يقول العقل الصهيوني أوتوماتيكياً: البدو يسيطرون على النقب. بعد لحظة سيسيطرون على الدولة كلها. إسرائيل في خطر: يجب العمل فوراً وبقوة. من الواضح أن يتم الأمر بالقوة. في الخارج هذا يبدو مثل عشية حرب أهلية. غرباء، انفصاليون، غزاة، أعداء من الداخل، يحاولون السيطرة على قطعة من البلاد ونزعها من يد الدولة. في الحقيقة، هؤلاء مواطنون من الدولة ويقاتلون من أجل حقوقهم على هذه المنطقة من البلاد التي هي بلادهم، على الأقل مثلما هي بلاد اليهود. في هذه الأثناء ليست لهم أي طموحات وطنية، لكن النقب كان بدوياً قبل وقت طويل من كونه يهودياً. ما السيئ في ذلك؟ “بني براك” أصولية، والنقب بدوي. والكيبوتسات أشكنازية ومدن التطوير شرقية وروسية. هكذا هو الأمر في الدولة متعددة القوميات ومتعددة الثقافات. ولكن عندما يقوم الأصوليون ببناء المزيد من الأحياء والمدن لأنفسهم فإن الدولة لا تقوم بمحاربتهم، وعندما يريد البدو أراضيهم لأنفسهم، فهذا يعتبر خطراً على الدولة.
جميع شعارات الصهيونية الكاذبة وأساليب العمل القديمة والسيئة يتم تجنيدها لهذا الهدف، وكأن الدولة لم تقُم بعد، ولا يجب أن يسقط النقب في يد العدو. تربينا على إحياء اليباب، وهو ازدهار لليهود فقط. توطين النقب، الذي هو قيمة صهيونية أخرى متطورة أكثر، يعني تهويده. ليس توطين النقب أو إحياء اليباب هو ما يهم الصهيونية، بل ما يهمها هو التهويد.
إذاً، التهويد هو الوجه الآخر للتطهير العرقي. إذا كان إحياء اليباب قيمة، فمن غير الواضح لماذا. ما السيئ في أن يتم الإحياء على أيدي أبناء النقب، الأشخاص الذين يعرفون الصحراء، تعودوا على العيش فيها ويحبونها أكثر من أي شخص آخر؟ وإذا كان توطين النقب قيمة، فهذا غير واضح لماذا، فما السيئ في توطينه على أيدي البدو. أليسوا بشراً؟ أليسوا إسرائيليين؟ على الأقل لنقل ذلك.
الآن تم إخراج سلاح الصهيونية الصدئ الذي كان مخبأ منذ العام 1948، وهو التشجير. شخص بريء جداً جاء يبكي، يريد تغطية البلاد بالخضرة، هذا أمر صهيوني جداً، والآن يبدو هذا أيضاً أمراً بيئياً. عشية عيد الشجرة هناك تشجير في النقب. في طفولتنا أخذونا إلى حديقة مئير في 15 شباط لغرس الأشجار، كان أمراً مؤثراً. لم نكن نعرف في حينه أي شيء. لم نعرف أنه بأموال الصندوق الأزرق يقومون بتغطية البلاد بأشجار الصنوبر، عملية صنوبر كبيرة، من أجل تغطية جرائم 1948 وتغطية الخرائب الصامتة، ومن أجل ألا يعود عربي إلى بيته الذي تحول إلى غابة. الآن سنقوم بزراعة غابة غير طبيعية كهذه أيضاً في الصحراء.
ايتمار بن غبير حصل في السابق على مصادقة من الحاخام دوف ليئور للزراعة في سنة المحل. وسارع إلى النقب يحمل الأشتال في صندوق سيارته. ومعلم الشريعة، عميت سيغل، أصدر حكماً وهو “نشاط طبيعي وصهيوني لا مثيل له… ألا يتوقف غرس الأشجار”. سيغل محق. أمر طبيعي جداً وصهيوني جداً، غرس الأشجار من أجل التغطية على جرائم. ذات يوم أحضروا جميع السفراء لغرس “غابة السفراء” في النقب بدون أن يبلغوهم بأن الهدف الوحيد للغابة الوهمية هو التغطية على قرية العراقيب البائسة التي تم هدمها 183 مرة.
“سنبني ونزرع ونطور وهم سيحرقون ويهدمون ويخربون. من الواضح جداً من الذي يقدس هذه البلاد”، قال أوفير ديان، متفاخراً في تغريدة. كيف يمكن للمرء مقارنة المزارعين اليهود الرائعين مع المخربين البدو، الحيوانات البشرية؟ دعونا نزرع الغابات على الأراضي الخاصة في “كفار شمرياهو” أو على أنقاض بيت اوفير ديان، ولنرَ من يقدس هذه البلاد.
في السابق، طهرنا النقب جزئياً في 1948، نحاول طرد أحفاد لاجئيه الآن أيضاً من مكان لجوئهم الجديد، في جنوب جبل الخليل. في هذه الأثناء، يعيش ربع مليون بدوي إسرائيلي في النقب، وهو يعود لهم على الأقل مثلما لكل إسرائيلي آخر. في هذا التجمع مشكلات اقتصادية واجتماعية كثيرة يجب علاجها بطرق مختلفة. وعمليات غرس خبيثة ليست واحدة منها. نقب بدوي هو ليس أقل إسرائيلية من نقب يهودي. وفي اليوم الذي سنعترف فيه بذلك، فإن جزءاً من المشكلات سيحل من تلقاء نفسه.
بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 13/1/2022