في 21 كانون الأول أُدين دكتور تشارلز لير، وهو بروفيسور كبير ورئيس سابق لقسم الكيمياء والكيمياء الحيوية في جامعة هارفرد، من قبل هيئة محلفين فيدرالية بتقديم تصريحات كاذبة وتجاوزات ضريبية، بعد أن وجد مذنباً بإخفاء علاقته مع الجامعة التكنولوجية في أوهان، وبالعقد الذي وقعه مع “برنامج الألف موهبة” الصيني. حسب لائحة الاتهام، فإن مجموعة البحث التي يترأسها في هارفرد تلقت دعماً يبلغ أكثر من 15 مليون دولار من معهد الصحة الوطني (NIH) ومن وزارة الدفاع الأمريكية، وهو تمويل يقتضي التصريح عن كل نشاط مع حكومة أو هيئة أجنبية، والذي من المحتمل أن يكتنفه تضارب في المصالح. حسب لائحة الاتهام، لم يُبلغ ليبر عن العقد الذي وقع عليه في ذلك الوقت مع “برنامج الألف موهبة”، والذي حصل في إطاره على دفعة شهرية تبلغ 50 ألف دولار على بدل معيشة سنوي بمبلغ 158 ألف دولار ومنحة تبلغ مليوناً ونصف المليون دولار لإقامة مختبر أبحاث وإعداد طلاب صينيين في جامعة أوهان.
“برنامج الألف موهبة” ربما هو البرنامج المشهور من بين حوالي 600 برنامج لتجنيد المواهب التي تنفذها الصين في أرجاء العالم، بهدف تجنيد خبراء دوليين رواد في مجال البحث العلمي والريادة والإبداع. حسب بيانات حكومة الصين، فإنه في السنوات ما بين 2008 إلى 2016 جند حوالي 60 ألف خبير أجنبي بهذه الطريقة. وتشمل هذه المبادرات التعاون مع مختبرات ومؤسسات بحثية، وبرامج تدريب مشتركة لباحثين صينيين وباحثين أجانب، ومؤتمرات دولية في مواضيع التكنولوجيا والإبداع وغيره.
حسب تقرير للمعهد الأسترالي للاستراتيجية والسياسات (ASPI) من سنة 2020، فإن نشاط البرامج الصينية لتجنيد مواهب تشمل قنوات علنية وقانونية إلى جانب قنوات سرية وغير قانونية. تتوجه برامج التجنيد لباحثين أجانب بصورة شخصية وتعرض عليهم الكثير من المزايا والتسهيلات مقابل التعاون البحثي وتحويل المعرفة المتطورة الموجودة بحوزتهم للصين. تتم هذه التوجهات في الغالب بصورة سرية، ويطلب من المجندين الحفاظ على سرية انضمامهم لهذه البرامج.
في أيلول 2018 قررت حكومة الصين أن تزيل عن الإنترنت أي تطرق لبرنامج الألف موهبة، وأمرت المجندين في كل البرامج التوجه إلى مرشحين محتملين تلفونياً أو عبر الفاكس وليس عبر الإيميل. تعمل البرامج الصينية لتجنيد المواهب منذ عدة عقود في عدد متنوع من الدول التي تمتلك وتطور تكنولوجيات متطورة. بؤرة نشاطها الرئيسية هي الولايات المتحدة، ولكن معروفٌ أيضاً وجود نشاطات لها في فرنسا، وألمانيا، واليابان، وسنغافورة، وأستراليا، وكندا.
تجنيد المواهب في العالم مكون مهم في جهود الصين للحصول على تكنولوجيات من دول أجنبية. تجنيد خبراء أجانب هو منبر حيوي لنقل التكنولوجيا المتطورة، بعد أن طورت على حساب دول ومؤسسات أخرى مع تضارب مصالح دائم بين الخبراء وبين مؤسساتهم الأم. تشكل الامتيازات المادية والمهنية إغراءً للتعاون، فيما غطاء السرية يصعّب على المؤسسات الأم ودول المنشأ تمييز الظاهرة ومراقبتها. يجري تجنيد المواهب من أوساط خبراء في مجالات المعرفة المدنية، وفي مجالات تلامس جوانب أمنية وعسكرية. مثلما في حالة ليبر، فإن جزءاً كبيراً من الدعاوي في هذا الموضوع في الولايات المتحدة يستند إلى تصريحات باطلة وإخفاء معلومات خلافاً لالتزام الباحثين وبرامج بتمويل حكومي.
اهتمام الصين بالتكنولوجيا في إسرائيل ليس سراً، وهذا ما يمكن معرفته من برنامج “الشراكة العامة للإبداع” الذي وقع بينهما في بداية 2017. ومثلما في باقي الدول الرائدة في البحث والتطوير الأمني والتكنولوجي، يمكن الافتراض بأن الصين تستخدم في إسرائيل أدوات وأساليب مشابهة، قانونية ومكشوفة، إلى جانب أساليب غير قانونية. نشب تقرير شركة “فاير اي” من آب هذا العام، عن هجوم واسع من التجسس الصناعي والتكنولوجي والتجاري في السايبر، الذي نسب للصين ووجه لإسرائيل أيضاً.
أقيم في تل أبيب وبئر السبع “فروع تجنيد” للصين، والملحقية الاقتصادية والتجارية لجنوب غرب الصين في القنصلية الإسرائيلية في “تشنج دو” نشرت مؤخراً دعوة لمرشحين لمسابقة ” كأس مواهب تشنج دو”، التي أزيلت عن الشبكة بسرعة.
إسرائيل شريكة في استمرار وتقدم علاقات مثمرة وآمنة مع الصين أيضاً مستقبلاً، بما في ذلك تعاون في تكنولوجيات معينة، مع العلم والموافقة. وكما قلنا، فإن نشاطات برامج تجنيد المواهب للصين تظهر أيضاً في إسرائيل، ولكن صورة نشاطاتها غير واضحة، وكما يبدو ليس هنالك مؤسسات أكاديمية تلزم أعضاءها اليوم بالإفصاح عن مشاركتهم في هذه البرامج.
طالما أن باحثين وخبراء من السلك الأكاديمي يشاركون في مشاريع بتمويل جهاز الأمن، فإن هذا الجهاز يتحمل المسؤولية الأمنية عنهم، وعليه التأكد من رقابة مناسبة في هذا الشأن. إن منع تسرب معرفة وتكنولوجيا هو مصلحة قومية تتجاوز مجالات جهاز الأمن إلى مستقبل اقتصاد الإبداع لإسرائيل، ويقتضي رداً مناسباً سواء في المجال الأكاديمي أو على المستوى الحكومي.
بقلم: أساف أوريون ودانا شم-أور
هآرتس 11/1/2022