية اكتشاف دائمة، يستعمل فيها المألوف ليعالج الوضعيات الجديدة الحادثة. المألوف في وضعية انفتاح الباب بفعل الريح ليلا، يتمثل في أنّ الأمر موكول إلى قوة طبيعية تدفع الباب، وبما أنّ هذا الفعل يتكرر في التجربة اليومية فإنّه يكون مألوفا. وأن تسقط ملعقة سهوا على الأرض، وأنت تأكل، من يدك فذلك فعل مألوف تؤكّده التجربة، لكن أن ينفتح الباب المغلق بالمفتاح غلقا محكما في ليل لا ريح فيه، وأن تسقط ملعقة من على الطاولة من غير أن يحدث إسقاطها شخص ما، أو قطّ ما، فذلك لا يتناسب في معالجاتنا الذهنية لا مع تجاربنا المألوفة في الكون، ولا مع تفسيرنا لهذه الوقائع. تصوّر أنّك تأخذ الملعقة إلى فيك لتشرب الحساء، فهذه عملية عرفانية مألوفة، لأنّ سياقها مألوف ولأنّها مألوفة لا تثير انفعالا بالخوف. لكن تصوّر أن توضع إزاء مشهد لا ترى فيه شخص الآكل، بل ترى فيه ملعقة تتحرك بين الصحن وموضع يسكب فيه الطعام. الصورة التي يثيرها المشهد المرئي في السينما، أو الموصوف باللغة، هي صورة فيها لعب على الصورة المألوفة التي تتكون لدينا عن نشاط الأكل، فما يحدث هو أنّ تلاعبا ما حدث بتلك الصورة، هزّ استقرار النفس الباطنة، التي كان يصنع استقرارها كون تجري فيه الوقائع والأحداث بشكل مألوف، يكون كل شيء فيه ظاهرا، الآكل والملعقة والصحن وبقية العناصر والحركات والأحداث.
لو أنّ المشهد السينمائي ينقلُ المقطع السردي أعلاه، لحذف بالتقنية شخص من يرفع الملعقة ويشرب الحساء، وهذا ممكن، وهذا نفسه الذي فعلته اللغة حين غيبت الفاعل الأصلي ونسبته إلى الملعقة نفسها.
اللغة وهي تصف مشهد الخوف هذا لن تستعمل إلاّ الأساليب المألوفة التي تستعمل في سياقات أخرى سيقول الكاتب مثلا: (ملأت الملعقة الحساء من الجفنة وارتفعت إلى مكان ما لتنصب فيه بهدوء وإحكام، دون أن يندلق شيء منه على الأرض. لم يكن هنا من شيء تراه يحرّك الملعقة أو يبتلع ما تحويه من طعام).
ما يصنع لغويّا هذا المشهد هو إسناد الفعل إلى الأداة من ناحية، ونفي صريح ومتين لحضور الفاعل الحقيقي في المشهد، بالإضافة إلى نفي ما يمكن أن يؤوّل به الحدث تأويلا يسكّن النفس، وهو أنّ الحساء يقع على الأرض.
لو أنّ المشهد السينمائي ينقلُ المقطع السردي أعلاه، لحذف بالتقنية شخص من يرفع الملعقة ويشرب الحساء، وهذا ممكن، وهذا نفسه الذي فعلته اللغة حين غيبت الفاعل الأصلي ونسبته إلى الملعقة نفسها. لكنّ المشهد السينمائي يمكن أن يستعين بالأصوات، لكي يؤكّد أن الملعقة وهي تملأ وتفرغ تسكب في فم ما ويمكن أن يُختار مقطع موسيقي يقوّي الخوف، ويمكن أن يتحكّم في توزيع الأضواء والظلمة بشكل يصنع ذلك الخوف. كل هذه العناصر التي تصنعها السينما لا وجود لها في النصّ المستأنس باللغة وحدها. لكنّ القارئ يمكن أن يخاف بأن ينتج هو بنفسه عناصر الخوف التي تؤثث المشهد؛ بالطبع هو لن يصنع موسيقى ولا أضواء هو سيبنيها داخل المشهد كي يخاف. هناك استعداد لانخراط الذّهن في إكمال ما لم تقله اللغة حرفيا، لأنّ الذهن وهو يقرأ لا يتقيّد بحجم المقول، بل تحدث انفعالات وتصوّرات أخرى تكمل ما لم يقل. لا يصنع النصّ وحده ولا الكاتب بمفرده الرعب، بل يصنعه باستعداد وبتفاعل وبضرب من المزيج بين أذهان ووضعيات شتى. وليس صحيحا أنّ اللغة تصنع ذلك بأسلوب التخويف والترويع؛ اللغة في هذه النصوص لا تخرج عن المألوف، بل هي تجعل أساليبها التي تصنع بها الرعب هي الأظهر، تبرزها وتضعها في الواجهة. فعلى سبيل المثال يقال لنا إن نحن أسندنا فعل الرفع والإفراغ إلى الملعقة، وفي سياق عادي بأنّ في اللغة مجازا لأنّ الفاعل الحقيقي ليس الملعقة، لكنّ الرفع والإفراغ في هذا السياق عمل حقيقي، فلم تعد هناك حقيقة ومجاز، بل انعدم الكون اللغوي الثنائيّ وزالت المسافة التي تفصل بين الحقيقة والمجاز في اللغة، وصرنا من ثنائيّة في الكون تهدّئ النفوس إلى واحديّة فيها تثيرها.
إنّ إسناد فعل حقيقيّ لا إلى فاعله الحقيقيّ، وتسمية ذلك مجازا هو وضعية تعالج فيها الوقائع في السّياقات المألوفة، لكن أن تصوّر عالما موازيا تتحرك فيه الملاعق وتملأ هي نفسها من الجفنة، وتفرغ في الحلوق، فذلك حقيقة أيضا وستعالجه أذهاننا على أنّه عالم ممكن. حين نرى رواد الفضاء وهم في مركباتهم يسبحون، ونرى الطعام يطير إلى أفواههم سنتعامل مع تلكم الأحداث على أنّها وقائع، لكن لو فعلوا ذلك في الأرض لشعرنا بأنّهم مسكونون بأرواح شرّيرة ولسكننا الرعب من المشهد، لأنّ المكان الذي نسكنه فيه جاذبية الأجساد وما عدا ذلك هو جاذب للعقول سالب للألباب.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية