تجارب قديمة لتحفيز المخيّلة

حجم الخط
2

إن لم تجد ما تكتبه ابحث في قصص الحياة عن واحدة وأعد بناءها بطريقتك، الحياة مسرح كبير لشتى القصص المدهشة. فليست كل القصص التي تجود بها المخيلة قادرة على إدهاشنا.
بعض الكُتّاب يدركون ذلك منذ بداية مسيرتهم، شيء يجعلهم مقتنعين بأن الحافز الحقيقي لتغذية مخيلتهم هو قصة ما،لا تزال طي النسيان. وهذا ما لفتني إليه الكاتب الأمريكي دايفيد إيبرشوف (مواليد 1969 في باسيدينا ـ كاليفورنيا) صاحب رواية الفتاة الدنماركية، التي حاز بها جائزة لامدا الأدبية عام 2000، وقد صنفته صحيفة «نيويورك تايمز» ضمن الـ25 كتابا التي شكّلت أدب مجتمع الميم، على مدار العشرين سنة الماضية. لكن ما جعل الرواية تشتهر فعلا هو اقتباسها سينمائيا سنة 2015 وحصول ممثلة الفيلم الرئيسية أليسيا فيكاندير على جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة من أصل أربعة ترشيحات.
اتَّكَأ الكاتب على السيرة الذاتية لليلي إلبه، وهي أول متحولة جنسيا في العالم، بعد معاناة مع جسدها حين كانت ذكرا. تعود القصة إلى عشرينيات القرن الماضي، تزوجت الرسامة الشابة غيردا القادمة من كاليفورنيا أستاذها الدنماركي وحبيبها إينار فاغنر، وكانت حياتهما جميلة ورومانسية مليئة بالشغف والعواطف الدافئة، إلى أن طلبت منه ذات يوم أن يرتدي ثيابا نسائية لإتمام لوحة كانت ترسمها، لكن المفاجأة غير المنتظرة حصلت حين بدأ إينار يكتشف الأنثى التي في داخله، ويرفض الرجوع إلى شخصية الزوج، بل ظلّ عالقا في شخصيته الجديدة التي تقمصها مدعيا أنها ابنة عمه ليلي إلبه. شخّص الأطباء في الدنمارك سلوك إينار بمرض انفصام الشخصية، وقد أخذ بعض العلاجات التي فشلت في تخليصه من سطوة ليلي عليه، أمّا الأزمة الكبرى التي عاشها، غير صراعه مع نفسه، فكانت مع زوجته التي فقدت زوجها الحبيب ولم تستعده أبدا.
الشق الحاسم في قصة ليلي إلبه هو لقاؤها التاريخي مع الدكتور كورت وورنيكرس الذي أقنعته بإجراء عملية جراحية لتصحيح جنسها، موضحة مخاطرها، ومع هذا أقدمت عليها وتوفيت بعد التهابات أصيبت بها، جراء رفض جسدها للرحم المزروع لها.
بالتأكيد وكما في القصص كلها هناك بعد إنساني يحرّك مشاعرنا، لنتعلّم الغفران وتفهُّم الآخر، لكن هذا ليس موضوعي اليوم، فالكاتب في رحلة بحثه عن القصص المختلفة والمثيرة سيكتشف قصة أخرى أكثر إدهاشا هي، قصة الكاتبة أنّا إليزا يونغ التي أطلقت على نفسها اسم «زوجة يونغ التاسع عشرة» بعد تجربة مريرة داخل كنيسة المورمون، التي تبيح تعدد الزوجات، والتي ظلّت آثارها القاسية تحفر في ذاتها حتى حين سخرت نفسها لإظهار الحالة المزرية للنساء المحتجزات في نظامها الشبيه بنظام السجون. سنة 1876 نشرت سيرتها الذاتية بعنوان «الزوجة رقم 19» وهي السيرة التي استوحى منها إيبرشوف روايته، بعد أن زار المكان الذي شهد تلك الأحداث، وبحث عن تفاصيل كثيرة على نسق كتّاب الرواية التاريخية، الذين يعتمدون مراجع تاريخية لبناء رواياتهم. ترى ما هي الإضافات التي قدمها إيبرشوف؟ وهل هذا النوع من الكتابة مجرّد إعادة صياغة لحدث من الماضي؟ ثم ما معنى أن تكون الرواية مستوحاة بالكامل من قصة واقعية؟

تشير بعض المواقع إلى أن الفيلم تم منعه في دول عربية عديدة، كما حذفت أجهزة الرقابة في بعضها مشاهد العري منه، لكن ربما فاتها كلها أن تمنع الكتاب في الأسواق الحرة. لقد عبرت القصص دائما كل الأزمنة، وهي مستمرة في فعل ذلك، طالما هذا الإنسان يملك مخيلة حية وأدوات للقصّ.

في تعريفه للرواية التاريخية يشير جورج لوكاتش إلى أنها رواية تثير الحاضر ويعيشها المعاصرون، بوصفها تاريخهم السابق. بالنسبة لإيبرشوف يقوم اختياره لثيمات رواياته وقصصه القصيرة، على الأحداث الحساسة في تاريخنا الإنساني المعاصر ومنعرجاته الخطيرة، وسواء دافع عن حق النساء في الإمساك بزمام حياتهن ورفضهن لتعدد الزوجات واستعبادهن باسم الدين وقوانين جائرة، أو دافع عن حق المثليين في العيش، فإن طريقته لقول ذلك هي السرد، معتمدا على وقائع لا يزال التفكير الذكوري يحاول إخفاءها بالتقليل من قيمتها، بعد أن أصبحت بعض الأمور مقبولة نسبيا، رأى هذا الكاتب – وأمثاله ربما ليسوا قلة في عالم الرواية الغربية ـ أن لا معنى للرواية للتاريخية إذا لم تضع إصبعها على الجرح الإنساني، فحق العيش هو الحق الأول الذي يجب التسمك به، وما دام كل إنسان «قيمة روحية» يتميز بها فمن حقّه أن ينال الاحترام الذي تستحقه تلك القيمة.
سواء في رواياته أو في مجموعة قصصه «الحي الوردي» يأخذنا إيبرشوف إلى مرحلة «ما بعد الجسد» و»بطولات الروح» معتمدا على فكرة «الجسد القوقعة» التي لا يمكن اعتبارها سوى مجرّد أداة يستعملها الإنسان في مآربه الأرضية، أمّا الروح التي يراها البعض ولا يراها آخرون فتبقى في صيغتها الشفافة، التي لم نصل بعد لمرحلة فهمها جيدا، وهي ما يحاول هذا النوع من الأدب تقديم مفهوم لها.
في نصّه «الفتاة الدنماركية» يقدم رؤية رومانسية للأحداث، ولم يتظاهر في أي وقت بأنّه كاتب سيرة ذاتية، أو رواية تاريخية، كما حدّد في خلفية الكتاب، أنه تخيّل فقط ما يمكن أن يحدث وكتبه. نحن خارج مفهوم الرواية التاريخية، فهذا النوع من الكتابة يقوم على ثلاثة مقومات في نظري: أولا البحث عن قصة ملهمة من الواقع، ثانيا إنجاز بحث لجمع أطرافها من خلال الاطلاع على مصادر ومراجع لها، بما يكفي لتغذية النص، ثالثا الاعتماد على ركائز من القصة الحقيقية لبناء النص الروائي، وإطلاق العنان للمخيلة في ما عدا ذلك.
لا يمكن اعتبار هذه التقنية نوعا من التطفل على حيوات الآخرين، والاستثمار في معاناتهم، دون إذن منهم، إنها نص أعاد صياغة الوقائع بمصطلحات صحيحة تناسب الحاضر، ولغة وصفية مفعمة بالجمال، ما يجعلها تشبه متحفا حميميا صغيرا، يسهل التجوّل والاستمتاع فيه بملامسات حقيقية للوحات مبهرة، عن تعقيدات الإنسان وعلاقاته وعادات عصر لم نكن نعره انتباهنا.
هذه الرواية اكتشاف جميل ليس فقط للحياة غير العادية لهذين الزوجين، لكن لفنهما التشكيلي الخالد. لقد ولدت ليلي إلبه لتصنع مجد غيردا في فترة الثلاثينيات، ويبدو أنها لم تعرف أن ترسم غيرها، فبعد وفاة ليلي تزوجت غيردا من دبلوماسي إيطالي عاشت معه خمس سنوات في المغرب، لكنها انفصلت عنه دون سبب، وعادت للدنمارك حيث توفيت وحيدة في ظروف صعبة، ولم يأخذ خبر وفاتها غير زاوية صغيرة في جريدة محلية. ارتبط اسمها ونجاحها بالمرأة التي انبثقت من جسد زوجها الأول، وانطفأت بانطفائه.
بين الفيلم (إخراج توم هوبر) والكتاب، نجد الاختلافات التي أهملت التفاصيل المتعلّقة بوصف تقلبات الداخل لدى الشخصيات الرئيسية، وهي تفاصيل منحها الكاتب أهمية كبرى، في ما سقطت من الفيلم لأسباب أجهل إن كانت متعلّقة بالأداء، خاصة دور غيردا الذي جسدته الممثلة السويدية أليسيا فيكندر، وحصلت به على إشادة على نطاق واسع، كما نالت عليه أوسكار أفضل ممثلة مساعدة، أمّا إيدي ريدماين فنال عن دوره المزدوج (إينار وليلي) أوسكار أفضل ممثل.
وكلاهما الفيلم والكتاب حلّقا حول حقيقة غيردا وليلي، دون تقديم سيرة ذاتية حقيقية. الرواية مستوحاة من حياتهما الحقيقية، والفيلم مستوحى من الرواية مع إضافات للضرورة الفنية ربما، لكن المؤكد أن الفيلم هو الذي صنع شهرة الكتاب.
إثارة موضوع إعادة اكتشاف الذات واستكشاف ملذاتها، من خلال الانتقال الجسدي والعبور من الذكورة إلى الأنوثة، من خلال مواجهة ليلي لحالتها، يجعلنا ندخل في قراءة مرهقة، لكنّها ليست أقل جمالا من الفيلم الغني بالمشاهد المثيرة والألبسة النسائية الأكثر إثارة، والأجساد العارية المثخنة بالشهوة. وقد قيل في الرواية إنها من الروايات القليلة التي تناولت هذا الموضوع بالذات بطريقة عادلة.
تشير بعض المواقع إلى أن الفيلم تم منعه في دول عربية عديدة، كما حذفت أجهزة الرقابة في بعضها مشاهد العري منه، لكن ربما فاتها كلها أن تمنع الكتاب في الأسواق الحرة. لقد عبرت القصص دائما كل الأزمنة، وهي مستمرة في فعل ذلك، طالما هذا الإنسان يملك مخيلة حية وأدوات للقصّ.

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية